Al-Jazeerah: Cross-Cultural Understanding

www.ccun.org

www.aljazeerah.info

Books, February 2021

 

Al-Jazeerah History

Archives 

Mission & Name  

Conflict Terminology  

Editorials

Gaza Holocaust  

Gulf War  

Isdood 

Islam  

News  

News Photos  

Opinion Editorials

US Foreign Policy (Dr. El-Najjar's Articles)  

www.aljazeerah.info

 

 

 

الإسْلامُ

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ

تَأليف

حسن علي النجار

1442 ه \ 2020 م

CCUN Publishing & News

*** 

================================================================================

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف حسن علي النجار

Copyright © 2020/1442

طبع في الولايات المتحدة الأميركية:

P.O. Box 724, Dalton, GA 30722-0724

www.ccun.org

كلمات للبحث:

إسلام ، إيمان ، إحسان ، الهداية للبشرية ، قرآن ، حديث ، الحقائق العلمية في القرآن الكريم ، الخلق والتطور ، الاستخلاف في الأرض ، آدم والملائكة ، حرية العبادة ، النفس والروح ، النواحي الروحية والحسية في التعاليم الإسلامية ، علاقة القلب والعقل ، الشهادتان ، الصلاة ، الزكاة ، صوم رمضان ، الحج ، الله ، الملائكة ، اليوم الآخر ، القضاء والقدر ، نوح ، إبراهيم ، موسى ، عيسى ، محمد ، الإسراء والمعراج.

***

Islam: A Scientific View of God's Message to Humanity (in Arabic)

Copyright © 2020 by Hassan Ali El-Najjar. All rights reserved.

Printed in the United States of America. No part of this publication may be reproduced, translated, or transmitted in any form or by any means, electronic or mechanical, including photocopy, recording, or any information storage and retrieval system, without permission in writing from the publisher.

Published in the United States of America by the author.

P.O. Box 724, Dalton, GA 30722-0724

ISBN: 978-1-7923-4538-8

 

LCCN: 2020913930

Keywords:

Islam, Iman, Ihsan, guidance to humanity, Quran, Hadith, Quran scientific evidence, creation and evolution, God’s caliphs, Adam and angels, free worshipper, soul, spirit, spiritual-physical relationship, heart-mind relationship, proclamation of faith, prayer, zakat (charity), fasting Ramadhan, pilgrimage (Haj), Allah, angels, Last Day, God’s precise measurement and just decrees, Noah, Abraham, Moses, Jesus, Muhammed and his Night Journey (Al-Issra Wal Mi’raj).

=====================================================================================

إهداءٌ

لأُسرَتي الصغيرةِ والكبيرةِ

ولكلِّ من يريدُ السعادةَ في الدُنيا والآخرة

والخيرَ للبشريةِ جمعاء

======================================================================================

محتويات الكتاب

مقدمة

Contents

الإسْلامُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ

الفصلُ الأولُ: الإسْلَامُ ، نُبْذَةٌ مُخْتَصَرَةٌ

الفصل الثاني: مُسْتَوَيَاتُ العَقِيدَةِ الثَّلَاثِ ، الإسْلامُ وَالإيمَانُ وَالإحْسَانُ

الْفَصْلُ الثَالِثُ: الدَلِيلُ العِلْمِيُ عَلَى وِجُودِ اللهِ

الْفَصْلُ الْرَابِعُ: الخَلْقُ وَالتَّطَوُّرُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ

الفَصْلُ الخَامِسُ: الْإنْسَانُ خَلِيفَةُ اللهِ عَلَى الأرْضِ

الْفَصلُ السَّادِسُ: امْتِحَانُ آدَمَ أَمَامَ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْجَنَّةِ

الفَصْلُ السابِعُ: عِبَادٌ مُخَيَّرُونَ أَمْ عَبِيْدٌ مُجْبَرُونَ؟

الفَصْلُ الثَّامِنُ: العَلَاقَةُ مَا بَيْنَ النَّوَاحِي الرُّوحِيَةِ وَالْجَسَدِيَّةِ فِي التَّعَاليمِ الإسْلَامِيَّةِ

الفَصْلُ التَاسِعُ: الرُّوحُ وَالْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ

الفَصْلُ العَاشِرُ: الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَر:  نُطْقُ الشَّهَادَتَيْنِ ، الرُّكْنُ الأَوَّلُ فِي الإِسْلَامِ

الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَر: إقَامُ الصَّلاةِ

الْفَصْلُ الثَّالثُ عَشَر: إيتَاءُ الزَّكَاةِ ، الفريضةُ الثالثةُ في الإسلام

الْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَر: الصَّوْمُ وَرَمَضَانُ ، نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ مِنَ اللهِ لِلْمُسْلِمِينَ

الْفَصْلُ الخَامِسُ عَشَر: أَلْحَجُّ إلَى أوَّلِ بَيْتٍ للهِ عَلَى الأرْضِ


====================================================================================================

 الإسْلامُ

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ

 

تَأليف

حسن علي النجار

1442 \ 2020

***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 

ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (النحل ، 26: 125).

 

وقال عليه الصلاة والسلام: "بَلِّغُوا عَنِّي ولو آيَةً" (البخاري: 3461)

 

***

مُقَدِّمَةٌ

***

 هذا الكتابُ يقدمُ الإسلامَ على أنه رسالةُ اللهِ لهدايةِ البشريةِ ، من خلال رؤية علمية لمجموعة من الموضوعات العصرية المترابطة. وبالإضافة إلى ذلك ، فهو يعطي القراء بعض المعلومات الأساسية عن دين الله الحنيف ، كما أنه يحاول الإجابة على بعض الأسئلة الجوهرية عن الوجود الإنساني ، والغرض منه. والنية أن يكون مصدراً للتعريف بالإسلام ، ليس فقط للقارئ العادي ، وإنما أيضاً للدُعاة والإعلاميين والمربين والباحثين ، مسلمين وغير مسلمين ، على حدٍ سواء.

وتمثلُ آيات القرآن الكريم المرجع الأساس لمختلف الموضوعات التي يناقشها هذا الكتاب ، يلي ذلك الحديثُ الشريف ، ثم ما أورده أشهرُ المفسرين ، خاصةُ الطبري والقرطبي وابن كثير ، الذين ذكروا في تفاسيرهم أحاديث الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، وآراء الصحابة ، رضوان الله عليهم ، بالإضافة إلى آرائهم وترجيحاتهم. ويتبع ذلك تفسير الآيات الكريمة بما تم اكتشافه في العلوم الاجتماعية والطبيعية ، خاصة علوم الأنثروبولوجيا والاجتماع والأحياء والفلك ، لتبيان الإعجاز العلمي لكتاب الله ، لتثبيت المؤمنين على إيمانهم ، ولدعوة غيرهم للإيمان برب العالمين وبرسالته للبشرية. 

وينقسمُ الكتابُ إلى ثلاثة أجزاء. يضم الجزء الأول منها عشرة فصول ، تتناول مصادر التعريف بالإسلام ومستويات العقيدة الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان ، والإثبات العلمي لوجود الله ، سبحانه وتعالى ، وأن القرآن الكريم هو رسالته لهداية البشرية. ويلي ذلك بحثٌ في الخَلق والتطور ، بما في ذلك كيف بدأت الحياة على الأرض ، وكيف تطورت ، مع تدخل الخالق عز وجل في مسارها. ويبحث هذا الجزء أيضاً في تكريم الله للإنسان ، عندما شاء أن يجعله خليفته في حكم الأرض ، وما تلى ذلك من استغراب الملائكة ، وفوز آدم عليهم ، ثم خروجه من الجنة. ويلي ذلك مناقشة لمسألة ما إذا كان الإنسانُ حراً في اختياره ، بالإيمان بخالقه أو بالكفر به. وتبحث الفصول الثلاثة الأخيرة من الجزء الأول في علاقة النواحي الروحية بالنواحي الحسية في التعاليم الإسلامية ، وفي العلاقة ما بين الروح والعقل والنفس والسعادة ، وأخيراً في العلاقة بين العقل والقلب.

أما الجزء الثاني من الكتاب فهو عن العبادات الخمس الرئيسة في الإٌسلام ، ويضم خمسة فصول تتناول الشهادتين ، فالصلاة ، والزكاة ، والصوم ، وتنتهي بفصلٍ عن الحج. ويهدف هذا الجزء إلى إعطاء معلومات عن هذه العبادات الإسلامية ، وتبيان الهدف منها ، وفوائد كل منها للفرد والجماعة والمجتمع ، وذلك كله استناداً إلى آيِّ الذكر الحكيم والسُّنة المشرفة.

ويبحث الجزء الثالث من الكتاب في المستوى الثاني من العقيدة الإسلامية ، ألا وهو الإيمان. ويضم هذا الجزء عشرة فصول ، منها أربعة فصول عن الإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر والقدر والقضاء. كما أن هناك خمسة فصول عن أُولي العزم من الرسل ، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ، عليهم صلوات الله وسلامه. كما أن هناك فصل عن رحلة الإسراء والمعراج ، التي أكرم بها الله ، سبحانه وتعالى ، خاتم رسله برحلة عظيمة إلى السماوات العُلى ، وهي أيضاً معجزة علمية تبشر الإنس وتدعوهم للنفاذ إلى أقطار السماوات والأرض.

وبالنسبة للمستوى الثالث للعقيدة الإسلامية ، وهو الإحسان ، فإنه سيكون كتاباً منفصلاً لوحده ، بمشيئة الله ، لكبر حجمه ، الذي يحتوي على أوامر الله ، سبحانه وتعالى ، ونواهيه.

ومن خلال المعالجة العلمية لموضوعات الكتاب ، تظهر حقيقة ساطعة لا لبس فيها ، وهي أن القرآن الكريم يمثل وثيقة علمية في غاية الدقة ، وأنه كلام الله ، عالم الغيب والشهادة ، الخالق ، البارئ ، المصور ، الرحمن ، الرحيم ، الذي لا يريد لخلقه إلا أن يكونوا سعداء في هذه الدنيا ، بامتثالهم لتعاليمه وأوامره ، فيفوزوا برضاه ورحمته ، التي تدخلهم جنته ، حيث السعادة الأبدية.

عن المؤلف

مؤلفُ هذا الكتاب هو حسن علي النجار جوده الهاروني. وأسمه كاملاً هو حسن علي حسن أحمد محمد عبد الهادي (النجار) محمد جوده الهاروني. وقد هاجر جده السادس ، جوده ، من منطقة عرب وادي فاطمة ، بالقرب من مكة المكرمة ، إلى فلسطين ، في القرن الحادي عشر الهجري ، أي السابع عشر الميلادي. واستقر في قرية اسدود ، وهي في أصولها أشدود الكنعانية ، والتي استوطنها الفلسطينيون فيما بعد.

وقد وُلد المؤلف في غزة ، فلسطين ، في عام 1369 للهجرة ، الموافق لعام 1950 للميلاد ، وتلقى السنوات الإحدى عشرة الأولى من تعليمه في مدارس دير البلح ، بقطاع غزة ، ثم حصل على شهادة الثانوية العامة من مدرسة رغدان ، بالأردن ، عام 1968. والتحق بعد ذلك بكلية التربية ، بجامعة عين شمس المصرية ، وحصل منها على بكالوريوس الآداب في تدريس اللغة الإنكليزية ، في عام 1972. ثم عمل مدرساً وصحافياً في طرابلس ، ليبيا ، حتى نوفمبر 1976. وانتقل وعائلته إلى الإمارات العربية المتحدة ، حيث عمل مدرساً في رأس الخيمة ، حتى عام 1986. وقد هاجر مع عائلته في ذلك العام إلى الولايات المتحدة الأميركية ، حيث التحق بجامعة جورجيا ، وحصل منها على الماجستير في علم الإنسان (الأنثروبولوجيا الثقافية) عام 1988 وعلى الدكتوراه في علم الاجتماع في عام 1993. ومنذ عام 1991، وحتى نشر هذا الكتاب ، عمل بالتدريس في كلية دلتُن التابعة لنظام جامعة جورجيا. 

وقد كتب المؤلف هذا الكتاب باللغة الإنكليزية أيضاً بعنوان:

Islam: A Scientific View of God’s Message to Humanity

وهو جهدٌ خالصٌ لوجه الله ، تبارك وتعالى ، لتعريف الناس بالإسلام ، كما هو بجماله وكماله ، خاصة في هذا الزمان الذي كثر التهجم فيه على دين الله ، ولكن كثر الطلب أيضاً للتعرف عليه.

أرجو الله ، سبحانه وتعالى ، أن يتقبله كإسهامٍ في نشر نوره بين الناس المتعطشين له في مشارق الأرض ومغاربها.

حسن علي النجار ،

دلتُن ، جورجيا ، الولايات المتحدة الأميركية ، في الحادي والعشرين من ربيع الثاني 1442 هجرية ، الموافق للسادس من ديسمبر 2020 ميلادية.


========================================================
=============================================

 الإسْلامُ

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ 

***

تَأليف

حسن علي النجار

***

محتويات الكتاب

(مع أرقام الصفحات في النسخة الورقية)

الْجُزْءُ الأوَلُ: رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِلْقُرْآنُ الكَرِيمُ

الفَصْلُ الْأوَلُ: الإسْلَامُ ، نُبْذَةٌ مُخْتَصَرَةٌ 01-12

الفَصْلُ الثَانِي: مُسْتَوَيَاتُ العَقِيدَةِ الثَّلَاثِ ، الإسْلامُ وَالإيمَانُ وَالإحْسَانُ 13- 24

الفَصْلُ الثَّالِثُ: الدَلِيلُ العِلْمِيُ عَلَى وِجُودِ اللهِ ، وَعَلَى أنَّ القُرْآنَ الْكَرِيمَ هُوَ رِسَالَتُهُ لِلْبَشَرِيَّةِ  25 - 60

الفَصْلُ الرَّابِعُ: الخَلْقُ وَالتَّطَوُّرُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ 61 - 116

الفَصْلُ الْخَامِسُ: الإنسَانُ ، خَلِيفَةُ اللهِ عَلَى ألأرْضِ 117 - 128

الفَصْلُ السَّادِسُ: امْتِحَانُ آدَمَ أَمَامَ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْجَنَّةِ  129 - 152

الفَصْلُ السَّابِعُ: عِبَادٌ مُخَيَّرُونَ أَمْ عَبِيْدٌ مُجْبَرُونَ؟  153 - 185

الفَصْلُ الثَّامِنُ: العَلَاقَةُ مَا بَيْنَ النَّوَاحِي الرُّوحِيَةِ وَالْجَسَدِيَّةِ فِي التَّعَاليمِ الإسْلَامِيَّةِ  186 - 205

الفَصْلُ التَّاسِعُ: الرُّوحُ وَالْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ  206 - 231

الفَصْلُ الْعَاشِرُ: الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ  232 - 247

الْجُزْءُ الثَّانِي: الأرْكَانُ الْخَمْسَةُ لِلإِسْلامِ

الفَصْلُ الحَادِي عَشَر: نُطْقُ الشَّهَادَتَيْنِ 248- 269

الفَصْلُ الثَّانِي عَشَر: أداءُ الصلاةِ 270- 297

الفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَر: إيتَاءُ الزَّكَاةِ  1298- 319

الفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَر: صَّوْمُ رَمَضَان ، نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللهِ لِعِبَادِهِ  320- 347

الفَصْلُ الخَامِسُ عَشَر: حِجُّ الْبَيْتِ 348- 365

الْجُزْءُ الثَّالِثُ: الإيمَانُ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ (في كتاب منفصل):

الفَصْلُ السَّادِسُ عَشَر: اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ                     

الفَصْلُ السَّابِعُ عَشَر: الْمَلَائِكَةُ ، عِبَادُ اللهِ المُكْرَمِينَ 

الفَصْلُ الثَّامِنُ عَشَر: نُوحٌ ، صَانِعُ الْفُلْكِ 

الفَصْلُ التَّاسِعُ عَشَر: إبْرَاهِيمُ ، خَلِيلُ اللهِ 

الفَصْلُ العِشْرُون: مُوسَى ، كَلِيمُ االله ، المُؤَيَّدُ بِتِسْعِ مُعْجِزَاتٍ  

الفَصْلُ الحَادِي والعِشْرُون: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، مِنْ مُعْجِزَاتِ اللهِ فِي خَلْقِهِ 

الفَصْلُ الثَّانِي والعِشْرُون: مُحَمَّدٌ ، رَحْمَةُ اللهِ لِلْعَالَمِينَ 

الفَصْلُ الثَّالِثُ والعِشْرُون: الإسْرَاءُ وَالمِعْرَاجُ 

الفَصْلُ الرَّابِعُ والعِشْرُون: اليومُ الآخِرُ وَأَحْدَاثُهُ الأَرْبَعَةُ الْكُبْرَى

الفَصْلُ الخَامِسُ والعِشْرُون: دِقَّةُ قَدَرِ اللهِ وَعَدَالَةُ قَضَائِهِ

الإسْلامُ

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ 

** 

الفصلُ الأولُ 

***  

الإسْلَامُ: نُبْذَةٌ مُخْتَصَرَةٌ 

***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 ***

مُقَدِمَةٌ

الإسلامُ هو الإيمان بالله ، عز وجل ، لدرجة الخضوع والاستسلام له. وبهذا المعنى ، فإن الرسل الذين بعثهم الله برسالاته ، مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين ، هم والذين اتبعوهم بإحسان ، كانوا مسلمين. وما كان محمدٌ ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، إلا خاتم رسل الله المسلمين وآخرهم ، خصه الله ، سبحانه وتعالى باكتمال وتمام رسالته للبشرية. وهكذا ، فالإسلام هو دين الله الذي ارتضاه للناس على الأرض لآلاف السنين ، ليهديهم سبلهم في هذه الدنيا ويحاسبهم بناء على ذلك في الأخرة. [1]

والإسلامُ كلمةٌ مشتقة من الفعل سَلِمَ ، والمسلمُ هو من سَلِمَ الناسُ من لسانه ويده ، كما قال النبي ، عليه الصلاةُ والسلام. وهو الخضوع لله تعالى ، اشتقاقاً من الفعل أسْلَمَ ، كما جاء في الآية الكريمة 112 من سورة البقرة (2). والإسلامُ بالإضافة إلى ذلك يعني السِّلْمَ ، كما ذكرت الآية 208 من سورة البقرة. [2]

وأخيراً ، فإن الإسلامَ هو أول مراتب العقيدة ، التي يتأتى بها الحصول على رضوان الله ورحمته ، لنيل السعادة في الدارين ، الدنيا والآخرة ، ويعلوهُ الإيمان ، كما أخبرتنا الآية الكريمة 14 من سورة الحجرات (49). ويتربع الإحسانُ على أعلى مراتب العقيدة ، كما جاء في الحديث الشريف ، المذكور في الفصل الثاني ، والذي بناء عليه ، تم تقسيم هذا الكتاب إلى جزئي الإسلام والإيمان ، بالإضافة إلى الجزء الأول المُقَدِّمُ لهما. أما الإحسان ، فإنه سيكون كتاباً منفصلاً لوحده ، بمشيئة الله ، لكبر حجمه الذي يحتوي على أوامر الله ، سبحانه وتعالى ، ونواهيه. [3]

مَصَادٍرٌ التَّعَالٍيمٍ الإسْلَامِيَّةِ

أوَّلاً ، الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ

 القرآنُ الكريمُ هو أول مصادر التعاليم الإسلامية. فهو كتابُ اللهِ ورسالتُهُ للبشرية ، الذي أوحاه الله لرسوله على مدى ثلاثة وعشرين عاماً ، ابتداء من السنة 610 للميلاد ، من خلال المَلَكِ المُعَلِّمِ ، شديد القوى ، جبريل ، عليه السلام ، كما ورد في الآية الخامسة من سورة النجم (53). [4]

وعندما كان الوحيُ يتنزلُ على الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، كان يمليه على صحابته من كُتَّاب الوحي. وكان هؤلاء يقرأون له ما أملاهُ عليهم ، حتى يقره ويرتب آياته وسوره ، والتي كان بعضها محفوظاُ في بيته وبعضها الآخر في بيوت الصحابة ، رضوان الله عليهم. ولم تجمع سور القرآن الكريم في كتابٍ واحد إلا في عهد الخليفة الأول ، أبي بكرٍ الصديق ، رضي الله عنه. ولكن الخليفة الثالث ، عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، هو الذي اعتمد النسخة القريشية من القرآن الكريم ، وأحرق ما عداها من نسخ. وهكذا ، فإن مصحف عثمان يمثل النسخة الوحيدة للقرآن الكريم في العالم ، سليمة ومحفوظة بحفظ الله ، عز وجل ، الذي أخبرنا بذلك في الآية التاسعة من سورة الحجر(15). [5]

ويحتوي القرآن الكريم على تعاليم الله ، عز وجل ، للبشرية ، بما في ذلك أوامره ونواهيه ، والتي أبلغت للرسل السابقين. ويشتمل أيضاً على توضيحات بشأن أوجه الخلاف فيما بين اليهود والنصارى ، مثل طبيعة المسيح ، عليه السلام ، ورسالته لبني إسرائيل.

وأول كلمة من القرآن الكريم نزل بها جبريل ، عليه السلام ، على النبي محمد ، عليه الصلاة والسلام ، كانت فعل الأمر "اقرأ." وذلك يعني أن الله ، سبحانه وتعالى ، من شدة حبه لخلقه من البشر ، أراد لهم أن يكونوا على أعلى قدرٍ من العلم الذي يتأتى بالقراءة وتراكم المعرفة.

وأهم خصائص القرآن الكريم ، في كونه كلام الله ورسالته للبشرية ، أنه محفوظ بنصه العربي الأصيل ، دون أن يعتريه أي تعديل أو تغيير منذ أكثر من 1400 سنة. وهو موجودٌ اليوم بنصه العربي الأصيل كتابة وصوتاً ، وكذلك بترجماته العديدة لمعظم اللغات ، في مكتبات العالم ، وعلى الشبكة العالمية ، في مواقع عديدة مثل شبكة تنزيل (www.tanzil.net) ، التي تحمل 18 ترجمة مختلفة له باللغة الإنكليزية ، بالإضافة لترجمات باللغات الأخرى ، وبها أيضاً تسجيلات لستة وعشرين من المقرئين ، بالإضافة إلى وسيلة لبحث كلماته. ومن المواقع الأخرى المفيدة للباحثين والقراء العاديين موقع الإسلام (http://quran.ksu.edu.sa) ، الذي يحمل النص العربي للقرآن الكريم ، وكذلك العديد من الترجمات إلى لغات أخرى. ويمتاز هذا الموقع بتحميله لكتب التفسير الشهيرة ، خاصة تلك التي ألفها الطبري والقرطبي وابن كثير ، جزاهم الله خيراً عن مجهوداتهم الكبيرة في تفسير كتاب الله.[6]

ثَانِيَاً ، السُّنَّةُ المُشَرَّفَةُ

تمثل السُّنَّةُ المُشَرَّفَةُ المصدر الثاني للتعاليم الإسلامية ، وتشمل أحاديث النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وأقواله ، وما أقره من أقوال الناس وأفعالهم. كذلك ، فإنها تتضمن تفسيره لآيات القرآن الكريم وتشرحها ببعض التفصيل. كما تحتوي على تعاليمه وأساليب حياته ، لتكون أمثلة تحتذى من قبل المسلمين ، في شتى مجالات حياتهم.

ولقد نهى ، عليه الصلاة والسلام ، أصحابه ، في البداية ، عن كتابة أي شيء يقوله لهم ما عدا القرآن الكريم ، حتى لا يختلط ذلك مع كلام الله ، سبحانه وتعالى ، ولكنه أباح ذلك فيما بعد.  وهكذا ، فإن بعض أوجه السُّنة المشرَّفة قد كتبت في حياته ، ولكن أغلبها لم تُجمع إلا بعد موته بوقت طويل. وقد أصبح جمع الحديث والتثبت منه وتخريجه والحكم بصحته علماً عتيداً قائماً بذاته ، يقوم عليه علماء أكفاء في كل عصر. [7]

ومن أمثلة شرح الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، لرسالة الله وتلخيصها لخلقه ، الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهما ، والذي قال فيه: سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول: " بُنِيَ الإسْلامُ علَى خَمْسٍ، شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ ، وإقامِ الصَّلاةِ ، وإيتاءِ الزَّكاةِ ، وحَجِّ البَيْتِ ، وصَوْمِ رَمَضانَ.[8]

وهكذا ، لخص ، عليه الصلاة والسلام ، العبادات المفروضة في حديث واحد ، تسهيلاً على الناس ، بالتأكيد عليها وعلى عددها ، خاصة أن هذه العبادات مذكورة في آيات كثيرة من سور مختلفة من القرآن الكريم. فقد ذكرت الشهادتان ، مثلاً ، في الآية 18 من سورة آل عمران (3) ، والآية 40 من سورة الأحزاب (33) ، والصلاة والزكاة في الآية 110 من سورة البقرة (2) ، والصوم في الآية 183 من سورة البقرة (2) ، والحج في الآية 97 من سورة آل عمران (3). [9]

ثالثاً ، أَبْحَاثُ عُلَمَاءِ المُسْلِمِين

وقد أصبحت أَبْحَاثُ عُلَمَاءِ المُسْلِمِين مصدراً ثالثاً للمعرفة بالتعاليم الإسلامية. وجُلُّ هؤلاء من خريجي الجامعات الإسلامية ، الحاصلين على أعلى الدرجات العلمية في الدراسات الإسلامية ، وهم بذلك خبراء بالمصدرين الأوليين. فيشرحون للناس أساسيات الدين من عقائد ومعاملات وأحكام ، وخاصة ما يستشكل على عامة الناس ، مثل حسابات المواريث والزكاة. كما أنهم يقيسون مستجدات زمانهم على ما ورد في القرآن والسنة ، فيبينوا للناس ما هو حرامٌ وما هو حلالٌ. فمثلاً ، لم يتم ذكر المخدرات نصاً في القرآن الكريم. فقام العلماء بالتوضيح للناس بأن ضررها أكبر من نفعها ، ولذلك ينطبق عليها حكم اجتناب الخمر المذكور في الآية 190 من سورة المائدة (5) ، والذي فسره النبي ، عليه الصلاة والسلام ، بأنه تحريم للخمر." [10]

وفي زماننا هذا ، ظهرت طائفة من علماء المسلمين المتخصصين في شتى العلوم الاجتماعية والطبيعية ، الذين أخذوا على عاتقهم استخراج الكنوز العلمية من القرآن الكريم والسنة المشرفة ، وتبيانها للناس فيما أصبح معروفاً بالإعجاز العلمي للقرآن الكريم. وهم في ذلك يثبتون بالأدلة العلمية أن القرآن الكريم هو كتاب الله ، العليم الخبير ، وأنه لم يكن باستطاعة أي بشر طيلة الثلاثة عشر قرناً الماضية أن يعرف الحقائق العلمية الموجودة فيه. وبذلك ، فإنهم يزيدون المسلمين إيماناً بالله وبكتابه وبرسوله ، خاصة في هذا العصر الذي أصبحت فيه المعلومات متاحة للجميع في كل مكان ، بما في ذلك تلك التي تروج للإلحاد والاستخفاف بالدين. وهم كذلك يقومون بالدعوة الإسلامية لغير المسلمين ، وخاصة لمن تركوا الأديان الأخرى لتصادمها مع العلم ، وذلك بطريقة علمية تحترم عقولهم وذكاءهم ، كما سيجد القارئ الكريم ذلك في مختلف فصول هذا الكتاب ، لا سيما في الجزء الأول منه ، وخاصة في الفصلين الثالث والرابع.

====================================================================================================

 الإسْلامُ:

 رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ

***

الفصل الثاني

***

مُسْتَوَيَاتُ العَقِيدَةِ الثَّلَاثِ

الإسْلامُ وَالإيمَانُ وَالإحْسَانُ

***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 ***

مُقَدِّمَةٌ

 ذات يوم ، دخل جبريل ، عليه السلام ، مسجد المدينة المنورة بينما الرسول ، عليه الصلاةُ والسلام ، والصحابة ، رضوان الله عليهم ، جلوسٌ فيه. فجرى حوارٌ من سؤالٍ وجواب بينهما ، أصبح فيما بعد حديثاً مشهوراً رواه الخليفة الثاني ، عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه.

وقد سأل جبريل الرسول خمسة أسئلة عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها. وكلما أجاب الرسول على أيِ منها ، امتدحه جبريل ، على صحة الإجابة ، بقوله "صدقت" ، ثم خرج. فأخبر الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، أصحابه بأنه جبريل ، الذي جاء ليعلمهم دينهم.

وقد لخص هذا الحديث الشريف مبادئ هامة للدين الإسلامي ، وجذب انتباه هذا المؤلف لمستويات العقيدة الإسلامية الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان ، والتي تم تناولها كعناوين لأجزاء هذا الكتاب ، وهذا الفصلُ بصفة خاصة.

نَصُّ الحَدِيثِ

عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، رضي الله عنهما ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَر ،ِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

"الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا." قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ.

قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ؟ قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ." قَالَ: صَدَقْتَ.

قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ."

قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ." قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا؟ قَالَ:

"أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ."

قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ. فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ. [11]

الإسْلام

وبناءً على هذا الحديث الشريف ، فهناك ثلاثة مستويات للعقيدة ، أولها الإسلام ، الذي عرَّفه النبي ، عليه الصلاة والسلام ، بأنه القيامُ بالعبادات الخمسة ، التي هي بمثابة أعمدة بناء هذا الدين الحنيف. وهكذا ، فالعبادة الأولى والأساس لإسلام المرء أن يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وتكمن أهمية هذه الشهادة في اعترافه بوجود الله ، عز وجل ، كخالق للكون وللبشر ، واعترافه أيضاً بمحمد ، كخاتم رسل الله. وهذا يعني أنه يتقبل الرسالة التي أتى بها محمدٌ من ربه لهداية البشرية ، ألا وهي القرآن الكريم ، والسُّنة المشرَّفة المفسرة له.

وبعد نطق الشهادتين ، يصبح المرءُ مسلماً ، مكلفاً بالعبادات الأربعة الأخرى ، وهي إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. ومن المهم أن نلاحظ أن هذه العبادات قد فرضها الله ، سبحانه وتعالى ، في آيات عديدة ، لخصها رسوله الكريم في هذا الحديث الشريف ، الذي تمت الإشارة إليه في الفصل الأول من هذا الكتاب. وقد وعد الله ، سبحانه وتعالى ، عباده ، أي الذين يعبدونه بأداء هذه العبادات ، بمكافأتهم بالنعيم في جنة خلده ، ولكنهم أيضاً يتنعمون بسلام الإيمان وحلاوته في هذه الدنيا ، قبل الآخرة. أما المستنكفين عن عبادته ، فعقابهم في هذه الدنيا شقاءٌ ، وهم في الآخرة من أهل النار.

وبالتفكر فيما تعنيه هذه العبادات ، نجد أنها ذات فوائد عظيمة للعباد ، تعود عليهم بالخير أفراداً وجماعات ، في هذه الدنيا ، وفي الآخرة ، كما هو مفصل في الفصل الثامن والجزء الثاني من هذا الكتاب. وفي ما يلي نبذة مختصرة عن هذه العبادات الخمس وفوائدها.

فالصلاةُ يسبقها الوضوء ، الذي هو نظافة مستمرة للبدن ، خمس مرات يومياً ، وذلك بغسل اليدين والوجه ، بما في ذلك الفم والأنف ، والذراعين ومسح الرأس والأرجل إلى الكعبين. كما أن على المسلمين أن يغتسلوا بعد الجماع (5: 6) وبعد الحيض والنفاس ، وأن يحافظوا على ملابسهم طاهرة نظيفة. وبإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها المحددة ، فإن المسلمين يعيشون حياة منظمة ، يضبط فيها الوقت والأنشطة اليومية ، ما بين عمل وراحة ونوم. وأهم من ذلك ، أن الصلاة اتصالٌ بين العبد وربه في خمسة أوقات محددة يومياً ، إن تم أداؤها على الوجه الصحيح فهي طمأنينة للنفس وتذكير مستمر لها بالبعد عن الفواحش. كما أن الصلاة ، بحركاتها الجسدية الفريدة ، كالتكرار المرتب للوقوف والركوع والسجود والجلوس ، ما هي إلا رياضة مفيدة لمختلف أعضاء الجسم ، خاصة العضلات والمفاصل. كما أنها تنشط الدورة الدموية ، لتصل إلى بعض الأماكن في الجسم بتركيز أكبر ، كما في حالة الدماغ عند السجود. [12]

وبإيتاء الزكاة ، فإن المسلم يقدم المساعدة للفقراء والمساكين ويسهم في النهوض بالمجتمع من خلال الإنفاق على أوجه الزكاة الأخرى. والزكاة هي ربع العشر ، وهو مبلغ زهيد ، ولكنه عظيم الفائدة إذا ما أخرجه جميع الموسرين. عندها لا يشعر الفقراء أنهم تركوا وحدهم في المجتمع ، وبالتالي تصبح الزكاة تعبيراً مستمراً عن التعاطف والتضامن الاجتماعي. وبالطبع فإن الزكاة ليست بديلة عن أوجه العطاء الأخرى من صدقات ، تقرب المتصدق من المستحق للصدقة ، والأهم أنها تقربه من ربه ، الذي أنعم عليه في المقام الأول. والزكاة أيضاً ليست بديلة عن الضرائب التي تجمعها الحكومات ، لتنفقها على مشروعاتها وبرامجها المختلفة ، ولكنها تسهم في خدمة المجتمع من خلال إنفاقها على أوجه لا تغطيها تلك المشروعات والبرامج.

أما صوم شهر رمضان ، الذي يمتنع المسلمون فيه عن المأكل والمشرب والعلاقات الجنسية ، من طلوع الفجر وحتى غروب الشمس ، فإنه يمثل عبادة ذات فوائد عظيمة ، روحية وجسدية على حدٍ سواء. فالصومُ يربي النفس على التحكم في رغباتها ، ويقويها على ترويض غرائزها الجسدية. وهو يعطي الأغنياء فرصة فريدة للإحساس بالجوع الذي يعانيه الفقراء والمساكين ، فيطوع ذلك نفوسهم ويهذبها ، فيزداد عطاؤهم ، خاصة في رمضان ، حتى لا يبقى هناك صائم بلا طعام عند الإفطار ، وفي غير رمضان بعد ذلك. أما الفوائد الجسدية لصوم شهر رمضان فهي عديدة. فإذا أكل الصائمون باعتدال عند الإفطار ، فإن معظمهم يفقدون جزءاً هاماً من أوزانهم ، وذلك يعني التخلص من الدهون الزائدة التي تتجمع خلال العام المنصرم. وأهم من ذلك ، أن الجسم يتخلص من السموم والكيميائيات الضارة مع تخلصه من الدهون الزائدة. ومن أهم فوائد الجوع الذي يحدث في النصف الثاني من نهار الصوم ، أن الجسم يتخلص من الخلايا الضعيفة والمريضة والغير عادية ، كالخلايا السرطانية. وذلك لأن الحكمة الجسدية تقرر حرمان تلك الخلايا من الطعام القليل المتوفر ، حتى تزود به الخلايا السليمة. وأخيراً ، فإن الصوم يريح الجهاز الهضمي كله ، طيلة النهار في شهر رمضان ، من العمل الشاق الذي يقوم به طيلة الأحد عشر شهراً الأخرى.

والحج هو العبادة الخامسة في الإسلام ، وهو رحلة يقوم بها المسلم المستطيع ، مادياً وجسدياً ، إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة ، تاركاً وراءه كل ما يشغل الناس في هذه الدنيا. ولكون الحج تلبية من المسلم لدعوة ربه لزيارة بيته العتيق ، فإنه يشعر بسعادة غامرة عند رؤيته للكعبة المشرفة والطواف حولها وأثناء أدائه للمناسك المختلفة. وبالإضافة إلى ذلك ، فإن الحج يشتمل على شعائر تُذَكِّر بقصة إبراهيم وابنه إسماعيل ، عليهما السلام ، وهو بذلك يربط الإسلام بالإيمان. كما أن الحج مؤتمرٌ عالمي للمسلمين ، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وجنسياتهم ، ليتعرفوا على أحوال بعضهم البعض ، كما أراد لهم ربهم ، سبحانه وتعالى (49: 13). وأخيراً ، فإن اجتماع ملايين الحجاج في مكة لأداء مناسكهم ، في أيامٍ قليلة ، هو أمرٌ عظيم. ولذلك ، فإن الله ، سبحانه وتعالى ، قد أمرهم أن يعاملوا بعضهم بالحسنى وأن يتجنبوا الجدال (2: 197) ، حتى ينالوا أجزل الثواب ، وهو المغفرة والسعادة في الدنيا والآخرة. [13]

الإيمَانُ

بأدائه للعبادات المفروضة ، فإن المسلم يحقق المرتبة الأولى من العقيدة ، وهي الإسلام ، والتي من خلالها يرجوا أن ينال رضى اللهُ ، سبحانه وتعالى ، ورحمته ، فيسبغ عليه نعمه في هذه الدنيا ويدخله في نعيمه المقيم في الآخرة. ولكن هناك مرتبة أعلى في العقيدة ، وهي الإيمان ، كما أخبرنا ربنا ، سبحانه وتعالى ، في قوله: "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَـٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ"  (الحجرات ، 49: 14). فقد أخبرتهم الآية الكريمة أنهم أسلموا ، ولكنهم لم يصلوا للمرتبة الثانية من العقيدة ، وهي الإيمان.

فالوصول لها يتطلب أن يؤمن المسلمُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، كما جاء في القرآن الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا" (النساء ، 4: 136). وزاد الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، على ذلك بالإيمان بالقدر خيره وشره ، كما جاء في الحديث الشريف أعلاه.

وهكذا ، فبينما يشير الإسلام إلى عالم الشهادة ، كما تمثله العبادات الحسية الخمس ، فإن الإيمان يشير إلى عالم الغيب ، الذي يُدْرَكُ بالمعرفة والتفكر. فالإيمان بوجود الله ، سبحانه وتعالى ، يتأتى بالتفكير فيما أخبرنا عنه في القرآن الكريم من حقائق علمية كثيرة ، لم تكن معروفة للناس أثناء نزول الوحي وحتى القرن الماضي. [14]  

فالإيمان في هذه الحالة يكون بالاعتراف بأن القرآن الكريم هو كلام الله وحده ، وبأنه لم يكن بالإمكان لأي بشرٍ أن يأتي به ، أو بسورة من مثله. ويتبع الإيمان بالله ، الإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. والإيمان في هذه الحالة يتم الوصول إليه بإدراك الغيب (وجود الله) من خلال الشواهد التي قدمها لنا (مثل القرآن الكريم). ولكن كثيراً من الناس يؤمنون بالله غيباً ، ودونما الحاجة إلى شواهد حسية أو عقلية ، أي بالفطرة. أما الفلاسفة ، فإنهم يصلون لهذه المرتبة بالمنطق ، فيقولون أنه لا بد للخلق من خالق ، وللوجود من موجد ، وهو الله ، عز وجل. [15]

وعلى ذلك ، فالمؤمن هو من يؤمن بوجود الله يقيناً ، كما يؤمن بصدق ما أخبر به عباده في محكم كتابه ، بما في ذلك قدرته ، عز وجل ، على فعل أي شيء يريد. والمؤمن يقر أيضاً بوجود الملائكة ، الذين هم عباد الله المكرمون ، الذين لا يعصون ما يأمرهم به. ومنهم جبريل ، معلم الرسل ، الذي كان يتنزل بوحي الله لهم. ومنهم ميكال الموكل بالأرزاق ، وعزرائيل الموكل بالموت ، وإسرافيل نافخ الصور ، ورضوان خازن الجنة ، ومالك الموكل بالنار ، عليهم السلام أجمعين. وهناك فئات عديدة من الملائكة ، الذين لهم وظائف متعلقة بالبشر ، فمنهم رقيب وعتيد الموكلان بكتابة أعمال الناس من خير وشر ، وناكر ونكير الموكلان بسؤال الميت مباشرة بعد موته. وأخيراً ، فإن منهم سائق وشهيد ، وهما الموكلان بتنظيم الناس وقيادتهم في اليوم الآخر. والإيمان بوجود الملائكة وبتأثيرهم في حياة الناس هو جزء من المرتبة الثانية من العقيدة. [16]

ويتضمن الإيمان أيضاً الإقرار بأن الله ، سبحانه وتعالى ، قد أرسل هداه للبشرية من قبل ، من خلال كتبه السابقة للقرآن الكريم ، مثل صحف إبراهيم ، والتوراة التي أنزلت على موسى ، والزبور الذي أنزل على داوود ، والإنجيل الذي أنزل على عيسى بن مريم ، عليهم الصلاة والسلام أجمعين. وقد تضمنت هذه الكتب جوهر رسالة الله وهداه للبشر ، الذي أكد عليه القرآن الكريم. ولا يصح الإيمان إلا بحب جميع رسل الله وتوقيرهم والاحتفاء بهم بنفس القدر ، ودون أي تفريق أو تمييز بينهم. كيف لا وهم الذين اصطفاهم ربهم لتبليغ هداه للعالمين.

ولا يصل المرء إلى مرتبة الإيمان إلا باعتقاده الراسخ بأن هذه الحياة ما هي إلا اختبار ، يقوم فيه الملائكة بتسجيل أقواله وأفعاله ، التي سيحاسب عليها عند لقاء ربه في اليوم الآخر. وعلى ذلك ، فالإيمان باليوم الآخر هو تسليم بوقوع الحساب في ذلك اليوم العظيم. وبالتالي فإن ذلك تشجيع للناس ليتنافسوا في عمل الخير حتى يفوزوا بما وعدهم ربهم من حياة أبدية في نعيم جنته ، كما إنه تحذير لهم بتجنب المعاصي والكبائر والشرور التي تودي بهم إلى عذاب جهنم ، والعياذ بالله. لمزيد من التفصيل عن اليوم الآخر وأحداثه ، أنظر الفصل الرابع والعشرين من هذا الكتاب.

وأخيراً ، فإن المؤمن يُسَلِّمُ بدقة قدر الله وعدالة قضائه. فالناسُ أحرارٌ فيما يقولون وما يفعلون ، وذلك في الأمور التي لهم عليها مقدرة وسلطان. ولكن هناك أمورٌ أخرى لا يدركها الناس ، لأنها خارجة عن إرادتهم وسلطانهم ، بعضها خيرٌ كنعمة غير متوقعة ، فينبغي للمؤمن أن يحمد الله ويشكره عليها. وبعضها يتراءى للناس على أنها شرٌ ، مع أن نتائجها يمكن أن تكون خيراً ، كتلك التي أحدثها الخضر أمام موسى ، عليهما السلام ، والتي استنكرها موسى قبل أن يعلم الحكمة منها (الكهف ، 18: 65-82). وربما ينتج عن بعض الأمور شرٌ مستطير ، كحدوث الموت والدمار نتيجة عدم الاستعداد لتجنب الكوارث الطبيعية أو الحروب. وفي الحالتين ، فإن الشر حادثٌ بأيدي الناس ، الذين لا ينبغي أن يلوموا إلا أنفسهم ، خاصة أن ربهم قد حذرهم من فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منهم خاصة (8: 25). والمؤمن يحمد الله على كل حال ، ويستخدم وقته وعلمه وماله وجسمه أفضل استخدام في هذه الحياة لأنه سيسأل عن ذلك في الآخرة ، ولا يستسلم للفتن والكوارث والأمراض والمحن من أي صنف ، وهو في ذلك إنما يدفع القدر بالقدر ، كما تم تفصيله في الفصل الخامس والعشرين من هذا الكتاب. [17]

الإحْسَانُ

الإحْسَانُ مرتبة في العقيدة يصلها الإنسان عندما يعبد الله وهو يعلمُ يقيناً أن الله يراه ، كما أخبرنا عن ذلك خاتم المرسلين ، عليه الصلاة والسلام ، في رده على سؤال جبريل ، عليه السلام. وهذا يعني أن المُحسن يعلم أن الله ، سبحانه وتعالى ، يسمع كل ما يقوله ويرى كل ما يفعله. وهو لذلك يتحرى ألا يقول ولا يفعل إلا الأحسن ، وهو في ذلك ساعياً إلى ما يرضي ربه ، متَّبِعاً لأوامره ومتجنباً لنواهيه ، إدراكاً منه بأن ذلك هو الخير ، وهو عين الصواب. وبهذا ، فإن الإحسان أعلى مراتب العقيدة الثلاث وأقربها إلى مرضاة الله.

ولغوياً ، الإحسانُ اسمٌ مشتقٌ من الفعل أحْسَنَ ، أي أجاد في القول وأتقن في العمل. والمعنى أن المحسن ينشد الأحسن في أقواله وأفعاله ، ولا يوجد ما هو أحسن من اتباع أوامر الله وتجنب نواهيه ، والدعوة له ، وعمل الصالحات ، كما تعبر عنه الآية الكريمة 41: 33. وسيكون الإحسانُ كتاباً منفصلاً لوحده ، بمشيئة الله ، يحتوي على أوامر الله ، سبحانه وتعالى ، ونواهيه.

وقد عبرت آيات كثيرة في القرآن الكريم عن المعاني السامية لكلمة "الإحسان." فالله ، سبحانه وتعالى ، يأمر بالإحسان ، قولاً وعملاً ، وبمعاملة الوالدين بالحسنى ، ويثنى على المحسنين بإعلان حبه لهم ، ويطمئنهم بألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ويعدهم بالجزاء الأوفر في جنة خلده. [18]

الْخُلَاصَةُ

أوضحت لنا الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة أن هناك ثلاث مستويات للعقيدة الإسلامية ، هي الإسلام والإيمان والإحسان. والمقصد هو تحفيز النفس البشرية للارتقاء من مستوى إلى آخر ، مما يحقق للأفراد والجماعات والمجتمعات أفضل ما يمكن تحقيقه من فوائد روحية وجسدية في الحياة الدنيا ، وصولاً إلى مرضاة الخالق ، عز وجل ، ورحمته وجنة خلده ، في الآخرة.

========================================================================================

 الإسْلامُ

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ 

***

الْفَصْلُ الثَالِثُ

***

الدَلِيلُ العِلْمِيُ عَلَى وِجُودِ اللهِ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

وَعَلَى أنَّ القُرْآنَ الْكَرِيمَ هُوَ رِسَالَتُهُ لِلْبَشَرِيَّةِ

 ***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

***

مُقَدِّمَةٌ

 مع مطلع هذا القرن ، الخامس عشر للهجرة ، الموافق للحادي والعشرين للميلاد ، لم يعد كثيرٌ من غير المسلمين يؤمنون بالله ، سبحانه وتعالى. وحتى الذين يعلنون إيمانهم ، كثيرٌ منهم في شكٍ من ذلك. وآخرون يعانون من معتقدات مغلوطة تقودهم إلى التصرف بطرقٍ خاطئة وخطيرة. وبالمختصر المفيد ، هناك جهلٌ كبير عن خالق الحياة على هذا الكوكب ، وعن رسالته لهداية البشرية ، والتي ذكرت في القرآن الكريم ، وفي الكتب السماوية التي سبقته. 

وبناءً على ذلك ، فهناك مسئوليةٌ تقع على عاتق المؤمنين إزاء من هم على ضلالة ، ومن هم في شكٍ فيما يؤمنون به. وهناك مسئولية أكبر إزاء الملحدين الذين لا يؤمنون بالله في المقام الأول ، سواء كان ذلك عمداً أو عن جهالة. فما حدث لهؤلاء ربما يكون مرده إلى غياب الحقائق العلمية في تدريسهم عن الله وكتبه التي أرسلها لهدايتهم. فهناك أديانٌ عديدة تحتوي على أساطير غير منطقية وطقوس غريبة لا معنى لها ، تؤدي في النهاية إلى تسفيه العقل الإنساني ، وبالتالي إلى رفض الاعتقاد بأن تلك الأساطير والشعائر الغريبة هي من عند الله ، الذي يفترض أن يكون أكثر ذكاءً من الناس الذين خلقهم ليعبدوه.

ومن الأسباب الهامة لانتشار الإلحاد أن قادة كثير من الأديان ، بما في ذلك الكبيرة منها ، قد وضعوا أنفسهم وأديانهم على طريق تصادمي مع العلم. وأدى ذلك إلى تغريب المتعلمين والمثقفين من أتباع تلك الأديان ، وجعلهم أكثر عرضة للإلحاد أو اللامبالاة تجاه الدين ، أو الاستخفاف به.

من هنا ، فإن المهمة الأساسية أمام المؤمنين هي إثبات وجود الله ، بالحقائق العلمية المقنعة ، وتبليغ ذلك لمتعلمي ومثقفي العالم ، وذلك من خلال استخراج الدُّرر العلمية من القرآن الكريم ، واستعمالها لإقناعهم بأن الله موجودٌ ، وأنه لم يكن لبشرٍ على الأرض أن يعرف الكثير من هذه الحقائق سوى في القرن الماضي. ومن ثم ، فإن القرآن الكريم لا يمكن إلا أن يكون كلام الله. حينها ، سيسعى هؤلاء بأنفسهم لتعلم ما يتضمنه القرآن الكريم من أمور هداية الله لخلقه ، بما في ذلك أوامره ونواهيه ، أي شريعته ، التي إذا ما اتبعوها فإنهم سينعمون بالسعادة في الدنيا والآخرة. 

هذه هي المهمة التي يقوم بها الآن عددٌ من علماء المسلمين المتخصصين في العلوم الاجتماعية والطبيعية ، وهي التي تستحق الدعم والتشجيع ، لتتوسع الدعوة إلى الله ودينه الحنيف ، وتنتشر في كافة أقطار الأرض ، إن شاء الله.

وعلى سبيل المثال ، فإن القرآن الكريم يخبرنا بقصة الخلق الأول للحياة على كوكب الأرض ، بما في ذلك خلق الإنسان وتطوره ، بطريقة تدهش علماء الطبيعيات وتلاميذهم ، وتخلب عقولهم ، وتثلج صدورهم ، وذلك لآنها تقارب إلى حدٍ بعيد آخر ما توصلت إليه أبحاثهم. فهم يعرفون أن الحياة قد بدأت على هذا الكوكب في الماء والطين ، ثم تطورت ، وتخلل ذلك انقراض بعض أشكالها ، ثم عاد بعضها للحياة من جديد. وهذا كله مذكورٌ في كتاب الله ، وبدقة بالغة ، وهو موضوع الفصل الرابع من هذا الكتاب: "الخلق والتطور في القرآن الكريم."  

أما هذا الفصل ، فينقسم في موضوعاته إلى ثلاثة أقسام. يشتمل القسم الأول على أمثلة للآيات المتضمنة لحقائق علمية ، اكتشفت حديثاً ، عن خلق السماوات والأرض ، وعن وجود مخلوقات ذكية غير الإنسان.  ويتضمن القسم الثاني أمثلة للآيات التي تذكر حقائق علمية ، اكتشفت حديثاً ، عن ظلمة ماء المحيطات ، وتكون السحب ، وأزواج النبات ، والحشرات. ويَعْنَى القسم الثالث بالتعريف بالإعجاز العددي في القرآن الكريم ، وإعطاء بعض الأمثلة التي تظهر بجلاء أن حروف وكلمات وسور هذا الكتاب موضوعة ومرتبة في نظام عددي محكم ، لا يمكن أن يكون من صنع البشر ، وفي ذلك دليل آخر على وجود الخالق ، عز وجل ، وعلى أن القرآن الكريم هو رسالته للبشرية.

أولاً ، أمثلة على الآيات المشتملة على حقائق علمية ، اكتشفت حديثاً ، عن خلق السماوات والأرض ، وعن وجود مخلوقات ذكية غير الإنسان

1. يخبرنا الله ، عز وجل ، أنه قبل خلق السماوات والأرض ، كان عرشه على الماء ، فيقول:

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ  (هود ، 11: 7).

وهذا يعنى أن الماء سابقٌ على العناصر الأخرى ، وبالتالي فهو سابقٌ لتكون النظام الشمسي الذي نعرفه. وقد ذكر الطبري في تفسير هذه الآية حديثاً مروياً عَنْ أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ ، الذي قَالَ ، قُلْت : يَا رَسُول اللَّه ،  أَيْنَ كَانَ رَبّنَا قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ قَالَ: "فِي عَمَاء ، مَا فَوْقه هَوَاء وَمَا تَحْته هَوَاء ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشه عَلَى الْمَاء" (العماء هو السحاب). كذلك روى عن ابن عباس ، رضي الله عنه ، أنه قال ، أن الْمَاء كان عَلَى مَتْن الرِّيح. وكذا روى القرطبي وابن كثير ، رحمهم الله جميعاً ، وأثابهم على أعمالهم الجليلة في خدمة الإسلام والمسلمين.

وهذا بالضبط ما اكتشفه البحث العلمي حديثاً ، في عام 2014 ميلادية. وخلاصة ذلك أن عمر بعض الماء الموجود لدينا حالياً يزيد على عمر الأرض ، المقدر بحوالي 4.6 بليون سنة ، أي أنه أقدم منها ، وحتى أنه يزيد قِدَماً على عمر الشمس. وهذه الحقيقة العلمية تؤكد ما جاء في الآية الكريمة ، وبالتالي فإنها إثباتٌ على أن القرآن الكريم هو كلام الله ، سبحانه وتعالى ، الذي "لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (فصلت ، 41: 42) ، وخاصة أنه جاء على لسان النبي الأمي ، الذي لم يعرف القراءة والكتابة من قبل ، صلى الله عليه وسلم. [19]

2. في الآية الكريمة 21: 30 ، يخبرنا الله ، سبحانه وتعالى ، أن السماوات والأرض كانتا ملتصقتين في كتلة واحدة ، لا ثقب فيها. ثم أنه فتقهما ، مما أدى إلى فصلهما عن بعضهما البعض ، وتناثرهما في الفضاء ، فيقول:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ  (الأنبياء ، 21: 30). 

ثم إنه ، سبحانه وتعالى ، بعد ذلك ، جعل الحياة تدب في الأماكن المحتوية على الماء الموجود فيهما من قبل حدوث الفتق ، كما أخبرنا في الآية 11: 7. وكان هذا جل تفسير الطبري لمعنى الرتق والفتق في اللغة ، وتبعه في ذلك القرطبي وابن كثير.

وقد قدر بعض علماء الفيزياء الفلكية ، ابتداء من أوائل القرن العشرين ، إلى أن عمر الكون يتراوح ما بين 10 و20 بليون سنة ، ولكن بعضهم مؤخراً حدد بدايته على أنها كانت منذ 13.8 بليون سنة ، وذلك طبقاً لنظرية الانفجار العظيم ، التي يوافق عليها معظم علماء الفلك في عصرنا هذا. وعلى الرغم من أن النظرية أرجعت البداية لانفجار عظيم ، كما يدل اسمها على ذلك ، إلا أن العلماء يتفقون الآن على أن البداية لم تكن نتيجة انفجار. [20]

وذلك تأييدٌ واضحٌ للحقيقة العلمية التي أشارت إليها الآية الكريمة. وبالطبع ، فإن علماء الفيزياء الفلكية يفسرون حدوث البداية لأسباب خاصة بالمادة والزمن والطاقة ، دون التطرق المنطقي إلى ضرورة وجود الخالق العظيم ، الذي شاء إحداث تلك البداية. أما نحن ، فنعلم يقيناً أنه الله ، سبحانه وتعالى ، الذي أخبرنا بذلك في كتابه العزيز قروناً طويلة قبل أن يكتشفوا هذه الحقيقة العلمية ، كيف لا وهو ألأول الذي لم يكن قبله شيء ، وهو المبدئ الذي بدأ البداية ، وهو بديع السماوات والأرض ، وهو العلي العظيم (انظر الفصل السادس عشر: الله ، كما وصف نفسه في القرآن الكريم).  

3. في الآية الكريمة 51: 47 ، يخبرنا الله ، سبحانه وتعالى ، بأنه قد بنى السماء ، مستخدماً في وصف ذلك الفعل الماضي "بني" ، أي أن البناء قد تم وانتهى في الزمن الماضي. ثم يخبرنا أنه موسعٌ للسماء ، أي أن صفة اتساع السماء في حالة مستمرة ، تعني الحاضر والمستقبل.

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (الذاريات ، 51: 47).

وهذه حقيقة اتفق عليها علماء الفيزياء الفلكية ابتداء من القرن العشرين فيما يسمونه "الكون المتوسع" بمعنى "الكون دائم الاتساع." أما المفسرون الثلاثة الأوائل فكان تفسيرهم وقفٌ على وصف السماء بالاتساع فقط ، دونما التطرق إلى استمرار الاتساع ، وهو المعنى الدقيق لغوياً وعلمياً. [21]

4. في الآية الكريمة 67: 3 ، يخبرنا ربنا ، جل وعلا ، أنه قد خلق سبع سماوات طباقا ، أي واحدة فوق الأخرى ، كطبقات ، مستويات ، دونما اختلاف أو عيب أوشق فيها ، سواء نظرت إليها مرة أو أكثر.

الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ (الملك ، 67: 3).

وفي عصرنا الراهن ، هناك نظريات عديدة عن وجود عدة أكوان متوازية ، وليس فقط الكون الذي نعيش فيه ، وفي ذلك تأييد لما اتفق عليه المفسرون الثلاثة لغوياً. والفارق أن تلك النظريات تشير إلى السماوات على أنها أكوان. [22]

5. الآية الكريمة 84: 19 تتصل في معناها بالآية السابقة الذكر ، 67: 3 ، في صفة السماوات بأنها طباق ، أي طبقات ، بعضها فوق بعض. ولكنها تزيد عليها في أنها نبوءة برقي الإنسان وسفره إلى طبقات السماء ، واحدة إثر الأخرى.

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (الانشقاق ، 84: 19).

وقد وافق المفسرون الثلاثة على هذا المعنى ، خاصة بإيراد تفسيري ابن عباس والشَّعبي ، اللذين جعلا ذلك مقتصراً على النبي ، عليه الصلاةُ والسلام. فقالا إن معنى ذلك: "لَتَرْكَبَنَّ يَا مُحَمَّد سَمَاء بَعْد سَمَاء." وانفرد القرطبي بطرح سؤال عما إذا كان ذلك بشارة بحدوث الإسراء والمعراج.

ويمكن الإجابة على سؤال القرطبي بالنفي ، فسورة الانشقاق (84) مكية ، وقد نزلت بعد رحلة الإسراء والمعراج ، التي تم وصفها في سورة النجم (53). فلو كان النبي ، عليه الصلاة والسلام ، هو المقصود لكان الفعل في الزمن الماضي. ولكن لكون الفعل مضارعاً ، يفيد المستقبل أيضاً ، فإن هذه الآية تخاطب الإنسان عموما. وعلى ذلك ، فربما تكون هذه الآية الكريمة مبشرة بأسفار الإنسان في الفضاء الخارجي ، وذلك بسفره من كوكب إلى آخر ، أو من نظام شمسي إلى آخر ، أو من مجرة إلى أخرى ، والله أعلم. [23]

6. الآية الكريمة 55: 33 تتضمن دعوة للجن والإنس بأن يحاولوا التحليق والسفر في الفضاء الخارجي. وبذلك ، فإن معناها متصل بمعنى الآية السابقة الذكر ، 84: 19.

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (الرحمن ، 55: 33).

 وهذه نبوءة قد تحققت للجن أولاً ، كما تخبرنا الآية الثامنة من سورة الجن (72): " وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا." فهم قد وصلوا إلى السماء ولمسوها ، وذلك نأخذه من القرآن الكريم على أنه مُسَلَّمٌ به ، لإننا في هذا الزمان لسنا مؤهلين بعد لإمكانية البحث فيه.

ثم بدأت هذه النبوءة تتحقق للإنسان بعد الجن ، وذلك في النصف الثاني من القرن الرابع عشر للهجرة ، الموافق للنصف الثاني من القرن العشرين للميلاد ، عندما بدأ السوفييت والأميركيون رحلاتهم الفضائية ، ثم لحق بهم الأوروبيون والآسيويون بعد ذلك. وفهم إعجاز هذه الآية الكريمة يكون بمقارنة ردود فعل قُراء القرآن الكريم قبل تحقق النبوءة وبعد تحققها. فلقرونٍ عديدة ، لم يتحدث حتى المفسرون الثلاثة الكبار عن مجرد التفكير في إمكانية سفر الإنسان بين أقطار السماوات والأرض.

لكن هذا الأمر أصبح الآن خبراً عادياً في وسائل الإعلام ، لأنه لا يكاد يمر شهرٌ دون خبرٍ عن رحلة فضائية ، ليس فقط للدوران حول الأرض والوصول إلى المحطة الفضائية الدولية وإلى القمر ، وإنما أيضاً لسبر أغوار الفضاء الخارجي والكواكب الأخرى في مجموعتنا الشمسية ، وفيما بعدها. [24]

7. في الآية الكريمة 65: 12 ، يخبرنا الله ، سبحانه وتعالى ، أنه خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ، أي سبع أرضين أيضاً ، فيقول:

اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّـهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا  (الطلاق ، 65: 12).

والمعنى أنه مثلما أن هناك سبع سماوات مسكونة بالملائكة يتنزل أمر الله بينهن ، فإن هناك سبع أرضين مسكونة أيضاً بخلق الله ، يتنزل أمره بينهن أيضاً. وهذه الآية الكريمة هي بمثابة نبوءة تشجع الباحثين على اكتشاف هذه الكواكب المعمورة بمخلوقات ذكية ، يتنزل أمر الله ، سبحانه وتعالى ، بينهن.

وقد اتفق المفسرون الثلاثة على أن هناك سبع أرضين ، كما ذكر الطبري ، رحمه الله ، ذلك في تفسيره ، فقال: " وَلَا خِلَاف فِي السَّمَوَات أَنَّهَا سَبْعٌ بَعْضهَا فَوْق بَعْض ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث الْإِسْرَاء وَغَيْره . ثُمَّ قَالَ : " وَمِنْ الْأَرْض مِثْلهنَّ " يَعْنِي سَبْعًا . وَاخْتُلِفَ فِيهِنَّ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور - أَنَّهَا سَبْع أَرَضِينَ طِبَاقًا بَعْضهَا فَوْق بَعْض ، بَيْن كُلّ أَرْض وَأَرْض مَسَافَة كَمَا بَيْن السَّمَاء وَالسَّمَاء ، وَفِي كُلّ أَرْض سُكَّانٌ مِنْ خَلْق اللَّه."

ومنذ بدأت أبحاث الفضاء ، والعلماء يبحثون عن أية دلالات لوجود الحياة على الكواكب الأخرى في مجموعتنا الشمسية ، أو في المجموعات الشمسية الأخرى ، في مجرتنا ، أو في المجرات الأخرى. ومن أهم الدلالات التي يبحثون عنها وجود الماء في هذه الكواكب. ومن المكتشفات العلمية في هذا المجال ما نشرت عنه وكالة الفضاء الأميركية ، ناسا ، في 22 فبراير 2017. فقد أشار تقريرها إلى اكتشاف نظام كوكبي أسماه العلماء ترابست رقم واحد ، يقع في المجموعة الشمسية المعروفة باسم أكويريوس ، والتي تبعد عن أرضنا بحوالي 40 سنة ضوئية ، أي حوالي 235 ترليون ميل. وقد ذكر التقرير أن هناك سبع كواكب ، بحجم الأرض ، تدور حول شمسها ، مع احتمال وجود الماء فيها جميعاً ، واحتمال وجود الحياة في ثلاث منها على الأقل. والتقرير لا يجزم بوجود ماء أو حياة على هذه المجموعة من الكواكب بالذات ، ولكنه يفتح الباب على إمكانية اكتشاف وجود ذلك مستقبلاً ، سواء في تلك المجموعة أو في غيرها. وهكذا ، فهذا الاكتشاف لعلماء وكالة الفضاء الأميركية قد أصبح من الحقائق العلمية التي تشير إليها هذه الآية الكريمة. [25]

8. تخبرنا الآية الكريمة 14: 19 بأن الله ، سبحانه وتعالى ، قد خلق السماوات والأرض بالحق:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (إبراهيم ، 14: 19).

الحق في اللغة هو الصدق والعدل ، وهو عكس الباطل. ومعنى كلمة "بالحق" أي بالدقة المتناهية والتوازن التام في العلاقات بين مكونات الكون. ففي دورانها حول الشمس ، تحتل الأرض موقعاً مثالياً أتاح للحياة أن تبدأ وتستمر وتزدهر فيها. فهذا التنوع المدهش في الكائنات النباتية والحيوانية على هذا الكوكب هو نتيجة لعلاقتها الدقيقة والمتوازنة مع الشمس والقمر والكواكب الأخرى. وعلى الأخص ، فإن ازدهار الحياة على الأرض هو من تأثير دورانها حول نفسها ، مما أدى إلى دورة الليل والنهار. كما أن ذلك الازدهار ناتجٌ أيضاً عن التغيرات الموسمية الناتجة عن دورانها حول الشمس بميل نسبي حول محورها ، ووصول أشعة الشمس بدرجات متفاوتة إلى أقاليم الأرض الجغرافية المختلفة.

ومن مظاهر الدقة والتوازن أيضاً أن نسبة المياه على الأرض وفي جسم الأنسان واحدة ، وهي 70% في كليهما. كما أن هناك توازنٌ ما بين الأكسجين وثاني أكسيد الكربون اللازميْن لتنفس مملكتي النبات والحيوان على الأرض. وهناك توازنٌ بين طبقة الأوزون والغازات الأخرى ، خاصة الناتجة عن التلوث الصناعي ، والذي إذا اختل ، فإن الأوزون يفقد قدرته على حماية الأرض من الإشعاعات الكونية الضارة. كل هذه الأمثلة تشير إلى الدقة والتوازن في مكونات الكون ، التي وصفت في هذه الآية الكريمة بكلمة "بالحق." [26]

9. في الآية الكريمة 79: 30 ، يخبرنا الله ، سبحانه وتعالى ، بأنه قد دَحَى الأرض ، أي جعلها تشبه البيضة في شكلها ، وذلك بعد أن أخبرنا في الآيات السابقة لها ، في نفس السورة ، بأنه خلق السماوات وسواهن ، فيقول ، جل وعلا:

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا (النازعات ، 79: 30).

والحقيقة العلمية في هذه الآية موجودة في فعل "دَحَى" ، التي تعني أنه جعل الأرض على شكل الدَّحْيَة ، ألا وهي بيضة الطيور والدواجن. والدحية (أو البيضة) ليست كاملة الاستدارة ، وهي بذلك أقرب تشبيهاً للأرض من أي شيء آخر موجودٌ في الطبيعة ، ويعرفه الناس.

ولم تكن هذه الحقيقة العلمية معروفة لدى العرب قبل الإسلام ، ولكن كثيراً من علماء المسلمين أدركوها وأشاروا إليها في كتاباتهم. واليوم لدينا صورا في غاية الروعة والجمال لكوكبنا الأزرق ، المستدير الشكل ، أخذت من قبل رواد الفضاء ، ومن خلال الأقمار الصناعية ومحطة الفضاء الدولية.

ومن الطريف أن المفسرين الثلاثة لم يكونوا على دراية بمعنى كلمة "الدحية" ، على أنها البيضة ، فلم يذكروا ذلك في تفسيراتهم لهذه الآية الكريمة. لكن مؤلف هذا الكتاب ، الذي عاش أربع سنين في طرابلس الغرب ، سمع الليبيين يستعملونها ، في إشارتهم إلى البيض عموماً ، وإلى بيض الدجاج على وجه الخصوص. [27]

10. في الآيات الكريمة التالية ، يخبرنا الله ، سبحانه وتعالى ، بأن هناك سكان في السماوات أسلموا لربهم ، وأنهم يعبدونه ويسبحون باسمه ، كما فعل ويفعل الكثير من سكان الأرض ، فيقول عز وجل:

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (الشورى ، 6: 38).

وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (الروم ، 30: 26).

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّـهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (آل عمران ، 3: 83).

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (النور ، 24: 41).

كما يخبرنا ، سبحانه وتعالى ، عن أن هناك مخلوقات أخرى بين السماوات والأرض ، هم الجن ، الذين منهم المسلمون الذين يعبدونه ، ومنهم غير ذلك:

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٣﴾ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ﴿٢٤﴾ (الشورى ، 26: 23-24).

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (الجن ، 72: 1).

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (الجن ، 72: 8).

وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَـٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (الجن ، 72: 14).

هذه الآيات الكريمة تخبرنا بوجود كائنات حية وعاقلة ومؤمنة بالله ، وعابدة له في السماء ، وبين السماء والأرض ، بالإضافة إلى كائنات أخرى غير مسلمة للخالق ، عز وجل. أي أن هناك إمكانية لحدوث الاتصال بيننا وبين هذه الكائنات في المستقبل ، كما حدث في الماضي ، مع نبي الله سليمان ، عليه السلام: "وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (النمل ، 27: 17).

ويعزز ذلك أن الإنسان قد بلغ من العلم مبلغاً يؤهله لمحاولة الاتصال بتلك الكائنات ، مادياً من خلال المركبات الفضائية ، وغير ذلك من وسائل الاتصالات المختلفة. وربما يكون رواد الفضاء من هذه الكائنات أسبق منا إلى ذلك ، فيصلون إلينا قبل أن نصل إليهم. فإذا ما حدث ذلك الاتصال ، لا ينبغي أن يكون مفاجأة أو صدمة للناس ، بما في ذلك المسلمين ، وخاصة الذين يعرفون كتاب الله منهم. [28]

ثانياً ، أمثلة على الآيات المشتملة على حقائق علمية ، اكتشفت حديثاً ، عن ظلمة ماء المحيطات ، وتكون السحب ، وأزواج النبات ، والحشرات

11. الآية الكريمة 24: 40 تقدم لنا وصفاً دقيقاً لمستويات مختلفة من الظلام الموجود في مياه المحيطات ، كما نقرأ في قوله ، سبحانه وتعالى:

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّـهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (النور ، 24: 40).

وهذه الحقيقة العلمية لم تكتشف إلا حديثاً. فلم يكن باستطاعة أي إنسان الوصول إلى أعماق مياه المحيطات ويصورها لنا قبل القرن الهجري الرابع عشر (العشرين للميلاد) ، عندما بدأت محاولات استكشاف الإعماق ، مثل ما قام به الفرنسي فيليب كوستو وفريقه في الثمانينات ، الذين عرضوا رحلاتهم البحرية في البرنامج التلفزيوني الشهير ، "عالم البحار."

وقد تبين أن هناك ثلاث مستويات من النور والظلام في مياه المحيطات. أولها يمتد من سطح الماء إلى حوالي 600 قدم تحته ، حيث يتغلغل ضوء الشمس في الماء بقدر يكفي للرؤية. وثانيها يمتد من حوالي 600 قدم إلى حوالي 3000 قدم تحت سطح الماء ، والرؤية فيه ضعيفة جداً ، لأنه لا يسمح إلا بمقدار ضئيل من ضوء الشمس للوصول إليه. ثم يبدأ المستوى الثالث من العمق بعد ذلك ، الذي يشكل 90% من مياه المحيطات ، حيث الظلام التام الدامس ، الذي لا يستطيع الإنسان فيه أن يرى يده ، كما وصفته الآية الكريمة. [29]

12. الآيتان الكريمتان التاليتان تقدمان وصفاً دقيقاً لكيفية تكون السحب ونزول المطر والبرَد ، وذلك قبل نشوء العلوم الحديثة المختصة بذلك ، بأكثر من ثلاثة عشر قرنٍ من الزمن. فأنظر قول الله ، سبحانه وتعالى:

اللَّـهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (الروم ، 30: 48).

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (النور ، 24: 43).

هاتان الآيتان الكريمتان توصفان الدورة المائية بدقة تحسدهما عليها ملخصات هيئات الأرصاد الجوية في عصرنا الحاضر. فتبدأ هذه الدورة بتبخر مياه المحيطات والبحار والأنهار والبحيرات نتيجة لحرارة الشمس. فتأتي الرياح الباردة لتساعد جزيئات بخار الماء لتتكثف مع بعضها البعض ، لتصبح سحباً. ثم تحمل الرياح السحب أفقياً إلى أماكن أخرى ، وتعلوا بها رأسياً إلى طبقات الجو الباردة. عندها يزداد تكثف (تراكم) جزيئات بخار الماء مع بعضها البعض ، فتصبح أكثر ثقلاً من أن تستطيع الرياح حملها ، فتسقط على هيئة ما نسميه مطراً (ودقاً). أما البَرَد ، فإنه يتكون نتيجة تكثف أكبر ، بسبب تعرضه لدرجات الحرارة الأكثر انخفاضاً في الطبقات العلوية من الجو، مما يؤدي إلى تجمد قطرات الماء ، فتصبحُ كراتٍ ثلجيةٍ لا تقدر السحب على حملها ، فتسقط على هيئة ما نسميه بَرَدَاً. [30]

13. الآية الكريمة 36: 36 تذكر بأن الله ، سبحانه وتعالى ، قد خلق الأزواج كلها للتكاثر ، بما في ذلك أزواج النبات والإنسان ، وغير ذلك مما لم يعلمه الإنسان بعد.

سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (يس ، 36: 36).

وبالإضافة لكلمة أزواج الواردة في هذه الآية ، وردت كلمتا زوج وزوجين في آيات أخرى ، وكلها تشير إلى وجود عنصري الذكورة والأنوثة اللازمين للتكاثر الجنسي في النبات تحديداً. وهذه حقيقة علمية أصبحت معروفة الآن. فهناك أزواج من النباتات واضحة للعيان في ذكورتها وأنوثتها ، على شكل شجرتين مستقلتين عن بعضها البعض ، مثلما هو الحال في أشجار النخيل ، فبعضها ذكرٌ وبعضها الآخر أنثى. ولا تنمو فاكهتها ولا تنضج إلا بالتلقيح الطبيعي ، عن طريق الرياح والحشرات ، أو بالتلقيح الصناعي ، بتدخل الإنسان. وهناك أزواج في النباتات على شكل زهرتين مختلفتين ولكنهما موجودتان في نفس النبتة ، إحداهما تحمل عناصر التذكير والأخرى تحمل عناصر التأنيث في ذلك النبات ، كما هو الحال في الخيار مثلاً. وهناك نوعٌ ثالث من النباتات تشتمل أزهارها على عنصري التذكير والتأنيث معاً ، مثل الطماطم (البندورة) ، فيكون التلقيح فيها أسرع وأكثر نجاحاً. [31]

14. تضمن القرآن الكريم الإشارة إلى ثمانية أنواع من الحشرات ، أربعة أنواع منها ذكرت بصفة المفرد المؤنث ، وهي النحل والنمل والبعوض والعنكبوت ، وأربعة أنواع أخرى ذكرت بصفة الجمع الذي يشير للذكور والإناث معاً ، وهي الذباب والفراش والجراد والقمل. وهذا التفريق في الإشارة إلى هذه الأنواع من الحشرات يمثل تعبيراً عن حقائق علمية وردت في كتاب الله الكريم ، قبل اكتشاف العلماء لها بأكثر من ثلاثة عشر قرناً ، أي بعد اكتشافهم للمجهر المكبِّر ، الذي مكنهم من دراسة حياة هذه الحشرات ، بما في ذلك تمييز ذكورها من إناثها.

والإعجاز العلمي هنا يكمن في الإشارة إلى الأنواع الأربعة الأولى من الحشرات بصفة المفرد المؤنث ، وذلك لتميز الإناث عن الذكور فيها بصفات خاصة وهامة. فالنحلة هي التي تعمل وتنتج العسل ، والنملة هي التي تعمل داخل المسكن وخارجه ، والبعوضة هي التي تهاجم الإنسان والحيوان لتمتص الدم ، وأنثى العنكبوت هي التي تبني بيتها الذي هو بمثابة شبكة الصيد بالنسبة لها. أما ذكور هذه الأنواع الأربعة من الحشرات ، فهم للتزاوج فقط ، ويموتون أو يقتلون بعد ذلك.

فالآيات الكريمة التالية تشير إلى النحلة بأفعال الأمر المؤنثة: "اتخذي" و"كلي" و"فاسلكي." وتشير إلى النملة بالاسم المفرد المؤنث "نملةٌ." وتشير إلى البعوضة أيضاً بالاسم المفرد المؤنث "بعوضة." كما تصف العنكبوت باستعمال الفعل الماضي المؤنث "اتخذت" ، كما يلي:

وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾  (النحل ، 16: 68-69).

قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ  (النمل ، 27: 18).

إِنَّ اللَّـهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا (البقرة ، 2: 26). 

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (العنكبوت ، 29: 41).

والحقيقة العلمية المتضمنة في الآيتين الكريمتين 16: 68-69 تتلخص في أن إناث النحل هي التي تعمل خارج مساكنها ، وبالتالي فهي التي تنتج العسل. أما ذكور النحل فيموتون خلال تسعين يوماً بعد تزاوجهم مع الملكة. وهذه الحقيقة العلمية تنطبق أيضاً على النمل ، فالذكور يموتون بعد تزاوجهم مع الملكة ، وتبقى الإناث فقط على قيد الحياة تعمل داخل المساكن وخارجها ، كما تم ذكره في الآية الكريمة 27: 18.

وبالنسبة للبعوض ، فإن الأنثى ، أي البعوضة ، تعيش ضعف حياة الذكر ، وهي فقط التي تعض الإنسان والحيوان لتمتص الدم اللازم لها لإنتاج بيضها ، وذلك باستخدام إبرتها الماصة الموجودة في فمها. أما الذكر ، فلا يحتاج الدم ولا يستطيع العض لعدم وجود الإبرة الماصة لديه. وهكذا ، فإن الآية الكريمة 2: 26 بذكرها لأنثى البعوض بالتحديد ، فإنها تشير لحقيقة علمية محددة ، عن أن البعوضة هي التي تؤذي الإنسان ، على صغر حجمها.

أما الآية الكريمة 29: 41 ، فإنها تخبرنا بحقيقتين علميتين. أولاهما أن إناث العنكبوت هي التي تبني بيوتها الشبكية ، ولا يعينها في ذلك الذكور. ولذلك ، فالدقة هنا تكمن في الإشارة إلى البيت على أنه لأنثى العنكبوت. وثانيهما أن أوهن البيوت بيت العنكبوت. فبيت العنكبوت هنا لا يعني الشبكة العنكبوتية الضعيفة فقط ، بل إنه إشارة إلى العلاقة الأسرية في بيت العنكبوت ، وهي أضعف العلاقات الأسرية ، كيف لا وأنثى العنكبوت تقوم بأكل الذكر مباشرة بعد حدوث الجماع الجنسي ، وبعضها تأكل الذكور حتى قبل ذلك ، أثناء المغازلات. وهكذا ، فهذه الحقائق الدقيقة المتضمنة في هذه الآيات الكريمة ما كان ممكناً أن تتم معرفتها إلا حديثاً وبعد الدراسة الدقيقة لعالم الحشرات ، الذي أصبح ممكناً بعد اختراع أجهزة المجاهير المكبِّرة.

***

وبالنسبة للأنواع الأربعة الأخرى من الحشرات ، التي ذكرها القرآن الكريم بصفة الجمع المذكر ، وهي الذباب والفراش والجراد والقمل ، فهذه الصفة أيضاً تمثل تعبيراً عن حقائق علمية لم تكتشف إلا مؤخراً ، أي بعد اكتشاف المجهر المكبِّر ، الذي مكن العلماء من دراسة حياة هذه الحشرات. فهذه الأنواع الأربعة من الحشرات ذكرت بصفة الجمع المذكر لأن الذكور والإناث منها يعملون ، وإناثها لا تقتل الذكور ولا تتميز عنهم ، كما هو الحال في أنواع الحشرات الأربعة السابقة الذكر.

فالآية الكريمة 22: 73 ، تذكر الذباب مرتين بصيغة الجمع المذكر ، وذلك يتمشى مع حقيقة علمية دقيقة. فقد تمكن العلماء من معرفة أن عمر الذباب في الظروف العادية يصل إلى حوالي 35 يوماً ، لا فرق في ذلك بين الذكور والإناث. لذلك ، أشارت الآية الكريمة لكليهما معاً ، ولم تخصص الإناث فقط ، كما كان الحال بالنسبة للحشرات الأربع السالفة الذكر ، فسبحان الله ، الخالق ، البارئ ، الخبير ، العليم.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (الحج ، 22: 73).

أما الفراش ، فقد ذكر في الآية الكريمة 101: 4 ، التي تصف حال الناس عند النفخة الأولى في الصور ، إيذاناً بقيام الساعة ، في بداية اليوم الآخر ، حينها سيكونون من الضعف وقلة الحيلة مثل الفراش المبثوث ، أي المنتشر على غير هدى:

يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (القارعة ، 101: 4).

وقد ذكر الفراش هنا أيضاً بصيغة الجمع المذكر لأن ذلك يتمشى مع الحقيقة العلمية التي مؤداها أنه لا فرق بين الإناث والذكور في الفراش ، من حيث مدة الحياة وتقسيم العمل ، ولا تتميز الإناث عن الذكور في شيء هام يذكر. ولذلك ، أشارت الآية الكريمة لكل منهما بصفة الجمع المذكر ، ولم تخصص الإناث فقط ، كما هو الحال في الحشرات الأربع التي ذكرت أولاً.

وذُكر الجراد والقمل في الآية 7: 133 ، بصفة الجمع المذكر أيضاً ، وذلك يتمشى مع حقيقة علمية ، وهي أنه لا فرق بين الذكور والإناث في هذين النوعين من الحشرات ، من حيث مراحل التطور ومن حيث مدة الحياة. لذلك ، أشارت الآية الكريمة لكل منهما بصفة الجمع المذكر ، ولم تخصص الإناث فقط ، كما كان الحال بالنسبة للحشرات الأربع السالفة الذكر.

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (الأعراف ، 7: 133).

كما ذُكر الجراد وحده في الآية الكريمة 54: 7 ، التي تصف حال الناس بعد نفخة الصور الثانية ، التي تخرجهم من باطن الأرض إلى سطحها ، فيكونون كالجراد المنتشر:

خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (القمر ، 54: 7).

 ويقدر العلماء حجم أسراب الجراد بعشرة بلايين (مليارات) لكل منها ، وهذا هو أقرب الصور المعروفة لدينا لتقدير أعداد الناس عند خروجهم من باطن الأرض أفواجاً ، ومجيئهم للحساب ، كما ذكرت الآية الكريمة:

يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (النبأ ، 78: 18). [32]

15. هناك العديد من الكتب والأبحاث المنشورة ، التي تتناول الحقائق العلمية في القرآن الكريم ، والتي يمكن أن تعد استطراداً لموضوع هذا الفصل ، والذي يليه: " الخلق والتطور في القرآن الكريم." ومن أمثلة هذه الكتب والأعمال ، تلك التي ألفها محمد زعلول النجار، وموريس بوكاي ، و إ. إبراهيم وآخرين ، وشاه منصور علَم ، وأزاربور ، ويحيى أمريك ، ومحمد هُمايون خان. [33]

ثالثاً ، الإعجاز العددي في القرآن الكريم

16. منذ العقود الأخيرة للقرن الرابع عشر للهجرة (أي أواخر القرن العشرين للميلاد) ، ظهرت فئة من الباحثين في الإعجاز العددي للقرآن الكريم ، لكن أبحاثهم لا تزال في بدايتها ، ولا تتصف بالشمولية ، وليس لها طرق بحث متفق عليها ، كما أنها انتقائية في معظم الأحوال. وعلى الرغم من ذلك ، فقد بينت أعمالهم أن حروف وكلمات وآيات وسور كتاب الله الكريم معدودة ومرتبة في نظام عددي محكم ، يعطي دليلاً على إنه من عند الخالق ، عز وجل ، وأنه من المستحيل على أحد غيره أن يأتي بمثله أبداً ، تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى: " قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء ، 17: 88). كما أن من شأن هذه الأبحاث التدليل على أن النظام العددي المتقن في القرآن الكريم يمثل ضمانة لعدم المس بكتاب الله ، من تغيير أو تبديل أو إضافة أو حذف. إذ لو حدث ذلك لاختل التوازن العددي في علاقات الحروف والكلمات والآيات والسور مع بعضها البعض ، ولأمكن للباحثين المختصين اكتشاف ذلك. وهكذا ، فهذه الأبحاث تهدف أيضاً إلى تبيان قول الحق ، تبارك وتعالى: " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر ، 15: 9).

أَمْثِلَةٌ عَلَى أَبْحَاثِ الإعْجَازِ الْعَدَدِيِّ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

هناك اليوم المئات من الباحثين في هذا المجال ، فيما يلي خمسة منهم ، على سبيل المثال فقط ، دونما المساس بأهمية الأخرين وقيمة أبحاثهم. كان رشاد خليفه (1973 و1981) أول من اكتشف أهمية العدد 19 للتدليل على وجود نظام عددي محكم في القرآن الكريم. فبدأ بالآية الأولى لكتاب الله ، البسملة ، فوجدها مكونة من 19 حرف ، كما وجد أن كل كلمة فيها مكررة في القرآن الكريم بعدد يعتبر من المضاعفات التامة للعدد 19. كما وجد أن الحروف النورانية المقطعة ، الموجودة في بدايات 29 من السور ، لها دلالات عددية. فمثلاً ، الحروف النورانية (أ ل م) ، التي تبدأ بها كل من سورة البقرة (2) ، وآل عمران (3) ، والعنكبوت (29) ، والروم (30) ، ولقمان (31) ، والسجدة (32) ، مكررة في القرآن الكريم 9,899 مرة ، وتلك من المضاعفات التامة للعدد 19. وقد شجعت نتائج أبحاثه الكثير من الباحثين للسير على نهجه ، في محاولاتهم إيجاد المزيد من أعداد الحروف والكلمات التي تقبل القسمة على العددين 19 و7. وعلى الرغم من الأثر الطيب لأعماله في هذا المجال ، إلا إنه شط بعيداً عندما أخذ يركز على إثبات نظريته حتى بوسائل ملتوية ، بدلاً من قبول نتائج البحث كما هي ، وأدى ذلك إلى تجرؤه على حذف آيتين من القرآن الكريم. [34]

تناول بسام جرَّار (2003) موضوع العدد 19 ، مبيناً أهميته بالنسبة للمعجزة العددية للقرآن الكريم ، كما استخدم حساب الجُمَّل في تقدير قيم حروف الآيات الكريمة محل البحث. فمثلاً ، قام بالتدليل على التماثل ما بين آدم وعيسى ، عليهما السلام ، عددياً ، في الآية الكريمة "إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ" (آل عمران ، 3: 59). فلاحظ أن تكرار كلمة (عيسى) في القرآن الكريم هو 25 مرّة ، كما أنّ تكرار كلمة (آدم) هو أيضاً 25 مرّة. وبإحصاء عدد كلمة (عيسى) من بداية المصحف وحتى كلمة (عيسى) في الآية 59 من سورة آل عمران ، وجد أنها الكلمة رقم 7. وبإحصاء عدد كلمة (آدم) من بداية المصحف وحتى كلمة (آدم) في الآية 59 من سورة آل عمران ، وجد أنها الكلمة رقم 7 أيضاً.

كما بحث بسام جرَّار عن تماثل ثانٍ ، في سور أخرى ، فوجده في سورة مريم. ومعلوم أنّ مريم هي ابنة عمران ، وكان التماثل الأول في سورة آل عمران ثم إنّ تفصيل الكلام في خلق عيسى ، عليه السّلام ، جاء في سورة مريم. ومن ذلك أن ترتيب سورة مريم في المصحف هو 19. ولم ترد كلمة (عيسى) في سورة مريم إلا مرّة واحدة ، وذلك في الآية 34. والملاحظ أنّ كلمة (عيسى) في الآية 34 هي التكرار 19 في القرآن الكريم. وكذلك كان الحال في كلمة (آدم) ، التي ذكرت في الآية 58 ، فلم تتكرر في سورة مريم إلا مرّة واحدة ، وهي أيضاً التكرار 19 في القرآن الكريم. وهكذا ، ففي السّورة رقم 19 كان التكرار 19 لكلمة (عيسى) والتكرار 19 لكلمة (آدم). وإذا بدأ العدّ من الآية 34 من سورة مريم ، والتي ذكر فيها اسم عيسى ، عليه السلام ، تكون الآية 58 التي ذكر فيها اسم آدم ، عليه السّلام ، هي الآية 25 (وفي ذلك تأكيد آخر للتماثل بينهما).

وبالإضافة إلى جهوده القيمة في الإعجاز العددي للقرآن الكريم ، فإن بسام جرَّار من المفسرين المعاصرين لكتاب الله ، والذي يمتاز تفسيره بالعمق اللغوي والاستشهادات العلمية والاجتماعية المعاصرة ، مما أكسب تفاسيره المسجلة على الفيديو قبولاً كبيراً على الشبكة العالمية. [35]

وقد اهتم عدنان الرفاعي (2009) أيضاً بالعدد 19. فرتب حروف الأبجدية العربية بطريقة خاصة ، أعطى فيها قيماً عددية مختلفة لكل حرف. وطبق ذلك على الآية الأولى في كتاب الله ، البسملة ، التي وصفها بأنها مفتاح المعجزة العددية للقرآن الكريم ، حيث أن حروفها 19. كما أشار إلى أن الآية الكريمة "عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ" (المدثر ، 74: 30) ، والتي تذكر العدد 19 ، يبلغ مجموع القيم العددية لحروفها 114 ، وهو عدد سور القرآن الكريم ، والذي يعتبر أيضاً من المضاعفات التامة للعدد 19. وأضاف بأننا لو حذفنا المكرر من الحروف النورانية ، لأصبح مجموع القيم العددية لهذه الحروف 361 ، وهو من المضاعفات التامة للرقم 19. ثم أشار إلى أن القيمة العددية للآيات الكريمة 30-37 من سورة المدثر (74) هي 2,185، وهذا العدد هو من المضاعفات التامة للعدد 19. كما قدم أمثلة عديدة من الآيات وأجزاء الآيات التي تبلغ قيمتها العددية أحد المضاعفات التامة للعدد 19. وفي ذلك كله خير من حيث المقصد ، لكنه يمثل الحالات التي تنطبق عليها القاعدة فقط ، ويترك ما تبقى. ولا تزال هذه الانتقائية تمثل المشكلة الأساسية التي تواجه الباحثين في الإعجاز العددي للقرآن الكريم ، بصفة عامة. [36]

ويعتبر عبد الدائم الكحيل (2006) من بين أشهر الباحثين في مجال الإعجاز العددي للقرآن الكريم. وقد بدأ بانتقاد رشاد خليفة لانتقائيته ، التي أودت به إلى حذف الحروف والكلمات التي لا تتمشى مع نظريته بشأن العدد 19. وأضاف بأن هناك إعجازات عددية أخرى مثل العدد 7 ، الذي اعتبره أساس النظام الرقمي في جميع كلمات وآيات وسور القرآن الكريم. وأشار أيضاً إلى العدد 11 ، الحاضر في أحرف الآيات الـتي تتحدث عن وحدانية الله تعالى ، والعدد 13 ، الذي يمثل عدد سنوات الدعوة في مكة المكرمة ، والعدد 23 ، الذي يمثل عدد سنوات الوحي ، والعدد 29 الذي يمثل عدد السور التي تبدأ بحروف مقطعة.  كما قدم الكثير من الحقائق الرقمية ، التي تشمل أول آية وأول سورة من القـرآن الكريم ، وأظهر التناسق الرقمي السباعي في سورة الإخلاص.

كما انتقد استخدام حساب الجُمَّل للتدليل على التطابق بين عدد الكلمات وأرقام السور لأنه لا يقوم على أساس علمي ، ولم يحدث مثل هذا التطابق إلا في حالات انتقائية معينه. وحذر الباحثين بالبقاء بعيداً عن التنبؤ بالغيب ، الذي لا يعلمـه إلا الله ، سبحانه وتعالى . كما حذرهم من الاستدلال بالأرقام للتنبؤ بتواريخ أو أحـداث سياسية . وذكر بأن أبحاث الإعجاز الرقمي تقتصر حالياً على قراءة حفص عن عاصم ، أي على المصحف الإمام. ونادى بوضع ضوابط خاصة بأبحاث الإعجاز الرقمي. فالمعطيات ينبغي أن تكون صحيحة ، وذلك بالحصول عليها من القرآن الكريم ، لا من غيره. كذلك ينبغي لمنهج البحث أن يكون صحيحاً أيضاً. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى نتائج صحيحة ، أي أنها تمثّل معجزة حقيقية لا مجال للمصادفة فيها.   

وبالإضافة إلى ذلك ، فإنه قام بجهد كبير في معالجة مشكلة عدم الدقة لدى بعض الباحثين في إحصاء عدد حروف وكلمات القرآن الكريم. فقد ترأس لجنة من الخبراء من مختلف الأقطار العربية ، عملت لحوالي سبع سنين من أجل وضع قواعد وإرشادات محددة لتحقيق ذلك الغرض (2012). كما نتج عن أعمالها تطوير نسخة حاسوبية للقرآن الكريم ، بما في ذلك برمجية بحث لكلماته وحروفه ، على أساس القواعد والإرشادات التي اتفقت عليا اللجنة ، وخاصة أن الحروف الموجودة هي تلك المكتوبة في المصحف ، وليست المنطوقة ، كما هو الحال في الحروف المشددة (2018). [37]

ولتفادي مشكلة الانتقائية في البحث ، ولالتزام الدقة في حساب عدد حروف وكلمات القرآن الكريم ، قام خالد الفقيه (2017) ببحث يشمل كتاب الله الكريم ككل ، مستخدماً حساب الجُمَّل ، الذي استخدمه باحثون آخرون من قبله. وقد التزم في حسابه لعدد حروف وكلمات القرآن الكريم بالقواعد والإرشادات التي وضعها عبد الدائم الكحيل (2012) ، خاصة إحصاء الحروف بناء على كتابتها فقط ، أي عدم حساب الحرف مرتين إذا كان مشدداً ، كما فعل بعض الباحثين. فبدأ بحساب العامل الثابت (Constant) للقرآن الكريم ، وذلك بتقسيم قيمته الأبجدية (23,506,544) على المجموع التراكمي لأرقام آياته (333,667). فتوصل إلى أن العامل الثابت للقرآن الكريم هو: 70.44911244. وركز على أهمية هذا العامل الثابت باعتباره مفتاحاً لفك الأسرار الإحصائية لكلمات وآيات وسور القرآن الكريم. كما قام بحساب النسبة الذهبية لكتاب الله ، لمقارنتها مع النسبة الذهبية لكثير من الكائنات الحية والجمادات (Ф). وقد فعل ذلك بقسمة عدد سور القرآن الكريم (114) على العامل الثابت للقرآن الكريم (70.44911244) ، فتوصل إلى أن النسبة الذهبية لكتاب الله هي:1.618189304 ، والتي تتماثل بنسبة 99.99% مع القيمة العددية للنسبة الذهبية ، والتي تبلغ 03398871.618 بالضبط. وذلك دليل ساطع على أن القرآن الكريم هو كتابُ الله ، الحكيم الخبير ، وأنه لا يمكن لأي مخلوق أن يأتي بمثله أبداً. [38]  

=========================================================================================

الإسْلامُ

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلْبَشَرِيَّةِ

***

الْفَصْلُ الْرَابِعُ

 ***

الخَلْقُ وَالتَّطَوُّرُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ

 ***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

***

مُقَدِّمَةٌ

 بيَّن الله ، سبحانه وتعالى ، لنا كيف بدأ خلق الكون ، بما فيه من سبع سماوات وسبع أرضين ، وما فيها وما بينها من كائنات ، كما تم استعراضه من خلال الآيات العشر الأولى التي ذكرت في الفصل الثالث من هذا الكتاب. أما هذا الفصل ، فإنه يركز على استعراض معاني 43 آية من الذكر الحكيم ، ذات صلة بخلق الحياة وتطورها على الأرض ، وعلى الأخص فيما يتعلق بخلق الإنسان وتطوره.

وقد تم الرجوع للمفسرين الثلاثة الكبار (الطبري والقرطبي وابن كثير) لشرح معاني هذه الآيات الكريمة ، ثم تلا ذلك مقارنة هذه المعاني بالحقائق العلمية ، خاصة تلك التي توصل إليها علماء تاريخ الإنسان (الأنثروبولوجيا) والأحياء والفلك. والهدف من ذلك هو التوصل إلى استعراض لقصة خلق الله ، سبحانه وتعالى ، للحياة وتطورها على الأرض ، ليس فقط بالرجوع للمعاني اللغوية للآيات الكريمة ، وإنما أيضاً بالرجوع للحقائق العلمية المتصلة بتلك المعاني.

ويمكننا القول بأن نظرية التطور ، التي تسود شتى العلوم ، يمكن أن تستمد تأييداً لها من معاني هذه الآيات الكريمة ، التي تشير إلى أن الله ، سبحانه وتعالى ، قد بدأ بخلق الحياة على الأرض ، ثم تركها لتتطور ، نتيجة للتكيف مع البيئات المختلفة على هذا الكوكب ، مع تدخله ، عز وجل ، لتحسين مخلوقاته ، من حينٍ إلى آخر يحدده هُوَ.

والحقائق العلمية التي تتضمنها معاني هذه الآيات الكريمة لم تكن معروفة لأهل العلم ، لا في زمن التنزيل ولا لأكثر من ثلاثة عشر قرن بعد ذلك ، إلى أن بدأ تأسيس العلوم الحديثة في القرن الثالث عشر للهجرة ، الموافق للقرن التاسع عشر للميلاد. وعلى ذلك ، فإن هذا الجهد يهدف إلى التعريف بهذه الحقائق ، كإثباتات علمية على وجود الله ، سبحانه وتعالى ، وعلى أن القرآن الكريم هو رسالته للبشرية.

الآيات الكريمة المتعلقة بخلق الإنسان وتطوره

1-2. يخبرنا الله ، سبحانه وتعالى ، في الآية 29: 19 أنه يُبدئ الخلق ثم يعيده ، وأنه قد فعل ذلك من قبل عندما انقرض الإنسان عن وجه الأرض (الآية 76: 1 ، المذكورة لاحقاً) ثم أعاد خلقه من جديد. ثم يأمرنا في الآية التالية 29: 20 أن نسير في الأرض ، لنرى كيف بدأ الخلق ، وذلك حتى نؤمن بأنه قادرٌ على النشأة الثانية في اليوم الآخر ، فيقول:

أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّـهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ)العنكبوت ، 29: 19).

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّـهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (العنكبوت ، 29: 20).  

وقد تم تنفيذ هذا الآمر الإلهي من خلال تأسيس العلوم الحديثة التي تبحث في بداية الحياة على الأرض ، مثل علم تاريخ الإنسان (الأنثروبولوجيا) بفروعه الأربعة (الآثار والأحياء واللغة والثقافة) ، والعلوم الطبيعية الأخرى ، كعلم الأحياء والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والجغرافيا الطبيعية. وبمقارنة ما توصل إليه العلماء من حقائق في هذه العلوم ، عن بداية الخلق والتطور ، مع ما تتضمنه معاني آيات القرآن الكريم ، تظهر حقيقة ساطعة للعيان ، وهي أن تلك الآيات الكريمة ما هي إلا أدلة على أنها من عند عالم الغيب والشهادة ، حتى نؤمن بأنه الخالق العظيم ، ومن ثم نتبع أوامره ، ونتجنب نواهيه ، فنفوز بسعادة الدارين ، الدنيا والآخرة.

3. ثم يؤكد لنا ربنا هذا المعنى في الآية الكريمة 50: 15 ، التي تشير إلى أنه كان هناك خلقٌ أولٌ للحياة على الأرض ، فيقول:

أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (قاف ، 50: 15).

4. وتخبرنا الآية الكريمة 21: 30 ، أن الله ، سبحانه وتعالى ، قد جعل الماء شرطاً لوجود الحياة ، فتقول:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (الأنبياء ، 21: 30). 

ولم يثبت أبداً أن هناك كائنات حية على الأرض لا تحتوي على الماء أو لا تحتاجه. وحتى في محاولات علماء الفلك رصد وجود حياة في الكواكب الأخرى ، فإنهم يبحثون عن وجود الماء فيها أولاً ، لعلمهم أن لا حياة بدون ماء ، كما أخبرنا ربنا ، سبحانه وتعالى ، في هذه الآية الكريمة.

والله هو الأول والأخر ، وهو الحي القيوم ، الذي بدأ الحياة في السماوات والأرض ، بمشيئته ، وكلامه ، وبنفخ روحه في كائناته وبيديه أيضاً. فنحن نعلم مكونات الخلايا الحية في الكائنات البدائية الوحيدة الخلية ، وفي الكائنات المتقدمة المعقدة ، ولكننا لا نعرف كيف بدأت الحياة في الخلية الأولى ، إلا من خلال ما أخبرنا به الله عن ذلك. فهو الذي أنزل أمره على الخلية الأولى لتدب الحياة فيها ، فأصبح هذا الأمر بمثابة البرمجية الأساس ، أي الصبغة الوراثية الأولى ، المسؤولة عن قيام أعضاء الجسم بوظائفها كما ينبغي لها أن تفعل ، فهذه هي النفخة الأولى من روح الله ، التي بدأت الحياة على الأرض ، والله أعلم.

5. الآية الكريمة 30: 20 ، تخبرنا بأن الله ، سبحانه وتعالى ، قد بدأ خلق الإنسان من التراب ، بالإضافة إلى الماء ، كما ورد في الآية 21: 30 السالفة الذكر:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (الروم ، 30: 20).

فالماء هو الشرط الأساس لوجود الحياة ، ولكن هذه الآية الكريمة قد أضافت التراب إلى الماء ، في الإشارة للخلق الأول للحياة على هذا الكوكب ، بما في ذلك خلق الإنسان. وقد تكرر ذكر الخلق الأول من التراب في خمس آيات أخرى ، في القرآن الكريم. [39]

6. ونقرأ في الآية الكريمة 32: 7 ، أن الله ، سبحانه وتعالى ، قد بدأ خلق الإنسان من الطين:

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ (السجدة ، 32: 7).

والكلمة ذات الصلة في هذه الآية هي "بَدَأَ" ، والتي تبين لنا بوضوح أن خلق الحياة على الأرض قد تم على مراحل ، أي أنه لم يحدث مرة واحدة. وهكذا ، فإن الخلق الأول للإنسان قد بدأ من الطين.

وقد علمنا من الآية 21: 30 أن الماء هو الشرط الأساس لوجود الحياة ، ولكن التراب قد ذكر كشرط ثانٍ في الآية 30: 20 ، بالإضافة إلى الماء ، فيما يتعلق بخلق الإنسان. أما هذه الآية (32: 7) ، فقد ذكرت أن خلق الإنسان قد بدأ من الطين ، وفي ذلك تأكيد للآيتين السابقتين ، لأن الطين ما هو إلا تراب مخلوط بالماء. وما لدينا اليوم من حقائق علمية يؤكد على أن الحياة قد بدأت في الطين ، كما جاء في الآية الكريمة. [40]

7. الآية الكريمة 37: 11 تصف لنا الطين الذي خلقت فيه الحياة ، بأنه كان طيناً لازباً:

فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ (الصافات ، 37: 11).

وقد أورد المفسرون الثلاثة شرح الصحابة ، بما في ذلك ابن عباس ، لمعنى "لازب" ، فذكروا بأن اللازب هو اللاصق ، أي الذي يلتصق بعضه ببعض ، أو بما أصابه.

8. الآية الكريمة 15: 26 ، تزودنا بصفة أخرى للطين الذي تم استخدامه في خلق الحياة على الأرض ، فتقول:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (الحجر ، 15: 26).

والصلصال هو الطين الجاف. أما الحمأ المسنون ، فهو الطين المنتن المتغير إلى سواد ، كما ذكر المفسرون الثلاثة من بين ما ذكروا من المعاني.

وعلى ذلك ، يمكن القول بأنه باختلاط الماء بذلك الطين الجاف ، فإنه أصبح رطباً ، لزجاً ، ولاصقاً. ولأنه كان يحتوي على عناصر الأرض الأولية ، مثل كبريتات الهيدروجين ، كانت له رائحة منتنة. وذلك يتفق تماماً مع ما توصل إليه علماء الأحياء ، من أن الحياة قد بدأت في المستنقعات ، أو الأماكن التي يختلط فيها الماء بتراب الأرض الذي يحتوي على العناصر الأولية المختلفة ، بما في ذلك النتنة الرائحة منها مثل الكبريت ، مكوناً الطين المنتن اللزج. [41]

9. الآية الكريمة 55: 14 تؤكد لنا وصف الطين المستخدم في الخلق الأول ، بأنه كان صلصالاً يشبه الفخار:

خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (ألرحمن ، 55: 14).

والصلصال هو الطين الجاف. أما الفخار ، فهو الطين المخبوز على النار للتخلص من المياه الموجودة فيه ، فيصبح قوياً وصلداً. ولكنه عندما اختلط بالماء ، فإنه قد أصبح جاهزاً لبدء الحياة فيه ، لأن الله ، سبحانه وتعالى ، جعل من الماء كل شيء حي ، والله أعلم.

10. الآية الكريمة 71: 14 ، تنص بوضوح على أن الخلق لم يحدث مرة واحدة ، وإنما حدث على مراحل أو أطوار متعددة ، كما أشار إلى ذلك الفعل "بَدَأَ" في الآية الكريمة 32: 7 ، الذي يفيد بأن خلق الإنسان من الطين كان المرحلة الأولى من الخلق الأول:

 وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (نوح ، 71: 14).

والآيات الكريمة التالية تخبرنا عن أطوار خلق الإنسان. فقد اشتمل الخلق الأول على خمسة أطوار ، أو مراحل ، وهي بث الحياة والتسوية والاعتدال ونفخ الروح والتصوير. أما الخلق الثاني ، فهو في الرحم ، ويشتمل أيضاً على خمسة أطوار ، أو مراحل ، هي النطفة والعلقة والمضغة والعظام واللحم ، كما توضحه لاحقاً الآية 23: 14.  

11. وتخبرنا الآية الكريمة 6: 2 أن الله ، عز وجل ، بعدما انتهى من المرحلة الأولى من الخلق الأول ، أي بدء الحياة في الطين ، شاء أن يترك خلقه لأجل مسمى عنده ، أي لوقت محدد عنده ، فيقول:

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (الأنعام ، 6: 2).

وهكذا ، شاء الله ، عز وجل ، أن يقضي أجلاً ، بعد الخلق الأول ، تاركاً مخلوقاته وشأنها ، وذلك قبل أن يعود لها بعد أجل مسمى عنده ، أي بعد وقت حدده هو. وبهذا ، فإن هذه الآية الكريمة تشير إلى مفهومي الخلق والتطور. فالخلق إشارة إلى تدخل الله في مخلوقاته بالتغيير والتحسين. أما التطور فهو ما يحدث للمخلوقات من تغير بعد ذلك ، نتيجة للتفاعل والتكيف مع بيئتها الطبيعية والاجتماعية ، وهذا هو جوهر نظرية التطور التي تسود كافة العلوم. 

12. يخبرنا الله ، سبحانه وتعالى ، في الآية 4: 1 أنه بدأ الخلق الأول للحياة على الأرض من نفسٍ واحدة ، وخلق منها زوجها. أما الخلق الثاني ، فهو في الرحم ، نتيجة لتزاوج سائلي الذكر والأنثى ، فيقول:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء (النساء ، 4: 1).

ويتفق علماء الطبيعيات على أن بداية الحياة على الأرض كانت على شكل كائنات عضوية وحيدة الخلية ، كانت تتكاثر بالانشطار الثنائي أولاً ، أي بالانقسام إلى أزواج متساوية ، ثم بتزاوج الذكور والإناث بعد ذلك في الخلق الثاني ، داخل الرحم (انظر مزيداً من التفصيل في الملحق رقم 1).

13. الآية الكريمة 82: 7 تشير إلى المراحل الثلاث الأولى من خلق الإنسان ، ألا وهي بث الحياة في الخلية الأولى ، والتسوية ، والاعتدال ، فتقول: 

الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (الانفطار ، 82: 7).

فالمرحلة الأولى من الخلق الأول تمثلت في بث الله ، سبحانه وتعالى ، الحياة في الخلية الأولى في الطين. وهي مرحلة الكائنات البدائية ، التي يشترك الإنسان فيها مع المخلوقات الحية الأخرى ، من خلال الصبغة الوراثية الأولى أو البرمجية الأولى للحياة.

وبعد ذلك ، كانت المرحلة الثانية ، التي سوى فيها خلقه ، أي بتمكين أعضاء الجسم من القيام بوظائفها كما ينبغي ، تلقائياً ، فأصبحت الكائنات أكثر تطوراً ، وصولاً إلى الحيوانات. ثم جاءت المرحلة الثالثة ، وهي خلق الإنسان ، بفصله عن عالم الحيوان ، وذلك بتمكينه من الاعتدال ، أي الوقوف على رجلين. وهذه المراحل الثلاث حقائق علمية تدرَّس الآن في كتب الإحياء.   

في تفسيره لكلمة "عدلك" في هذه الآية الكريمة ، أخذ الطبري بقراءة التشديد ، أي عدَّلك ، بمعنى "أَنَّهُ جَعَلَك مُعْتَدِلًا مُعَدَّل الْخَلْق مُقَوَّمًا." وكذلك فعل القرطبي ، فقال إنه "جَعَلَك مُعْتَدِلًا سَوِيّ الْخَلْق." أما ابن كثير ، فكان أكثرهم وضوحاً. فلم يذكر التشديد ، وإنما فسر القراءة المخففة "عدَلك" بأنه "جَعَلَك سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِل الْقَامَة مُنْتَصِبهَا." وبناء على تفسير ابن كثير ، فالاعتدال يتمثل في اعتدال القامة وانتصابها ، الذي لا يتأتى بالمشي على أربعة أرجل كالحيوانات ، وإنما بالمشي على رجلين كالإنسان. وزاد ابن كثير في تفسيره بإيراد حديثِ النبيٍّ ، عليه الصلاة والسلام ، الذي ذكر فيه كلمة "عدَلك" ، حيث قال: 

" قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يَا اِبْن آدَم ، أَنَّى تُعْجِزنِي وَقَدْ خَلَقْتُك مِنْ مِثْل هَذِهِ ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُك وَعَدَلْتُك مَشَيْت بَيْن بُرْدَيْنِ ، وَلِلْأَرْضِ مِنْك وَئِيد ، فَجَمَعْت وَمَنَعْت ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ قُلْت أَتَصَدَّق وَأَنَّى أَوَان الصَّدَقَة؟"

ومعنى كلمة "عَدَلْتُك" ، في الحديث الشريف ، أنك أيها الإنسان قد أصبحت قادراً على المشي بين البَردين ، نتيجة لاعتدال قامتك ومشيك على رجلين ، الأمر الذي مكنك من جمع الثروات. وهذا المعنى يستقيم تماماً إذا كانت الباء مفتوحة ، أي بَرْدَيْنِ. فالبردان هما الفجر والعصر ، أي للسعي لطلب الرزق طيلة النهار ، من الفجر وحتى قبل غروب الشمس. وقد وردت كلمة "البَردين" بمعنى الفجر والعصر ، في حديث آخر للنبي ، عليه الصلاة والسلام ، والذي قال فيه: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ."

أما إذا كانت الباء مضمومة ، أي بُردين ، فيصعب تفسيرها. فالبُردُ في اللغة هو الكساءُ المخطط. فهل مكن الله ، سبحانه وتعالى ، الإنسان من اعتدال القامة والمشي على قدمين لكي يمشي بين كساءين؟ والأصح في هذه الحالة هو فتح الباء ، والله ورسوله أعلم. [42]

14. الآية الكريمة 64: 3 تشير إلى المرحلة الرابعة من خلق الإنسان ، ألا وهي جعله في أحسن صورة:

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (التغابن ، 64: 3).

وزيادة في تكريم الإنسان ، فإن الخالق عز وجل ، شاء أن يضيف مرحلة رابعة من الخلق الأول ، صور فيها الإنسان السوي في أحسن الصور من حيث التناسق والرشاقة والجمال. والعجيب أن كثيراً من الناس لا يحافظون على هذا التكريم الإلهي لهم ، وذلك بتعاطيهم للمواد الضارة بالجسم أو بكثرة الأكل مع قلة الحركة ، مما يؤدي إلى الإضرار بالجمال الإلهي ، الذي منحه لهم أحسنُ الخالقين ، ناهيك عن الأمراض وما ينتج عنها من آلام  (المزيد عن هذه المرحلة الرابعة عند عرض الآية 7: 11 لاحقاً).

15. تخبرنا الآية الكريمة 82: 8 أن التركيبة الوراثية للمولود من البشر يمكن أن تأخذ أية صورة شاءها الله ، سبحانه وتعالي:

فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (الانفطار ، 82: 8).

وقد أورد الطبري وابن كثير حديثَ النَّبِيّ ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، الذي قال فيه: "إِنَّ النُّطْفَة إِذَا اِسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِم أَحْضَرَهَا اللَّه تَعَالَى كُلّ نَسَب بَيْنهَا وَبَيْن آدَم." ووافق معهما القرطبي في أن الآية والحديث يشيران إلى أن الجنين الإنساني يمكن أن يظهر صفات وملامح الأقارب وغيرهم من بني البشر ، وحتى بعض ملامح الحيوانات.

فعلى الرغم من أن الناس يختلفون في مظهرهم ، من حيث الطول والوزن ولون البشرة وملامح الوجه ، إلا إنهم يحملون نفس الصفات الوراثية للإنسانية منذ المرحلة الأولى من الخلق الأول ، مروراً بآدم ، وحتى والديهم. وهكذا ، فأكبر الاحتمالات أن تكون صورهم مشابهة لصور الوالدين والأقربين ، ولكن هناك احتمالات أخرى بألَّا تكون صورة إنسان ما شبيهة بالأقارب. بل إن بعض الناس ربما تظهر في صورهم ملامح من الحيوانات ، وخاصة في الأذنين والأنف والفم والذقن والرقبة والعيون.

16. الآية الكريمة 15: 29 تشير إلى المرحلة الخامسة من الخلق الأول للإنسان ، ألا وهي نفخ روح الله فيه ، فتقول:

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (الحجر ، 15: 29).

وهذه الآية الكريمة ، التي تكررت نصاً في 38: 72 ، تدل على أن نفخ روح الله في الإنسان كان المرحلة الخامسة من الخلق الأول للإنسان ، والتي سبقت أمر السجود لآدم. والدليل على ذلك استخدام حرف الفاء في فعل الأمر "فقعوا" ، والذي يفيد الترتيب مع التعقيب بلا مهلة ، أي التتابع الزمني المتلاحم. أما في الآية الكريمة 7: 11 ، فإن أمر السجود لآدم قد جاء بعد التصوير بوقت طويل ، كما يدلنا على ذلك استخدام كلمة "ثم" ، التي تفيد الترتيب مع التأخير ، أي التتابع الزمني البعيد.

وبالنسبة لماهية الروح ، فما أوتينا من العلم عنها إلا قليلاً ، كما ذكر الله ، سبحانه وتعالى ، في الآية الكريمة 17: 85. وهناك مناقشة خفيفة عن ذلك ، في الفصل التاسع من هذا الكتاب ، ضمن مناقشة العلاقة ما بين العقل والنفس والروح والسعادة.

ونفخ روح الله ، سبحانه وتعالى ، في الإنسان إنما هو تكريم له ورفع لشأنه. فهذا الجزء من الصبغة الوراثية الإنسانية هو الذي أدى لاكتساب الإنسان صفاته الكريمة العديدة ، مثل القدرة على التمييز والاختيار ما بين الخير والشر ، والمنطق ، والقدرة على الامتناع عن الرذائل ، والتخطيط ، والتعبير ، والسعي للعلم ، والعمارة ، كما ستتم مناقشته في الفصل الخامس من هذا الكتاب: "الإنْسَانُ: خَلِيفَةُ اللهِ عَلَى ألأرْضِ."

17-20. تشير الآية الكريمة 7: 11 إلى الحدث الفارق العظيم في تاريخ الإنسانية ، والذي تم ذكره أيضاً في الآية الكريمة 15: 29 المذكورة أعلاه. فبعدما أتم الله ، سبحانه وتعالى ، مراحل الخلق الخمس الأولى ، التي شملت بث الحياة في الخلية الأولى والتسوية والاعتدال وتحسين الصورة ونفخ الروح ، فإنه شاء أن يرفع مكانة الإنسان ويكرِّمه ، بأمره للملائكة أن يسجدوا له:

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (الأعراف ، 7: 11).

فقد وصل الإنسان إلى درجة عقلانية وخُلُقية متقدمة ، أهلته أن يكون عند حسن ظن خالقه به ، فأكرمه بالاتصال به وحياً ، وجعله خليفة له على الأرض. وكان من مظاهر هذه المرحلة العقلانية المتقدمة قيام الإنسان باختراع وسائل الاتصال من بدنية ولغوية ، مما مكنه من تبادل المعلومات والأفكار مع الآخرين. وبالتالي فإن ذلك قد ساعده على التكيف مع بيئته واستغلال مصادرها ، مما أدى لتقدمه وازدهاره.

وإذا ما قارنا قدرات الإنسان العقلية والاتصالاتية مع قدرات أقرب الحيوانات إليه ، نجده قد تميز عنها بعدة صفات خِلْقية أهلته لذلك. ومن أهم هذه الصفات أن الإنسان يتميز بدرجة من الذكاء وحفظ المعلومات أعلى بكثير من أي كائن حيواني آخر على ظهر الأرض ، بحسب مقياس EQ ، الذي يقارن حجم الدماغ ووزنه بالنسبة إلى الجسد ، وذلك داخل الجنس الواحد وبين مختلف الأجناس أيضاً. [43]

أضف إلى ذلك أن الحنجرة موجودة على زاوية قائمة تمكن صندوق الصوت فيها بالتحكم الدقيق بدخول وخروج الهواء مما مكن الإنسان من إنتاج أصوات محددة أصبحت بمثابة الوحدات الأساسية في اللغة. هذه هي الصفات الأساسية التي ميزت الإنسان ، وهيأته للتفكير والاتصال بالآخرين من جنسه ومن القدرة على تسلم الوحي من ربه.

وبالنسبة للتقدم الأخلاقي للإنسان ، فأساسه البرمجية الأخلاقية التي وضعها فيه خالقهُ ، عز وجل ، عندما نفخ فيه من روحه (15: 29) ، والذي أدى إلى أن الإنسان أصبح مجبولاً على الخير ، كما أنه قد أصبح قادراً على التمييز بين الخير والشر ، وأعطاه خالقه حرية الاختيار في قراراته وأفعاله ، ولذلك حقت محاسبته بناء على ذلك. وتتمركز الناحية الأخلاقية للنفس الإنسانية في مقدمة الدماغ ، فيما يعرف بالناصية ، كما نعلم من دراسات العلماء المتخصصين في الدماغ البشري ، وكما ذكر الله ، سبحانه وتعالى ، ذلك في الآيات 11: 56 و96: 15-16.

إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّـهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (هود ، 11: 56).

أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّـهَ يَرَىٰ ﴿١٤﴾ كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴿١٥﴾ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴿١٦﴾ (العلق ، 96: 15-16).

والناصية في القواميس العربية هي الجبهة ، وكذلك قال القرطبي عنها في تفسيره للآية 11: 56 ، وزاد بقوله إنها ما بين العينين من الجبهة ، وهذا بالضبط ما يقول به الباحثون في وظائف أجزاء الدماغ البشري. [44]

وقد اصطفى الله ، سبحانه وتعالى ، آدم (3: 33) ، ليمثل البشرية في سجال مهيب مع الملائكة ، لكي يثبت لهم استحقاق الإنسان لثقة خالقه به ، كيف لا وهو الذي خلقه بيديه (38: 75). فبدأت الآية الكريمة 7:11 بذكر المرحلة الأولى من الخلق الأول ، ثم ذكرت المرحلة الرابعة على سبيل الاختصار ، وهي أحسن التصوير ، وذلك من خلال مخاطبة الله ، سبحانه وتعالى ، لعباده من البشر ، بصيغة الجمع. ثم ذكرت الآية الكريمة آدم ، عليه السلام ، بصيغة المفرد ، إشارة إلى أنه أحد البشر الذين خلقهم وسواهم وعدلهم وأحسن صورهم ونفخ فيهم من روحه. ولكن الله ، سبحانه وتعالى ، اصطفى آدم من بينهم ، كخير ممثل لهم في هذا الحدث العظيم.  

وقد جاء هذا التكريم لآدم ونسله من بعده بناءً على صفاتهم الكريمة السابقة الذكر، وخاصة عبادتهم لله بالاختيار (90: 10) ، بينما يعبد الملائكة ربهم نتيجة لطبيعة خلقهم المجبولة على الطاعة (66: 6). كما أن البشر قادرون على اكتساب المعرفة (2: 31) ، وهم أيضاً محبون لعمارة الأرض (11: 61) ، مندفعين إلى ذلك بعوامل ذاتية فيهم. [45]

وفي هذه الآية الكريمة أيضاً ، يخبرنا ربنا ، سبحانه وتعالى ، أنه أمر الملائكة بأن يسجدوا لآدم اعترافاً منهم بعلو مكانته عليهم ، هو والمؤمنين من نسله بعد ذلك. فسجدوا أجمعين ، إلا إبليس ، الذي عصى أمر ربه محتجاً بأنه أفضل من آدم خلقاً ، إذ خلقه الله من نار بينما خلق آدم من طين ، كما جاء في الآية الكريمة 7: 12.

وطلب إبليس من الخالق ، عز وجل ، أن يمهله وذريته ، ليثبت له أن الإنسان لا يستحق ذلك التكريم ، وأن أغلب الناس لن يكونوا شاكرين لنعم الله عليهم. فقبل الله ، سبحانه وتعالى ، ذلك التحدي من إبليس ، لعلمه بصفة الخير التي وضعها في البشر. فأجَّل عقابه هو وذريته وكل من يتبعه ، سواء كانوا بشراً أم من الجن ، كما جاء في الآيات الكريمة 7: 12-18 و11: 119 ، وكما هو مفصلٌ في الفصل السادس من هذا الكتاب: " امْتِحَانُ آدَمَ أَمَامَ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْجَنَّةِ."

21. تخبرنا الآية الكريمة 14: 19 إلى أن الله ، سبحانه وتعالى ، إن شاء ، فهو قادرٌ على إهلاك البشر جميعاً ، ومحوهم من الوجود الحي على الأرض ، واستبدالهم بخلق جديد ، كيف لا وهو الذي خلق السماوات والأرض من قبل ، ولخلقهن أكبر من خلق الإنسان (40: 57) ، فتقول: 

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (إبراهيم ، 14: 19).

وبإمكان علماء الطبيعيات أن يجدوا سنداً من هذه الآية الكريمة لنظرياتهم عن انقراض كثير من أجناس الحيوانات التي سادت الأرض في العصور السابقة ، مثل الديناصورات.

وتخبرنا الآية الكريمة أن الله ، سبحانه وتعالى ، قد خلق السماوات والأرض بالحق ، أي في نظام متقن ، خاصة في العلاقات التي تربط أجزائه. فالموقع المثالي للأرض في بعدها عن الشمس أدى لوجود الحياة وازدهارها واستمرارها على ظهرها. كما أدى البعد والقرب من خط الاستواء ، الذي يمثل أقرب نقطة ما بين الشمس والأرض ، إلى تكون الأقاليم المناخية والبيئية المختلفة ، وبالتالي إلى التنوع المدهش في أنواع النباتات والحيوانات على سطحها. ومن مظاهر الإتقان أيضاً أن نسبة المياه على الأرض (70%) تساوي نسبة المياه في جسم الإنسان أيضاً. وبالإضافة إلى ذلك ، فأن التوازن ما بين الأكسجين وثاني أكسيد الكربون ، وتكون طبقة الأوزون ، الذي يحمي الأرض من الأشعة الكونية فوق البنفسجية الضارة ، هي أمثلة أخرى على خلق السماوات والأرض بالحق ، كما تشير إليه الآية الكريمة.

22. أما الآية الكريمة 76: 11 ، فإنها تخبرنا بأنه كان هناك زمن اندثر فيه الإنسان وانقرض ، واختفى ذكره عن وجه الأرض:

هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (الإنسان ، 76: 1).

وبإمكان علماء الأحياء وتاريخ الإنسان (الأنثروبولوجيا) ، على وجه الخصوص ، أن يجدوا سنداً لفرضياتهم عن انقراض أجناس إنسانية سابقة ، فيما يعبرون عنه بالحلقة المفقودة بينها وبين الأجناس الأخرى اللاحقة. وهذه الآية الكريمة أيضاً تشير إلى قدرة الخالق ، عز وجل ، على إعادة خلق الكائنات الحية المنقرضة. وفي ذلك إشارة لنا أيضاً بالتفكير في قدرته ، سبحانه وتعالى ، على إعادة الخلق في اليوم الآخر ، توطئة للحساب. [46]   

23. تشير الآية الكريمة 32: 8 إلى الخلق الثاني للإنسان ، أي في الرحم ، الذي يتم فيه التكاثر بتزاوج سائلي الذكر والأنثى ، بعد أن كان بانقسام الخلايا في المرحلة الأولى من الخلق الأول ، حيث يقول الله ، سبحانه وتعالى:

ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (السجدة ، 32: 8).

هذه الآية الكريمة تصف النسل ، أي التكاثر ، بأنه نتيجة لاتحاد كمية ضئيلة جداً من المواد المائية المنتجة من الذكر والأنثى ، وهذا وصف في غاية الدقة ، وهو سابق لمعرفة الإنسان الحديثة لذلك ، وقبل اكتشاف الكاميرات المجهرية واستعمالها لهذا الغرض.

24. وتعدد الآية الكريمة 32: 9 نعم الله ، سبحانه وتعالى ، على الإنسان ، فتذكر أنه بعد مراحل الخلق الأول ، بما في ذلك التسوية ونفخ الروح ، أضاف الله نعماً أخرى على الإنسان تمثلت في السمع والبصر والفؤاد ، وهي نعمٌ عظيمة من الله لمخلوقاته ، ولكن قليلاً من الناس يشكرونه على ذلك:

ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (السجدة ، 32: 9).

وهكذا ، فإن الله ، سبحانه وتعالى ، قد منح الحياة لمخلوقاته ، بما في ذلك الإنسان ، ثم سوى خلقه ، بقيام أعضاء الجسم بأداء وظائفها تلقائياً. ولكنه ، عز وجل ، قد أكرم الإنسان بإضفاء جزء آخر من روحه ، ميزه عن باقي مخلوقاته ، بأن مكنه من التمييز ما بين الخير والشر ، وبالتالي من القدرة على الاختيار في قراراته وأفعاله ، كما مر ذكره في شرح الآيات 11: 56 و96: 15-16 (للمزيد عن الروح ، انظر الفصل التاسع عن العقل والنفس والروح والسعادة ، من منظور إسلامي).

25. تشير الآية الكريمة 71: 17 ، إلى أوجه الشبه بين حياة الإنسان وحياة النبات ، فتقول:  

وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلأرۡضِ نَبَاتً۬ا (نوح ، 71: 17).

وهذه الآية الكريمة تذَكر الإنسان بأنه يعود في أصله إلى الخلق الأول ، الذي كان تحت سطح الأرض ، في المستنقعات المنتنة. ثم بعد ذلك ، تطورت الكائنات البدائية ، فأخذت أشكالاً أخرى من الحياة ، مثل النبات والإنسان. فكلاهما خرجا من الأرض ، للحياة على سطحها ، ثم يعودان إليها بعد الموت. وكما أن الحياة تدب من جديد في بذرة النبات ، بعد موته ، بتوفر الضوء والماء والهواء ، فإن الحياة ستدب في الإنسان ، بمشيئة الله ، حين بعثه ، في اليوم الآخر ، كما تم مناقشته في الفصل الرابع والعشرين.

26. وتفصل الآية الكريمة 18: 37 معنى الآية الكريمة 71: 14 "وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا" ، بذكرها للخلق الأول ثم لبعض أطوار الخلق الثاني ، فتقول:

 قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (الكهف ، 18: 37).

فذكر التراب هنا إشارةٌ للخلق الأول ، أما ذكر النطفة فهو إشارة للمرحلة الأولى من الخلق الثاني في الرحم ، والذي يشتمل على خمسة أطوارٍ ، أو مراحل ، كما ستوضحه الآية الكريمة 23: 14 لاحقاً. والنطفة هي بيضة المرأة التي تم تخصيبها ، أو تلقيحها ، بمني الرجل ، وهي بداية المخلوق الجديد.

وذكر جنس الجنين ، أي تسويته رجلاً في هذه الحالة ، بعد ذكر النطفة ، هو إشارةٌ إلى ظهور العضو الجنسي الخارجي للجنين بعد التخصيب بحوالي ستة أسابيع ، لكن تمييز الذكور عن الإناث يكون ممكناً ابتداءً من الأسبوع التاسع بعد التخصيب. [47]

27. والآية الكريمة 35: 11 تؤكد المعاني التي تضمنتها الآية 18: 37 وتضيف إليها معنىً آخر ، هو التكاثر بالتزاوج بين البشر:

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا (فاطر ، 35: 11).

28. والآية الكريمة 40: 67 تضيف المرحلة الثانية للخلق الثاني في الرحم ، وهي العلقة:

 هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً (غافر ، 40: 67).

وتتحول النطفة إلى علقة ، التي تشبه العلقة في شكلها وفي صفاتها ، حيث تتعلق بجدار الرحم الذي تمتص منه الدم ، تماماً كالعلقة التي تتعلق بجسم الإنسان أو الحيوان وتمتص الدم منه.

29 -31. والآيات الكريمة 23: 12-14 تذكر الخلق الأول من طين ، ثم تجمل الأطوار الخمسة المتتالية للخلق الثاني في الرحم:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ﴿١٢﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿١٣﴾ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴿١٤﴾  (المؤمنون ، 23: 12-14).

وهذه الآيات الكريمة تصف المراحل الخمسة للخلق الثاني في الرحم ، في غاية الدقة ، كما تذكرها في تتابع دقيق أيضاً أيدته أبحاث علم الأجنة الحديث.  فالمرحلة الأولى هي النطفة ، أي البويضة المخصبة التي تستمر لمدة أسبوع بعد التخصيب ، وتتكاثر خلاياها بالانقسام خلال هذه المدة.

ثم تتحول النطفة إلى علقة خلال الأسبوعين الثاني والثالث ، وتلك هي المرحلة الثانية ، وهي تشبه العلقة في شكلها وفي صفاتها ، كما مر ذكره عن معاني الآية الكريمة 40: 67.

وفي بداية الأسبوع الرابع ، وبالتحديد في اليوم الثاني والعشرين ، يبدأ القلب بالنبض ، وينتقل الجنين إلى المرحلة الثالثة من الخلق في الرحم ، وهي المضغة ، التي تشبه قطعة لحم يمضغها الماضغ ، ولا يظهر فيها شيء من الأعضاء في البداية ، ولكنها سرعان ما تبدأ في التخلق ، فتظهر الأعضاء جلية في الأسبوعين الرابع والخامس.

ثم تبدأ المرحلة الرابعة للخلق في الرحم ، بتكون العظام قبل نهاية الأسبوع السادس بقليل ، أي خلال اليومين الثامن والثلاثين والأربعين من تكون الجنين. ومع بداية الأسبوع السابع ، يتخلق الهيكل العظمي الغضروفي ، فيتصلب البدن ، ويتميز الرأس من الجذع ، وتظهر الأطراف.

أما المرحلة الخامسة ، فتبدأ في نهاية الأسبوع السابع وتستمر خلال الأسبوع الثامن ، حيث تكتسي العظام باللحم ، أي بالعضلات ، ويكتمل خلق الأعضاء والأجهزة الداخلية والخارجية للجنين ، والتي يستمر حجمها في النمو بعد ذلك. [48]

32. وهكذا ، بينت لنا الآيات الكريمة السابقة الخلق الأول للحياة على هذا الكوكب ثم الخلق الثاني في الرحم ، بأطوارهما الخمسة في الحالتين. أما الآيات الكريمة التالية ، فإنها تلفت نظر الناس إلى بعض الظواهر الطبيعية والكونية من حولهم ، ليتفكروا فيها ، فيؤمنوا بالله ، الخالق العظيم. ومن ذلك آياتٌ عن كيفية حدوث البعث ، وآياتٌ أخرى تدعوا إلى البحث في أسباب اختلاف ألوان الناس ولغاتهم ، وفي طبيعة الأرض ، وفي العلاقة ما بين الأرض والقمر والشمس ، وما يعود ذلك عليهم من فوائد.

فالآية الكريمة 10: 92 تخبرنا أن الله ، سبحانه وتعالى ، شاء الحفاظ على بدن (جسد) فرعون بعد أن أغرقه ، كما ورد في الآية الكريمة 10: 90 ، ليكون ذلك آية للناس ، ودليلاً على حدوث قصة خروج بني إسرائيل من مصر ، بما في ذلك معجزة فلق البحر بضربة من عصا موسى ، عليه السلام:

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (يونس ، 10: 92).

وهذه الآية الكريمة متعلقة بالأمر الإلهي الوارد في الآية الكريمة 29: 20 ، بالسير في الأرض للتعرف على كيفية بدء الله للخلق. وقد تم تنفيذ هذا الآمر الإلهي من خلال تأسيس العلوم الحديثة ، بما في ذلك علم التنقيب عن الآثار القديمة ، وهو الذي أدى إلى اكتشاف الأجساد المحنطة للفراعنة (المومياوات) ، من ملوك مصر القدماء.

وقد أورد ابن كثير تفسيراً للآية الكريمة ، مؤداه أن بني إسرائيل طلبوا من موسى ، عليه السلام ، أن يريهم جسد فرعون بعد غرقه ، ليتأكدوا من موته. فأمر الله ، سبحانه وتعالى ، البحر بأن يُلقي بجسده إلى الشاطئ ليروه ، وليتحققوا من موته.

وقد أغفل هذا التفسير سبب مشيئة الله ، سبحانه وتعالى ، في نجاة بدن فرعون ، ألا وهو أن يكون ذلك البدن الناجي آية لمن يأتي خلف فرعون ، أي بعده. ولا ينطبق ذلك على بني إسرائيل آنذاك ، وهم الذين عاصروا فرعون ، وإنما ينطبق على البشرية بعد ذلك بوقت طويل.

والتفسير الأقرب لمعاني الآية الكريمة أن بني إسرائيل قد عبروا خليج السويس ، عند منطقة ضيقة من طرفه الشمالي ، يبلغ عرضها حوالي اثنا عشر ميلاً. وقد ألقى البحر بدن فرعون على الجانب الغربي للخليج ، حتى يجده المصريون ويرجعوا به ، وليس على الجانب الشرقي ، حيث كان بنو إسرائيل. وهكذا ، أخذه الجنود الذين لم يغرقوا في البحر ورجعوا به إلى مصر ، ليتم تحنيطه ، جرياً على عادة المصريين القدماء إزاء ملوكهم وكبرائهم. وبالتالي ، أصبح جسده آية لمن أتى خلفه (بعده) من البشر ، حتى يومنا هذا.

ولا يوجد اتفاق بين المؤرخين على من هو الفرعون الذي تشير إليه الآية ، وذلك لأن الكتابات المصرية القديمة لا تذكر ذلك الحدث تحديداً. كما أن كلاً من القرآن الكريم والعهد القديم من الكتاب المقدس لم يذكر اسمه. ولذلك ، نجد آراء عديدة عمن كان ذلك الفرعون وعن زمان خروج بني إسرائيل من مصر. ولكن دائرة المعارف البريطانية ترجح الرأي الذي يتلخص في أن الفرعون الذي رفض خروج بني إسرائيل مع موسى ، عليه السلام ، كان رمسيس الثاني (1279-1212 قبل الميلاد). أما الفرعون الذي تم خروجهم في عهده فهو ابنه مرنبتاح ، (1212-1202 قبل الميلاد). ويحظى هذا الرأي بتأييد جوشوا مارك ، الذي ينفي أن يكون رمسيس الثاني هو الفرعون الغارق.

ومن مؤيدي هذا الرأي أيضاً موريس بوكاي ، الذي قال بأن رمسيس الثاني هو الذي كان يعذب بني إسرائيل ، ولكنه مات أثناء لجوء موسى ، عليه السلام ، إلى مديَن. وهذا يعنى أن ابنه مرنبتاح هو الذي لحق بهم وغرق في خليج السويس ، أثناء تعقبه لهم فيه. وقد عثر على مومياء جثته المحنطة في وادي الملوك بطيبة عام 1898 ، مع المومياوات الأخرى لفراعنة مصر. وفي عام 1975 ، اشترك بوكاي مع مجموعة من الأطباء في فحص جثة مرنبتاح المحنطة ، فوجدوا أنه مات غرقاً. وقد كان هذا الاكتشاف وغيره من الحقائق العلمية الدقيقة في القرآن الكريم سبباً في إسلامه ، كما عبر عن ذلك في كتبه ومقالاته ومقابلاته. [49]

33-35. الآيات الكريمة 17: 49 -51 تخبرنا عن نبوءات قد حدثت وأخرى لم تحدث بعد ، عن قدرة الله ، عز وجل ، على بعث الناس للحساب في اليوم الآخر:                

وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (الإسراء ، 17: 49).

قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (الإسراء ، 17: 50).

 أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ (الإسراء ، 17: 51).

في تفسيرهم لهذه الآيات الكريمة ، ذكر الطبري والقرطبي وابن كثير ، جزاهم الله خيراً ، أن المشركين من قريش قد تحدوا الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، متسائلين بصيغة استنكارية عن كيفية قدرة الله ، عز وجل ، على بعث الناس من قبورهم للحساب في اليوم الآخر ، بعدما يتحولون إلى عظام وتراب وغبار. فأوحى الله لرسوله بأن يرد على تساؤلهم بأنه قادر على بعثهم ، ليس فقط بعدما يصبحون عظاماً ورفاتاً ، وإنما أيضاً حتى لو أصبحوا حجارة أو حديدا أو أكبر من ذلك.

ولم يذكر المفسرون الثلاثة كيف يمكن أن يصبح الإنسان حجراً أو حديداً أو أكبر من ذلك ، لأن العلم بتلك الحالات من التغير لم يكن متاحاً في القرون التي عاشوا فيها. أما بالنسبة لزماننا هذا ، فهذه الآيات الكريمة تشير إلى حقائق علمية ونبوءات قد حدثت وأخرى مستمرة في الحدوث.

فالآية الأولى (17: 49) تقرر حقيقة عرفت منذ زمن بعيد ، ألا وهي تحول الموتى إلى عظام ورفات ، أو تراب. أما الآية الثانية (17: 50) فهي نبوءة لم تتحقق إلا في القرن الثالث عشر للهجرة (التاسع عشر للميلاد) ، بعد تأسيس العلوم الحديثة ، خاصة علمي الأحياء وتاريخ الإنسان (الأنثروبولوجيا) ، بما في ذلك فرع التنقيب عن الآثار التابع له. فقد تمكن علماء الآثار من اكتشاف الحفريات النباتية والحيوانية المختلفة ، وصنفوها بناء على أنواعها وعلى الأزمنة التي عاشت فيها. ومن ضمن ذلك ، تم اكتشاف حفريات إنسانية عديدة في صخور مختلفة ، معظمها حجرية وبعضها حديدية. وأدى ذلك إلى تمكن العلماء من وضع تسلسل زمني لتلك الحفريات ، باستخدام وسائل تقدير الحفريات التي تعود للأزمنة الغابرة ، مثل وسيلة إشعاع الكربون-14 لقياس عمر الحفريات خلال السبعين ألف سنة الماضية ، ووسيلة البوتاسيوم-أرغون لأقدم من ذلك. وهكذا ، فإن هذه الآية الكريمة كانت بمثابة نبوءة بأن الإنسان سيكتشف يوماً ما أن الموتى يمكن أن يصبحوا حجارة أو حديداً. عندها ، سيعلم أن ذلك هو كلام الله ، سبحانه وتعالى ، عالم الغيب والشهادة ، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهكذا ، فالآية الكريمة ترد على كفار قريش بأن الله سيبعثهم للحساب بعد موتهم ، سواء كانوا عظاما أو رفاتاً أو حتي إن تحولوا إلى حفريات حجرية أو حديدية.

وتضيف الآية الكريمة 17: 51 احتمالاً خامساً لتحول جسم الإنسان (بالإضافة إلى العظام والرفات والحجارة والحديد) ، وبأن ذلك أيضاً لن يحول دون بعثهم للحساب في اليوم الآخر ، مهما كانت المادة التي يمكن لأجسامهم أن تتحول إليها. ولم يكن تصور حدوث هذا الاحتمال ممكناً في القرون السابقة للقرن العشرين. فمنذ عقود قليلة فقط ، بدأ استخدام مواد مختلفة في جسم الإنسان ، بعضها معدنية أقوى من الحديد ، لمساندة العمود الفقري والعظام والمفاصل والأسنان ، وبعضها الآخر شبيه بالخلايا الإنسانية لاستبدال خلايا الفتق مثلاً. أضف إلى ذلك عمليات زرع الأعضاء ، وعمليات التجميل التي تؤدي إلى تغيير الملامح الخارجية للإنسان. فهذه الآية الكريمة تشير إلى هذه الاحتمالات الحالية والمستقبلية ، التي يمكن أن تؤدي إلى تغيرات في جسم الإنسان داخلياً وخارجياً ، وتقول للناس أن الله ، سبحانه وتعالى ، سيبعثهم بعد موتهم للحساب ، مهما أدخلوا على أنفسهم من تغييرات. [50]

36. الآية الكريمة 30: 22 تلفت انتباه أهل العلم إلى دراسة ومحاولة فهم اختلاف ألوان الناس ولغاتهم ،  وذلك بالتفكر في تأثير علاقة السماوات والأرض في ذلك الاختلاف:       

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (الروم ، 30: 22).

تخاطب هذه الآية الكريمة العلماء ، في شتى العلوم الاجتماعية والطبيعية ، وتدعوهم إلى الإيمان بالله. فهي تدعو علماء الطبيعيات ، خاصة المتخصصين منهم في دراسة بداية الكون ، للنظر إلى آيات القرآن الكريم ، التي تخبر الإنسان عن كيفية حدوث ذلك ، كما مر في الفصل الثالث. وبمقارنة معرفتهم عن بداية الكون مع ما أنزله الله في كتابه العزيز عن ذلك ، يتبين لهم أن ذلك الكتاب لا يمكن أن يكون صادراً عن أحد من البشر ، وإنما هو كلام الله ، الذي "لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (41: 42) ، وهو بذلك رسالة الله للبشرية.

فالآية الكريمة تخبرنا بأن اختلاف ألوان البشر وألسنتهم (لغاتهم) له علاقة بخلق السماوات والأرض ، وهذا بالضبط ما نعرفه اليوم. فالشكل البيضاوي (الشبه - كروي) للأرض يجعل أشعة الشمس تصل أطرافها بمسافات مختلفة ، أقصرها ما بين الشمس وخط الاستواء ، وأبعدها ما بينها وبين القطبين. ولذلك ، فإن المنطقة الاستوائية هي أكثر المناطق الجغرافية حرارة ، بينما تشكل المنطقتين القطبيتين أكثر المناطق الجغرافية برودة على الأرض.

ويشير السجل العالمي للمكتشفات الأثرية إلى أن أقدم الحفريات الإنسانية عثر عليها في أفريقيا ، ثم في آسيا ، وبعد ذلك في أوروبا ، وأخيراً في قارتي العالم الجديد وجزره. وهذا التسلسل الزمني لأعمار الحفريات إنما يعكس الهجرة الإنسانية داخل أفريقيا أولاً ، إلى شمال وجنوب خط الاستواء ، ثم من أفريقيا بعد ذلك ، إلى آسيا ، فأوروبا ، وأخيراً إلى الأميركيتين وباقي أنحاء الأرض.

وبما أن المنطقة الاستوائية هي الأقرب للشمس والأجرام السماوية الأخرى ، فإنها أكثر عرضة لوصول الأشعة فوق البنفسجية المركزة ، والضارة للكائنات الحية. وقد تكيف جسم الإنسان ، الذي يعيش في هذه المنطقة ، مع هذه الظاهرة بإحداث صبغة داكنة على الجلد ، تمنع تلك الأشعة من اختراق الجلد إلى جسم الإنسان. وهكذا ، فإن درجة تلون الجلد تزيد أو تنقص بالاقتراب أو الابتعاد عن خط الاستواء ، وفي ذلك تفسيرٌ لاختلاف ألوان البشر ، من منطقة جغرافية إلى أخرى.

وهناك فائدة هامة أخرى لتكيف جسم الإنسان مع هذه الظاهرة الكونية. ففي المنطقة الاستوائية ، يتم الحصول على الكميات الضرورية من فيتامين دال بسهولة لتوفر أشعة الشمس القوية طيلة العام. لكن قوة تلك الأشعة تقل كلما ابتعدنا عن خط الاستواء ، وبالتالي تقل قدرة الإنسان على تكوين فيتامين دال منها. فتكيف جسم الإنسان في المناطق البعيدة عن خط الاستواء بالتخلص من تلون الجلد ما أمكن ، حتى يستطيع الجسم أن يمتص أكبر كمية ممكنة من أشعة الشمس ، مكوناً ما يحتاجه من هذا الفيتامين الضروري لنمو العظام.  

ونتيجة للهجرات الإنسانية المتعاقبة ، للاستقرار بعيداً عن المنطقة الاستوائية ، شمالاً وجنوباً ، أخذت درجة تلون الجلد تقل بنسبة البعد عن خط الاستواء ، حتى وصلت إلى أقل درجاتها شمالاً ، كما هو الحال في شبه الجزيرة الإسكندنافية وفنلندا وشمال روسيا ، التي تحد القارة القطبية الشمالية. ولو أن اليابسة الأفريقية ممتدة لتصل إلى القارة القطبية الجنوبية ، لكان سكان جنوب أفريقيا شقراً وبعيون زرقاء كسكان إسكندنافيا. ولا ينطبق ذلك على الإنسان فقط ، وإنما على أقرب الحيوانات إليه أيضاً. فقرود الشمبانزي من فصيلة ماكَك ، الموجودة في شمال اليابان ، شقر الوجوه والشعر وكذلك زرق العيون. أما قرود المنطقة الاستوائية الأفريقية ، سواء من الشمبانزي أو الغوريلا ، فهي داكنة الجلد والشعر والعيون. [51]   

***

واختلاف لغات البشر أيضاً مرده للتكيف مع البيئات المختلفة على الأرض. فقد أدت الهجرات الإنسانية المتعاقبة ، بحثاً عن مصادر غذائية وحيوية جديدة ، إلى الاستيطان في مناطق جغرافية تزخر بمصادر نباتية وحيوانية وطبيعية لم تكن معروفة من قبل. وأدى ذلك إلى قيام القادمين الجدد لهذه المناطق باستحداث كلمات جديدة لوصف تلك المصادر.

وكلما استوطنت مجموعة سكانية في منطقة ما ، فإنها تأخذ في توسيع حجم مفردات لغتها ، لتشمل ما تعبر به عن تجارب أفرادها وعن تعابيرهم الثقافية المختلفة ، سواء كان ذلك في الجانب المادي للثقافة مثل الأشياء الملموسة والأدوات المستعملة ، أو في الجانب اللامادي (المعنوي) مثل الأفكار والفنون والآداب.

وتبدأ اللغة بشكل مبسط جداً ، تتمثل في رطانة لا يفهمها إلا المتحدثين بها ، لأنها لا تضم إلا عدداً صغيراً من الكلمات التي تصل إلى حوالي ألفي كلمة ، وغالباً ما تكون هجيناً من كلمات معروفة سابقة وأخرى مستحدثة. وبذلك ، فإنها تمكن المتحدثين بها من التعبير عن أنفسهم ، مستخدمين أبسط وأقل مكونات ثقافتهم. وعندما تستوطن جماعة سكانية منطقة جغرافية محددة المعالم ، فإنها عادة تنعزل عن الجماعات الأخرى ، ويساعدها في ذلك وجود أية عوائق طبيعية كالصحاري والجبال والمياه والغابات. وبمرور الزمن ، فإن رطين أهل تلك الجماعة يتحول إلى لغة كاملة تدريجياً ، وذلك بازدياد عدد السكان وبتوسع ثقافتهم المادية والمعنوية.

وعندما يزداد عدد السكان في منطقة جغرافية ، بينما تبقى مصادر الغذاء على حالها أو تقل ، تصبح الهجرة حلاً لازماً ، سواء كان ذلك قسرياً أم اختيارياً. وبعد حدوث ذلك ، فإن المهاجرين يستمرون باستعمال لغتهم الأصلية ، ولكنهم يدخلون عليها تعديلات مختلفة مع مرور الزمن ، سواء في كيفية نطق الكلمات ، أو في استحداث مفردات جديدة. وهكذا ، تظهر اللَّهجات المختلفة للغة الواحدة ، مثل اللهجات السورية والعراقية والمصرية والمغاربية للغة العربية ، واللهجات الأميركية والأسترالية للغة الإنكليزية. وليس ذلك نهاية المطاف بالنسبة للَّهجات ، حيث من المحتمل أن تتطور لهجة ما إلى لغة جديدة نتيجة للعزلة التامة عن اللغة الأم. مثلما حدث للهجة الأنكلو- سكسون ، الذين هاجروا من ألمانيا للجزر البريطانية منذ حوالي 1500 سنه وانقطعت صلاتهم باللغة الألمانية الأم ، فأصبحت لهجتهم بمرور الزمن لغة جديدة ، هي اللغة الإنكليزية ، التي تختلف عن أصلها الألماني. ومثال ذلك أيضاً ، ظهور اللغة الأمازيغية ، بعد استيطان الحميَريين والكنعانيين لبلاد المغرب ، وانعزالهم عن أصولهم المشرقية العربية. [52]      

وعندما تلتقي جماعات من المتحدثين بلغات مختلفة في مكان واحد ، كمدينة أو ميناء ، وتحتم الظروف على أفرادها أن يتواصلوا لغويا مع بعضهم البعض ، فإنهم يلجئون إلى استحداث لغة خاصة جديدة ، هي خليط من اللغات التي يتحدثون بها. ومثال ذلك ، اللغات المستحدثة من خلط اللغات الفرنسية والإنكليزية والإسبانية في البحر الكاريبي ، واللغات التي تخلط العربية باللغات الأفريقية ، مثل النوبية والجوبية ، أو التي تخلط العربية باللغات الأوروبية ، مثل اللغة المالطية. وفيما بعد ، يتطور هذا الخليط اللغوي إلى لغة قومية كاملة ، يتم تعليمها للطلاب في المدارس ، وتستعملها الحكومات ووسائل الإعلام فيما يصدر عنها من وثائق وأخبار مكتوبة ومسموعة ومرئية.

وقد أدى الغزو الاستعماري الأوروبي لباقي قارات العالم إلى فرض اللغات الأوروبية على شعوب المستعمرات ، فطغت اللغات الأوروبية على اللغات المحلية وحلت محلها نهائياً ، كما حدث في الأميركيتين وأستراليا ، حيث حلت اللغات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية نهائيا محل اللغات المحلية. أما في أفريقيا وآسيا ، فقد بقيت اللغات الأوروبية كلغات رسمية لكثير من الدول حتى بعد استقلالها عن المستعمرين الأوروبيين. ومثال ذلك في آسيا ، أن اللغة الإنكليزية بقيت كلغة رسمية في الهند وباكستان وسنغافورة وماليزيا. ومثال ذلك في أفريقيا ، أن الإنكليزية بقيت كذلك في نيجيريا وجنوب أفريقيا ، والفرنسية في تشاد والنيجر ، والبرتغالية في موزمبيق ،. ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى أن الأوروبيين قد أوجدوا نخباً متعلمة من أهالي المستعمرات تتواصل باللغات الأوروبية في إدارة الدولة وفي الإعلام والتعليم. وبعد الاستقلال ، استمرت تلك النخب في استخدام اللغات الأوربية. وساعد في ذلك أحياناً وجود عدة لغات قومية في البلد الواحد ، كما هو الحال في الهند ونيجيريا. فكان استخدام اللغات الأوروبية بمثابة لغة مشتركة بين المتحدثين بلغات محلية مختلفة. وباستمرار تعليم اللغات الأوروبية في المدارس واستعمالها في الإعلام وفي أجهزة الدولة المختلفة ، استقرت وتجذرت في تلك الدول. [53]

والخلاصة أن الآية الكريمة 30: 22 تشير إلى أن اختلاف الناس في ألوانهم ولغاتهم له علاقة باختلاف البيئات الطبيعية التي يعيشون فيها لزمن طويل ، في أجيال متعاقبة. كما أنها تشير إلى أن الاختلاف في تلك البيئات مرده إلى الشكل البيضاوي للأرض ، وإلى علاقة الأرض بالشمس والأجرام السماوية الأخرى.

37-39. الآيات الكريمة التالية تشير أيضاً إلى بعض الحقائق العلمية عن الأرض والقمر والشمس ، وعن العلاقة بينها ، وعن كيفية تأثير تلك العلاقة على الإنسان:

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى (الزمر ، 39: 5).

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (الإسراء ، 17: 12).

لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (يس ، 36: 40).

فالآية 39: 5 تخبرنا عن تتابع الليل والنهار وعن علاقة الأرض بالشمس والقمر ، التي تحكمها دورات زمنية محددة. فتتابَع الليل والنهار يحدث نتيجة لدوران الأرض حول نفسها وأمام شمسها ، ويؤدي ذلك إلى تنظيم أنشطة الكائنات الحية ما بين عمل وراحة ، اعتماداً على ذلك التتابع المنتظم. كما أن دوران الأرض حول الشمس ، فينتج عنه تنوع الفصول السنوية من صيف وخريف وشتاء وربيع ، مما يؤدي إلى التنوع المعروف في أنشطة الكائنات الحية ، بما في ذلك الإنسان ، على الأرض.

أما وصف خلق السماوات والأرض "بالحق" ، فإنه إشارة إلى البعد المثالي للأرض عن الشمس. فلو كانت بعيدة جداً عن الشمس ، لكانت في ليل بدون نهار ، ولكانت في غاية البرودة أيضاً ، مما يجعلها غير ملائمة لحياة الكثير من الكائنات ، وخاصة الإنسان. ولو كانت صغيرة الحجم وقريبة من الشمس ، كعطارد والزُّهرة ، لما كانت صالحة للحياة ، نظراً لحرارتها الشديدة. لكن الله ، سبحانه وتعالى ، جعلها في موقع مثالي من الشمس ، حتى تكون معتدلة الحرارة ومتوازنة التتابع والتداول ما بين الليل والنهار وما بين الفصول أيضاً.

وكما أن للشمس تأثير على حياة الكائنات على الأرض ، فإن للقمر فوائد عدة أيضاً. فهو ضياء في الليل ، وهو مسببٌ لمد البحار وجزرها ، وملاحظة ظهوره وأفوله حسابٌ للأيام والشهور والسنين. ولكون الشمس والقمر يجريان لأجل مسمى ، أي لدورات زمنية محددة لكل منهما ، فإن ذلك ساعد الإنسان في اكتشاف التقويم الزمني لتنظيم حياته وأنشطته المختلفة خلال السنة ، كما أن ذلك أدى لعلم الحساب ، كما تخبرنا الآية الكريمة 17: 12.

أما الآية 36: 38 ، فإنها تشير إلى حقيقة أن الأرض والقمر والشمس لها أفلاك محددة تدور فيها. فمنذ آلاف السنين ، لاحظ الأنسان التغيرات الشهرية التي تحدث على الأرض نتيجة لدوران القمر حول الأرض وعلاقته معها. كما لاحظ التغيرات الفصلية ، نتيجة لدوران الأرض حول الشمس. لكنه لم يكن بمقدوره معرفة دوران الشمس حول مركز مجرتنا ، درب التبانة ، إلا حديثاً جداً. فقد أصبح من المعروف علمياً الآن ، ومنذ عقود قليلة فقط ، أن الشمس تدور حول مركز المجرة مرة كل حوالي 225 مليون سنة ، وهذا يعني أنها قد أكملت حوالي 22 دورة خلال الخمسة بلايين سنة السابقة من عمرها. وقد أشارت هذه الآية الكريمة لتلك الحقيقة العلمية قبل أربعة عشر قرناً من اكتشاف الإنسان لها ، فسبحان الله ، علَّام الغيوب ، الذي لا يخفى عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء. [54]

40. الآية الكريمة 79: 30 تشير إلى حقيقة أن الأرض تشبه البيضة في شكلها ، أي أنها ليست مربعة أو مستطيلة ، كما اعتقد كثير من الناس في الأزمنة الماضية ، كما أنها ليست دائرية تماماً:

وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (النازعات ، 79: 30).

وقد فسر الطبري كلمة "دحاها" بمعنى بسَطَها للرزق ، وأضاف الآية التالية لها: "أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا" (النازعات ، 79: 31) ، كشرح لها. وتبعه القرطبي في ذلك الشرح والمعنى. وشرحها ابن كثير بالمثل ، لكنه لم يتطرق إلى المعنى اللغوي للكلمة.

وهناك معنى آخر أكثر دقة وصلة لكلمة "دحاها" في هذه الآية الكريمة ، وهو أنه ، سبحانه وتعالى ، جعلها على شكل البيضة ، أي أقرب ما تكون إلى شكل الدائرة. ولم يسمع مؤلف هذا الكتاب تلك الكلمة في بلاد المشرق العربي ، ولكنه سمع الاسم المشتق منها أثناء وجوده في ليبيا (1972-1976). فالليبيون يقولون عن بيضة الدجاج والطيور بأنها "دحية" ، وكذلك يقال لها في باقي بلاد المغرب العربي.

وهذا المعنى يؤيده ما جاء في معجم المعاني الجامع ، عن تعريف ومعنى كلمة "دحية." فقد عرَّفها المعجم الجامع بأنها البيضة ، وحتى أنه شرحها بإيراد الآية الكريمة 79: 30 ، التي تصف الأرض بأنها تشبه البيضة في شكلها: "دحَى اللهُ الأرضَ ، دَحَاها ، بسَطَها ومدَّها ووسَّعَها ، على هيئة بيضة للسُّكنى والإعمار." [55]

وتشبيه شكل الأرض بالبيضة (الدحية) هو أدق ما يمكن استخدامه لوصفها ، وذلك ليس فقط لتصحيح اعتقاد الناس في الأزمنة السابقة ، وإنما أيضاً لأنها ليست دائرية الشكل تماماً. فقد أثبتت القياسات الدقيقة أنها كذلك. وهكذا ، كان تشبيه شكلها بالبيضة هو أكثر دقة من تشبيهها بالدائرة الكاملة.

وقد أدى الشكل البيضاوي للأرض أن يصلها ضوء الشمس بمسافات مختلفة ، أقصرها على خط الاستواء وأطولها على القطبين. وهكذا ، أصبحت المنطقة الاستوائية هي الأعلى حرارة لأنها أقرب مناطق الأرض إلى الشمس ، بينما أصبح القطبان الشمالي والجنوبي هما أبرد منطقتين على الأرض ، لأنهما الأبعد عن الشمس. وتمتعت المناطق الجغرافية الواقعة فيما بين القطبين وخط الاستواء شمالاً وجنوباً بتدرج في الطقس حتى الاعتدال.

وقد أدى التنوع المناخي الناتج عن ذلك إلى تكون الأقاليم النباتية ، مثل الأقاليم الاستوائية ذات الغابات المطيرة ، والأقاليم الجافة شمالاً وجنوباً بعد ذلك لقلة الأمطار فيها ، ثم الأقاليم الرطبة لكونها أكثر مطراً ، وأخيرا الأقاليم القطبية التي تنعدم الحياة النباتية فيها نظراً لأنها مغطاة بالثلج والجليد طيلة العام. [56]

41. الآية الكريمة 13: 41 تفسر لنا السبب في أن الأرض بيضاوية الشكل ، وليست دائرية تماماً ، فتقول:

 أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ (الرعد ، 13: 41).

والمعنى أن أطراف الأرض الخارجية تتناقص بفعل عوامل الطقس المختلفة ، من رياح وأمطار وسيول وعواصف وأعاصير ، الأمر الذي يؤدى لنقصان شكلها عن أن يكون دائرة كاملة.

42. الآية الكريمة 79: 31 تشرح لنا نتيجة كون الأرض بيضاوية الشكل فتقول:

أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (النازعات ، 79: 31).

أي أن الشكل البيضاوي للأرض أدى إلى تنوع أقاليمها المناخية ، وما نتج عن ذلك من تنوع في الحياة النباتية وكميات الأمطار. وقد شجع ذلك التنوع أن تهاجر الجماعات الإنسانية إلى الأقاليم الغنية بالمياه والحياة النباتية بحثاً عن المراعي والأراضي الخصبة ، وبالتالي إلى تعمير الأرض بسكنى أقاليمها المختلفة. كما أدى ذلك أيضاً إلى التنوع في ألوان الناس وفي ثقافاتهم ، بما في ذلك لغاتهم ، كما تقدم ذكره.

43. الآية الكريمة 24: 45 تذكرنا بأن الخلق الأول كان في الماء ، وأن الخلق الثاني في الرحم هو أيضاً من ماء الذكر والأنثى ، ثم تخبرنا عن كيفية تحرك الدواب على الأرض بالزحف على البطن أو بالمشي على رجلين أو بالمشي على أربع ، فتقول:

وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (النور ، 24: 45).

وهذا التنوع في حركة الدواب على الأرض إنما جاء بما يتناسب مع قدرات كل منها على التكيف مع بيئاتها وأرزاقها. ونحن نعلم الآن أن الطيور تمشي على رجلين وأن جميع الحيوانات تمشي على أربعة أرجل ، فيما عدا الكنغر ، الذي يمشي على رجلين. أما بالنسبة لسكان أفريقيا وآسيا وأوروبا ، أي العالم القديم ، فإنهم لم يكونوا على دراية بوجود مثل ذلك الحيوان الذي يمشي على رجلين ، في أستراليا ، التي لم تكتشف إلا بعد أكثر من تسعمائة سنة من التنزيل. لكن الله أخبرنا بذلك ، كدليل على أن القرآن من عنده ، فسبحان عالم الغيب والشهادة ، أحسن الخالقين.

الْخُلاصَةُ

بدأ الله ، سبحانه وتعالى ، بخلق الحياة على الأرض ، ثم تركها لتتطور ، نتيجة للتكيف مع البيئات المختلفة على هذا الكوكب ، مع تدخله ، عز وجل ، لتحسين مخلوقاته ، من حينٍ إلى آخر ، يحدده هُوَ. وكان الخلق الأول بالنسبة للإنسان في خمسة أطوار رئيسة هي بث الحياة والتسوية والاعتدال وتحسين الصورة ونفخ الروح. ويعادل ذلك خمسة أطوار أخرى من الخلق الثاني في الرحم ، وهي النطفة والعلقة والمضغة والعظام   واللحم.

وتثبت الحقائق العلمية التي تتضمنها معاني الآيات الكريمة التي ذكرت في هذا الفصل أن القرآن الكريم هو كتاب الله ورسالته للبشرية. فلم تكن هذه الحقائق معروفة لأهل العلم ، لا في زمن التنزيل ولا لأكثر من ثلاثة عشر قرن بعد ذلك ، إلى أن بدأ تأسيس العلوم الحديثة في القرن الثالث عشر للهجرة ، الموافق للقرن التاسع عشر للميلاد.

ومما يزيد في أهمية موضوع هذا الفصل ، أي الخلق والتطور ، أنه إسهام في توضيح العلاقة بين الدين والعلم. والحقيقة أن دين الله الحق ، الإسلام ، هو العلم الحق ، لأنه قد أتى من الحق ، جل وعلا. وكما بينت الآيات الكريمة في هذا الفصل ، فإنه لا يوجد تناقض بين الدين والعلم ، ولا بين خلق الإنسان وتطوره. فكلاهما تمَّا بعلم الله وبمشيئته.

====================================================================================================================

المُلْحَقُ الأولُ

بدايةُ الحياةِ على الأرضِ

قصة الحياة على الأرض ، كما يكتبها علماء الطبيعيات ، تكاد تكون متطابقة مع ما أشارت إليه الآيات الكريمة التي تم استعراضها في هذا الفصل من الكتاب. وخلاصة ذلك أن الحياة قد بدأت في الطين الدفيء الرطب والمنتن ، حيث يختلط الماء بالعناصر الأساسية للأرض. وبعد ذلك ، أصبح الأكسجين وضوء الشمس ضروريان لاستمرار الحياة وتطورها على هذا الكوكب. ولم يعرف العلماء حتى الآن تفسيراً قاطعاً لبداية الحياة في الخلية ، كما عجزوا عن تفسير حدوث التغيرات الفجائية الهامة ، التي أشاروا إليها بالطفرات. لكن ذكر القرآن الكريم لجوهر الحقائق العلمية التي توصل إليها العلماء حديثاً هو الدليل على أن هذا الذكر من عند الله ، الذي خلق الخلية الأولى وبث الحياة فيها ، وكان تدخله من آن إلى آخر هو سبب التغيرات الفجائية الهامة ، أي الطفرات ، كما سماها علماء الأحياء.

وفي تقدير علماء الطبيعيات أن الحياة بدأت على الأرض منذ حوالي 3.8 بليون سنة. وكانت البداية عبارة عن الكائنات وحيدة الخلية ، البدائية النواة (unicellular prokaryotic cells) ، والتي كانت تتكاثر بالانقسام إلى أزواج متساوية ، في عملية تعرف بالانشطار الثنائي (binary fission). ثم ظهرت الكائنات وحيدة الخلية ، المعقدة (الحقيقية) النواة (eukaryotes).

وكان جو الأرض يحتوي على ثاني أكسيد الكربون ، وبخار الماء ، وأول أكسيد الكربون ، والهيدروجين ، والنيتروجين ، بالإضافة إلى عناصر أخرى. وكانت الحياة نتاج تفاعلات كيميائية بين عناصر الأرض والطاقة المنبعثة من الشمس والبراكين وعواصف الرياح والبرق. فأدت تلك التفاعلات إلى إنتاج الجزيئات العضوية (organic molecules) ، التي تعتبر المكونات الأساسية الضرورية للحياة.

ومنذ حوالي 630 مليون سنة ، ظهرت الكائنات المتعددة الخلايا والمعقدة (الحقيقية) النواة (eukaryotes) ، أي الحيوانات ذات الأجسام الطرية ، أول الأمر في المحيطات. وأهم ما في الأمر ، أن الحقيقة العلمية التي تقول بأن الحياة قد بدأت في الماء ، كانت نتيجة أبحاث أجراها في القرن العشرين الميلادي كل من العالِم الروسي أ. إ. أوبارين ، والإسكتلندي ج ب س هالدين ، والأميركيَيْن ستانلي مللر وهارولد يوري. *

وهناك باحثون آخرون قالوا بفرضية أن التفاعلات الكيميائية الأولى ، أي البلمرات (polymerizations) التي أدت لبداية الحياة ، يمكن أن تكون قد حدثت في الشقوق الموجودة على أرضية المحيطات العميقة ، التي تخرج منها المياه الساخنة وأول أكسيد الكربون والمعادن الأخرى ، مثل كبريتات (sulfides) الحديد والنيكل. فتلك البيئة كانت أفضل لحماية تلك التفاعلات من سطح الأرض ، الذي كان دائم التعرض لضربات النيازك ، الكارثية التدمير. وفي هذه الأيام ، تنتج العيون الساخنة سلائف (precursors) الجزيئات الحية والغذاء الغني بالطاقة ، بما في ذلك المركبات العالية التخفيض ، وكبريتيد الهيدروجين ، والميثان.

وتشير فرضية أخرى ، حول كيفية بداية الحياة على الأرض ، إلى أن التفاعلات العضوية (organic polymers) ، التي تشكل أحجار البناء الكيميائية الأساسية ، يمكن أن تكون قد تكونت على أسطح الصخور والطين ، وليس على قيعان المحيطات والبحار البدائية. فالطين ، الذي يتألف من جزيئات الصخور المفككة ، هو احتمال واعد لكونه الموقع المناسب للتفاعلات الكيميائيات الأولى (polymerizations) لأنه يضم الأحاديات العضوية (organic monomers) وأيونات الزنك والحديد ، التي يمكن أن تكون قد سهلت تلك التفاعلات. وقد أكدت التجارب المخبرية أن التفاعلات العضوية تتكون من الأحاديات بطريقة عفوية ، على أسطح الصخور والطين (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 385-387). **

وقد أدى تراكم الجزيئات العضوية إلى تكون دهنيات (protobiont) ما قبل الخلية. لكن تطور ما قبل الخلية إلى خلية حية يبقى لغزاً لم يحله العلماء ، وربما يؤدي فهم تكاثر الجزيئات إلى تزويدهم ببعض المعلومات اللازمة لحل ذلك اللغز. وقد وجد علماء الأحياء أن المعلومات الوراثية للخلايا الحية مخزنة في الأحماض النووية (DNA) ، والتي يمكن فهمها على أنها حاملة لرسالة RNA ، أي مسلسل الأحماض الأمينية في البروتينات. وهناك حقيقة لها أهمية خاصة ، وهي أن DNA وRNA يمكنهما التكون عفوياً على الطين ، وأنهما قادرتان على تكرار نفسيهما. ويفترض علماء الأحياء أن RNA وجدت على الأرض قبل DNA. لذلك ، فإن الشفرة الوراثية القادرة على تكرار نفسها ، والتي تتكون على الطين ، كانت صلة الوصل بين الجزيئات العضوية والخلية الحية (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 388-389).

وبعد ذلك ، أصبحت المعلومات الوراثية المخزنة في جزيئات الحمض النووي (DNA)  قادرة على تكرار نفسها وعلى الانتقال للخلايا الجديدة ، خلال عملية انقسام الخلايا (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 2 ، 66). ويعتبر الانشطار الثنائي للتكاثر في الكائنات وحيدة الخلية ، البدائية النواة (unicellular prokaryotic cells) مثال على انقسام الخلايا (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 466).

وعلى الرغم من أن العلماء يتفقون على أن أقدم الخلايا المحفرة تعود تاريخياً إلى أكثر من بليوني سنة مضت ، إلا أنه قد تم اكتشاف حفريات دقيقة في غرينلاند تفيد بأنه كان هناك خلايا لكائنات وحيدة الخلية ، بدائية النواة ، قبل حوالي 3.8 سنة. وكانت هذا الخلايا تحصل على ما تحتاجه من الطاقة من الجزيئات العضوية المتاحة. وتطورت تلك الكائنات بحدوث طفرة لها ، مكنتها من الحصول على الطاقة من ضوء الشمس ، وطفرة أخرى بعد وقت أطول ، مكنتها من الحصول على الهيدروجين ، بانقسام الماء ، مثلما حدث مع البكتيريا الزرقاء (cyanobacteria). وكانت تلك هي الكائنات الحية الضوئية (photosynthetic) ، التي كانت موجودة على الأرض من حوالي 3.1 إلى حوالي 3.5 بليون سنة مضت.

ومنذ حوالي بليوني سنة ، كانت البكتريا الزرقاء قد تمكنت من إنتاج كمية كافية من الأكسجين ، الأمر الذي أدى إلى تغيير الغلاف الجوي للأرض بطريقتين. فأولاً ، ظهرت كائنات هوائية (aerobes) حية جديدة ، تمكنت من التكيف مع توفر الأكسجين ، فاستخدمته في إنتاج الطاقة بطريقة فعالة. فقد كانت تلك الكائنات الحية تنتج الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بشكل منتظم ، مما أدى إلى السماح للأكسجين بالاستمرار كعنصر ثابت الوجود نتيجة لاستمرار إنتاجه. وهذا بدوره أدى إلى إنتاج الطاقة بفعالية في المحيط الحيوي للأرض  (biosphere). وثانياً ، أدى تكون طبقات متراكمة من الأكسجين في الجزء الأعلى من الغلاف الجوي للأرض إلى تكون طبقة الأوزون (ozone) ، التي تحمي سكان الأرض من إشعاعات الشمس الفوق بنفسجية الضارة (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 389-391).

 * ملاحظة استطراديه للملحق الأول:

أسماء العلماء الأربعة الذين كانوا أول من اكتشف أن الحياة قد بدأت في الماء ، هي كما يلي:

The Russian A. I. Oparin, the Scottish J. B. S. Haldane, and the Americans Stanley Miller and Harold Urey.

** المعلومات الواردة في الملحق الأول مأخوذة من الكتاب التالي ، الذي يستعمل في تدريس مادة الأحياء في العديد من الكليات والجامعات الأميركية ، لأنه يمثل مسحاً شاملاً للأبحاث العلمية في هذا المجال:

Solomon, Eldra P., Linda R. Berg, and Diana W. Martin. 2006. "Biology." 7th Edition. Belmont, CA: Books/Cole-Thomson.

==================================================================================================================

المُلْحَقُ الثَّانِي

مَرَاحِلُ تَطَوُّرِ الإنْسَانِ ، بِنَاءً عَلَى الأحَافِيرِ المُكْتَشَفَةِ

لا يوجد اتفاق بين علماء تاريخ الإنسان (الأنثروبولوجيا) المتخصصين في حفريات الإنسان القديم على نظرية واحدة بشأن تطوره ، وانسلاخه عن أقرب الحيوانات إليه ، الشمبانزي ، الذي يشترك معه في 99% من صفاته الوراثية ، الموجودة في أحماضه النووية (DNA). لكن الفرضيات البحثية المتنافسة تتفق على أغلب الحقائق ، التي تم الوصول إليها بناء على سجل الآثار المكتشف ، وخاصة الحفريات. وفيما يلي أهم معالم مكونات هذه الفرضيات البحثية ، التي تقسم الحفريات الإنسانية المكتشفة إلى ثمانية مراحل زمنية من التطور:

أولاً ، إنسان الساحل التشادي (Sahelanthropus Tchadensis) ، الذي تم اكتشافه في عام 2002 ، ويشير إلى إنسان قديم كان يعيش في أفريقيا ، منذ حوالي 7 إلى 6 مليون سنة مضت. وكان يختلف عن الشمبانزي في صفات رئيسة ، فكان وجهه أكثر تسطحاً (أي أقل تمدداً للأمام) ، واختلف عنه في الأسنان ، وكان حجم دماغه أكبر. لكن ، لم يكن هناك أي دليل على أنه كان يمشي معتدلاً ، أي منتصب القامة ، وهي الصفة الرئيسة لاختلاف الإنسان القديم عن الشمبانزي ، التي ذكرت في الآية الكريمة 82: 7.

ثانياً ، الإنسان الأسترالي القديم (Australopithecus) ، كان يعيش في أفريقيا ، أما الاسم فهو نسبة إلى الباحث الأسترالي الذي اكتشفه ، ويشمل سبعة أجناس رئيسة ، هي:

1. الأرضي (Ardipithecus Ramidus) ، الذي كان موجوداً في منطقة عفار الصومالية (التي احتلتها إثيوبيا) ، في الفترة من حوالي 5.8 إلى 4.4 مليون سنة مضت.

2. الأنام (Anamesnsis) ، الذي كان موجوداً بالقرب من بحيرة تُركانا ، كينيا ، من حوالي 4.2 إلى 3.9 مليون سنة مضت ، والذي كانت له ملامح إنسانية وأخرى شبيهة بالقرود. وكانت أسنانه الخلفية وفكاه أكبر من تلك الخاصة بالشمبانزي. وكانت الأسنان الأمامية أصغر. كما أنه كان يمشي منتصب القامة ، على قدمين ، فكانت تلك الصفة أول انسلاخ ملحوظ له عن الشمبانزي.

3. العفاري (Afaresnsis) ، الذي كان موجوداً في منطقة عفار الصومالية ، في الفترة من حوالي 4 إلى 3 مليون سنة مضت. ويعتبر السلف لكل من الجنسين الرابع والسادس (الأفريقي وعظيم الوجه). وكان حجم دماغه صغيراً نسبياً ، وكانت عظمتا حاجبيه بارزتين ، وفكاه عريضين ، ونابيه كبيرين. ولا يوجد دليل على أنه كان يصنع الأدوات أو يتحكم بالنار.

4. الأفريقي (Africanus) ، الذي عاش في جنوب أفريقيا من حوالي 3 إلى حوالي 2.4 مليون سنة مضت ، وكان يمشي معتدل القامة ، وكان يشبه الإنسان في شكل يديه وأسنانه. وكان يأكل النباتات والحيوانات. أما حجم دماغه فكان مماثلاً لأسلافه ، أي أصغر من حجم مخ الإنسان الحالي.

5. الإثيوبي (Aetheopicus) ، الذي عاش في إثيوبيا ، من حوالي 2.5 إلى حوالي 2.2 مليون سنة مضت ، وهو سلف الجنسين المنقرضين السادس والسابع (عظيم الوجه وعريض الخد).

 6. عظيم الوجه (Robustus) ، الذي عاش في جنوب أفريقيا ، من حوالي 2 إلى حوالي 1.4 مليون سنة مضت ، ويصنفه بعض الباحثين على أنه جنس منقرض لفرع آخر هو بارنثروبس (Paranthropus). وكان عريض الوجه لقوة عضلاته ، نتيجة للمضغ المستمر للطعام.

7. عريض الخد (Boisie) ، الذي عاش في شرق أفريقيا ، من حوالي 2.2 إلى حوالي 1.1 مليون سنة مضت ، وكان عريض الخد والوجه عموماً لقوة عضلات الوجه ، نتيجة للمضغ المستمر للطعام.

الصفات الرئيسة للأجناس الثلاثة الأخيرة (الإثيوبي وعظيم الوجه وعظيم الخد):

كان لهذه الأجناس الإنسانية القديمة الثلاثة أضراساً كبيرة جداً ، وفكين قويين جداً أيضاً ، ولكن حجم المخ كان صغيراً نسبياً ، مع وجود قمة قوية لجماجم الرجال. ولم ينطبق ذلك على معظم النساء ، اللاتي كان لهن فكين صغيرين ، وهما مثالان على الفروق الجسدية بين الذكور والإناث في الأجناس الإنسانية المبكرة. ويشير شكل الأسنان والفكين إلى نوعية الطعام ، الذي ربما كان يتكون من الجذور القاسية والدرنات (مثل الجزر والبطاطس حالياً) ، التي تتطلب قوة طحن كبيرة (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 412).

ثالثاً ، الإنسان الماهر(Homo Habilis) ، الذي عاش من حوالي 2.3 إلى حوالي 1.6 مليون سنة مضت ، في تنزانيا وشرق أفريقيا عموماً. وكان أول جنس إنساني له الكثير من نفس ملامح الإنسان الحديث. فبالمقارنة مع سابقيه ، كان صغير الحجم عموماً ، وأكبر في حجم المخ ، وأصغر في حجم الأضراس الأمامية والخلفية. وقد ترك وراءه مواقع أثرية عثر فيها على أدواتٍ بدائية ، وأحجارٍ لها حواف حادة للقطع والكشط ، وكذلك رقائقَ وقطَّاعات حجرية. وهناك باحثون يقولون بأنه ينتمي للإنسان الأسترالي القديم أكثر من انتمائه لأجناس الإنسان اللاحقة.

رابعاً ، الإنسان العامل (Homo Ergaster) ، الذي عاش من حوالي 2 إلى حوالي 1.4 مليون سنة مضت ، في شرق وجنوب أفريقيا. وهو السلف الأفريقي لكل من الإنسان المعتدل القامة وإنسان هايدلبرغ. وبهذا يكون هو سلف الإنسان المعاصر.

خامساً ، الإنسان المعتدل القامة (Homo Erectus) ، الذي عاش من حوالي 1.7 مليون سنة إلى حوالي 200 ألف سنة مضت ، في أفريقيا وآسيا وأوراسيا (أرمينيا وجورجيا). ويعتقد بعض الباحثين أنه فرع شرق آسيا المنفصل عن الإنسان العامل. ويبدو للكثير من الباحثين أنه تطور عن الإنسان الماهر ، لكنه كان أطول منه. وكان حجم دماغه أكبر ، واستمر في الكبر.

ومع ذلك ، فإنه احتفظ ببعض صفات القرود ، مثل الحافة العظمية البارزة التي تعلو الحاجبين ، كما أن وجهه كان ممدوداً للأمام. وكان الإنسان المعتدل القامة هو أول جنس إنساني بفروق قليلة بين الذكور والإناث. وكان يصنعُ أدواتٍ حجريةٍ متقدمة ، معروفة لدى الباحثين باسم الأدوات الأخيلية (Acheulean) ، مثل الفؤوس والقطَّاعات والمثاقيب والقشاطات. وقد عاش في المناطق الشمالية من الكرة الأرضية ، وكان يصطاد الحيوانات ، ويرتدي الملابس ، ويوقد النار ، ويعيش في الكهوف والملاجئ ، ويستعمل الحراب كأسلحة له. ويعتقد بعض الباحثين بأنه انقرض في شرق آسيا ، عندما وصل جنس إنساني آخر إلى هناك ، لكن هذا الرأي لا يحظى بالإجماع.

سادساً ، إنسان هايدلبرغ (Homo Heidelbergensis) ، الذي عاش من حوالي 800 ألف سنة إلى حوالي 100الف سنة مضت ، في أفريقيا وآسيا وأوروبا. وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى مدينة هايدلبرغ الألمانية التي تم اكتشاف إحدى حفرياته فيها. ويعتبر السلف لكل من النياندرتال والأنسان العاقل (المعاصر).

سابعاً ، إنسان نِيانْدَرتَال (Homo Neanderthalensis) ، الذي عاش من حوالي 230 ألف سنة إلى حوالي 30 ألف سنة مضت. وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى وادي نِيانْدَر ، قرب مدينة دوسيلْدورْف الألمانية ، حيث اكتشفت أولى حفرياته. وقد عاش هذا الجنس البشري في غرب آسيا ، ثم أخذ يتقدم إلى أوروبا كلما سمح له ذوبان ثلوجها بذلك. وكان قصيراً ، قوي البنية ، ووجهه ممدوداً للأمام قليلاً ، وكان الذقن والجبهة مائلين للوراء. وكانت عظام الفكين والحاجبين بارزة ، وكان حجم المخ والأسنان الأمامية أكبر من تلك التي للإنسان المعاصر. وكانت الجيوب الأنفية كبيرة ، نتيجة للتكيف مع العصر الجليدي في أوروبا ، وكانت عظام الخدين منحسرة.

ولا يوجد إجماع بين الباحثين على أن إنسان نياندرتال كان جنساً بشرياً منفصلاً عن الإنسان الحديث. فقد صنع واستعمل أدوات أكثر تطورا من التي كانت للإنسان المعتدل القامة ، والمعروفة لدى الباحثين باسم الأدوات الماوسترية (Mousterian) ، مثل الحراب الحادة ، التي كان يستعملها في صيد الحيوانات الكبيرة. وكان يعيش في جماعات تتميز بالتعاون الاجتماعي ، والتي كان لها شعائرها ومعتقداتها الدينية ، كما يتبين ذلك مما احتوته قبور أفرادها.

ومنذ حوالي 30 ألف سنة ، اختفى إنسان نياندرتال من سجل الآثار البشرية. ويعتقد بعض الباحثين بأن السبب في ذلك يعود إلى أنه لم يكن قادراً على التنافس مع الإنسان العاقل الحكيم (homo sapien sapiens) ، أو أن الأخير قد قضى عليه تماماً. وهذه الفرضية البحثية يؤيدها تحليل المادة المختصة بالطاقة في الحمض النووي (mitochondrial DNA) لعظام نياندرتال المكتشفة ، والذي أظهر أنه قد وصل إلى نهاية تطوره ، وأن أفراده لم يتزاوجوا مع أفراد الإنسان العاقل الحكيم.

وهناك فرضية بحثية أخرى منافسة ، مبنية على اكتشاف هيكل عظمي في البرتغال ، لطفل عمره أربع سنوات ، يعود تاريخه إلى 24.5 ألف سنة مضت. ويظهر ذلك الهيكل العظمي صفات مشتركة ما بين إنسان نياندرتال والإنسان العاقل الحكيم ، مثل قصر عظام الأطراف السفلى. والباحثون الذين أتوا بهذه الفرضية يقولون بأن ذلك دليل على أنه كان هناك تزاوج بين أفراد الجنسين البشريين. ويرد أصحاب الفرضية الأولى بأن ذلك الطفل كان يمثل تنوعاً عادياً في أفراد جنس الإنسان العاقل الحكيم ، لا أكثر.

ثامناً ، الإنسان العاقل الحديث (Homo Spiens) ، الذي ظهر في أفريقيا والشرق الأوسط منذ حوالي 100 ألف سنة. ومنذ حوالي 30 ألف سنة ، لم يبق على الأرض جنس بشري غيره. وأهم ما يميز مظهره عن سابقيه اختفاء العظمة البارزة فوق الحاجبين ووضوح الذقن.

وهناك فرضيتان بحثيتان متنافستان عن أصل الإنسان العاقل الحكيم. وهما مبنيتان على أبحاث دراسة الحفريات (fossils) ، وعلم أحياء الجزيئات (molecular biology) ، وعلم الصفات الوراثية للسكان (population genetics).

وتعرف الفرضية الأولى "بالهجرة إلى خارج أفريقيا" ، التي تقول بأن الإنسان العاقل الحكيم قد ظهر في أفريقيا منذ حوالي 200 ألف سنة إلى حوالي 100 ألف سنة مضت ، ثم انتشر مهاجراً إلى الشرق الأوسط ، فآسيا ، ثم أخيراً إلى أوروبا.

وتعرف الفرضية الثانية "بالتطور المستقل في الأقاليم الجغرافية المختلفة" ، وذلك بعد خروج الإنسان المعتدل القامة من أفريقيا مهاجرا إلى باقي بقاع الأرض. وقد ساعده الانعزال الجغرافي للتطور المستقل وصولاً إلى الإنسان العاقل الحكيم. وحدث التجانس تدريجياً بالتفاعل والتزاوج بين الجماعات الإنسانية المختلفة ، الأمر الذي حال دون حدوث عزلة تكاثرية كاملة لأي منها ، ولكن بقيت بعض الفروق الإقليمية الحالية ، نتيجة للتكيف مع بيئات العالم المختلفة (انظر الملاحظة السابعة أعلاه ، حول تطور الإنسان العاقل (homo sapiens) إلى الإنسان العاقل الحكيم (homo sapien sapiens) ، خلال الثلاثين ألف سنة الأخيرة ، وانظر أيضاً قسم " تَحْذِيرُ اللهِ لآدمَ" في الفصل السادس).

***

المعلومات الواردة في هذا الملحق مأخوذة من الكتاب التالي ، الذي يستعمل في تدريس مادة الأحياء في العديد من الكليات والجامعات الأميركية ، لأنه يمثل مسحاً شاملاً للأبحاث العلمية في هذا المجال:

Solomon, Eldra P., Linda R. Berg, and Diana W. Martin. 2006. "Biology." 7th Edition. Belmont, CA: Books/Cole-Thomson. Pages 409-416.

يمكن الاطلاع على صور وصفات وتواريخ الأجناس البشرية المختلفة على موقع معهد سميثونيان ، على الرابط التالي:

http://humanorigins.si.edu/evidence/human-fossils/species   

===========================================================================================================

المراجع الرئيسة للفصل الرابع

القرآن الكريم ، بالخط العربي ، المنشور على موقع شبكة تنزيل ، على الرابط التالي:

www.tanzil.net 

كتب تفسير القرآن الكريم للمفسرين الثلاثة الكبار ، الطبري والقرطبي وابن كثير ، والتي تم ذكرها في نهاية الفصل الثالث ، وهي منشورة على الرابط التالي:

http://quran.al-islam.com/Loader.aspx?pageid=215

Allen, JS; Damasio H; Grabowski TJ (2002). "Normal neuroanatomical variation in the human brain: an MRI-volumetric study." Am J Phys Anthropol. 118 (4): 341–58. 

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/12124914  

Allman, John. 2000. "Evolving Brains." Scientific American Library, W.H. Freeman, updated by Sarah Neena Koch (2011):

http://mybrainnotes.com/memory-language-brain.html

Brown, Graham; Fairfax, Stephanie; Sarao, Nidhi. "Human Evolution"Tree of Life. Tree of Life Project.

http://tolweb.org/treehouses/?treehouse_id=3710

MacLean, Paul. 1990. "The Triune Brain in Evolution: Role in Paleocerebral Function." Plenum, New York. A summary by Sarah Neena Koch at:

http://mybrainnotes.com/evolution-brain-maclean.html

Premack, David. 2007. "Human and animal cognition: Continuity and discontinuity." Proc Natl Acad Sci U S A. 2007 Aug 28; 104(35): 13861–13867.  

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1955772/

Sapolsky, Robert M. 2005. "Monkeyluv and Other Essays on Our lives as Animals." Scribner, New York.

Scupin, Raymond. 2008. "Cultural Anthropology: A Global Perspective." 7th Edition. New Jersey: Person, Printice Hall. Note: This is a textbook used in teaching Cultural Anthropology on the college level all over the United States. It's a comprehensive survey of research in the field.

Solomon, Eldra P., Linda R. Berg, and Diana W. Martin. 2006. "Biology." 7th Edition. Belmont, CA: Books/Cole-Thomson.

============================================================================================ 

الإسْلامُ

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ 

***

الفَصْلُ الخَامِسُ

***

الْإنْسَانُ خَلِيفَةُ اللهِ عَلَى الأرْضِ

***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

 ***

مُقَدِّمَةٌ

هذا الفصل ذو صلة وثيقة بالفصل الرابع ، "الخَلْقُ وَالتَّطَوُّرُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ" ، الذي يشكل خلفية ضرورية له ، خاصة في ذكر القرآن الكريم لخلق الله ، سبحانه وتعالى ، للحياة على الأرض ، ولتطورها ، وتدخله عز وجل فيها ، لتحسين خلقه.

وهكذا ، فإن هذا الفصل هو استمرار لموضوع الخلق والتطور ، ولكن بتركيز على الإنسان ، الذي يشكل قمة مراحل الخلق الخمس ، ابتداء ببث الحياة والتسوية والاعتدال والتصوير ، ووصولاً إلى نفخ الروح فيه. فعندما رأى الله ، سبحانه وتعالى ، أنه قد علَّم الإنسان ما يكفي له للسيادة على الأرض ، قرر أن يجعله خليفة له فيها. فلما أخبر ملائكته المقربين بذلك ، فوجئوا لعلمهم بأن بعض البشر مفسدون وسفاكون للدماء. عندها أخبرهم العليم الخبير بأنه يعلم ما لا يعلمون (2: 30) ، أي أنه يعلم بأن هناك من البشر ما هم غير ذلك ، وبالتالي فهم أهل لثقته فيهم ليكونوا خلفاء له في أرضه. وللتدليل على ذلك ، اختار آدم ، كممثل للبشرية ، وأحضره أمام الملائكة ، ليساجلهم وليثبت لهم أهليته في ثقة الله به. وتلك القصة هي موضوع الفصل السادس ، "امْتِحَانُ آدَمَ أَمَامَ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْجَنَّةِ ."

والآيات التي لها علاقة بموضوعات الفصول 3 و4 و5 ، مثل آيات القرآن الكريم الأخرى ، مختصرة جداً ، وكل كلمة فيها لها معنىً محدداً في سياق ما ، ولكنها ربما تحتمل معاني مختلفة في سياق آخر. ولذلك ، فإن التفسير الأفضل ينبغي ألاَّ يقتصر على المعاني اللغوية للكلمة فقط ، مثلما كان الحال في تفسيرات المشاهير الثلاثة ، القرطبي والطبري وابن كثير ، وإنما ينبغي أن يشتمل أيضاً على الحقائق العلمية ، خاصة تلك المتعلقة بعلمي الأحياء وتاريخ الإنسان (الأنثروبولوجيا) ، في هذه الحالة ، وهذا هو الأسلوب المتبع في هذا الكتاب ككل. [57]

مَعْنَى اسْتِخْلَافِ الإنْسَانِ فِي الأرْضِ

وقد ذُكرت مشيئة الله ، سبحانه وتعالى ، لاستخلاف الإنسان في الأرض في الآية 30 من سورة البقرة (2) ، التي تقول:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البَقَرَة ، 2: 30).

وتمثل كلمة "خليفة" ، التي وردت في هذه الآية الكريمة ، نقطة البداية في هذا الفصل. وهي اسم مشتق من الفعل خَلَفَ ، أي أعقب أو جاء من بعد. وهي تكريم للإنسان من الخالق ، عز وجل ، بجعله مسؤولاً عن الأرض وعن إعمارها ، كما جاء في الآية 11: 61. والمعنى المباشر للكلمة في هذه الآية أن الله ، سبحانه وتعالى شاء أن يستخلف الإنسان في حكم الأرض ، مطبقاً لشريعته.

اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (هود ، 11: 61).

وبعد وفاة الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، أطلق المسلمون اسم "خليفة" على أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه ، الذي "خلفه" كثاني حكام الدولة الإسلامية. ثم استمر المسلمون في استخدام نفس الكلمة في الإشارة إلى حكامهم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ، في بداية القرن الهجري الرابع عشر ، الموافق للقرن العشرين الميلادي ، عندما تمكنت الدول الاستعمارية الغربية من هزيمة الدولة العثمانية ، وهي آخر خلافة إسلامية ناجحة دامت لقرون عديدة. 

وقد ذُكر هذا المعنى لكلمة "خليفة" في تفاسير كبار علماء المسلمين لهذه الآية الكريمة ، ولكنهم أضافوا معاني أخرى ، مثلَ أن الله ، سبحانه وتعالى ، شاء أن يخلف الناسُ بعضهم بعضاً ، قرناً من بعد قرن ، في حكم الأرض ، حتى يرثها الله وما عليها.

فقد فسر السيوطي (في الجلالين) كلمة "خليفة" على أنها تعني آدم ، الذي شاء له الله أن يخلفه في تنفيذ أحكامه في الأرض. وكذلك قال الطبري ، مشيراً لما رواه الصحابيان ، ابن مسعود وابن عباس ، رضي الله عنهما ، : "إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة مِنِّي ، يَخْلُفنِي فِي الْحُكْم بَيْن خَلْقِي. وَذَلِكَ الْخَلِيفَة هُوَ آدَم وَمَنْ قَامَ مَقَامه فِي طَاعَة اللَّه ، وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ بَيْن خَلْقه." كما حذا القرطبي حذو الطبري قائلاً: "وَالْمَعْنِيُّ بِالْخَلِيفَةِ هُنَا - فِي قَوْل اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَجَمِيع أَهْل التَّأْوِيل - آدَم عَلَيْهِ السَّلَام ، وَهُوَ خَلِيفَة اللَّه فِي إِمْضَاء أَحْكَامه وَأَوَامِره ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ رَسُول إِلَى الْأَرْض ، كَمَا فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ ، قَالَ ، قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَنَبِيًّا كَانَ مُرْسَلًا ؟ قَالَ: "نَعَمْ." ولم يخرج ابن كثير عن ذلك التفسير.

الاستخلافُ تكريمٌ للبشرِ ، ولكنهُ مسؤوليةٌ أيضاً

تمثل مشيئة الله ، سبحانه وتعالى ، باستخلاف البشر في الأرض تكريماً عظيماً لهم ، كما جاء ذكره في الآيتين17: 62 و17: 70.

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (الإسرَاء ، 17: 62).

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (الإسراء ، 17: 70).

فبالرغم من أن الاستخلاف يمثل تكريماً عظيماً للإنسان ، إلا إنه جاء مقترناً مع مسؤولية عظيمة أيضاً. وقد أثبت كثير من الناس أنهم عند حسن ظن ربهم بهم ، لقرون عديدة ، وفي مراحل التاريخ المختلفة. ومع ذلك ، فإن كثيراً من البشر أيضاً قد فشلوا في تحمل تلك المسؤولية في مناسبات وأوقات عديدة ، وذلك بظلمهم لأنفسهم ولغيرهم ، وبإضرارهم بالأرض التي اؤتمنوا للمحافظة عليها. فعوامل النجاح التي يمتلكها الإنسان يمكن استخدامها للشر ، بدلاً من الخير ، وذلك باتباع الشيطان ، الذي لا يريد للإنسان خيراً.

وتخبرنا الآية الكريمة 72 من سورة الأحزاب (33) بأن أمانة الاستخلاف تمثل حملاً ثقيلاً ، لا تستطيع حتى السماوات والأرض والجبال أن تحمله ، على الرغم من قوتها ، ولكن الإنسان قبل بها ، فظلم نفسه بالمعصية والخطيئة وبجهله بعواقب ذلك.

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب ، 33:  72).

وهكذا ، فإن ثقة الله ، عز وجل ، في الإنسان ، كما تبدت في مشيئته بجعله خليفة له في الأرض ، كانت مبنية على علمه بأن الإنسان أهلٌ لحمل الأمانة ، وحكم الأرض طبقاً لشريعة خالقه ، على الرغم من مشقتها عليه. فيخبرنا سبحانه وتعالى عن بعض خصائص الإنسان التي أهلته لحمل الأمانة ، مثل قدرته على التعلم ، وحبه للعمارة ، وتمتعه بخاصية الاختيار.

مَقْدِرَةُ الإنْسَانِ عَلَى التَّعَلُّمِ

شاء الله ، سبحانه وتعالى ، أن يختار الأرض من بين أرضين ملكوته الواسع لتكون موطناً لخلق الإنسان عليها أولاً ، ولخلافته فيها بعد ذلك. فالأرض غنية بالطعام والمصادر الطبيعية ، وهي محمية من المؤثرات الكونية الضارة من خلال إحاطتها بطبقات جوية عديدة. كما أن المسافة بين الأرض والشمس مثالية لازدهار الحياة وتقدمها في معظم أقاليم الأرض المناخية ، فأدى ذلك كله إلى توفر البيئة المناسبة للإنسان لكي يثبت مقدرته على التعلم ، وعلى مراكمة المعرفة ، وكيفية استخدامها والاستفادة منها ، وعلى سن الأحكام والقوانين بناء عليها.

ولأنه الرحمن الرحيم ، فإن الخالق ، عز وجل ، لم يترك خلقه وحدهم يعانون في وحدتهم على هذا الكوكب. فكما تدخل من آن إلى آخر لتحسين خلقه في مراحل الخلق المختلفة ، فإنه تدخل أيضاً بإرشادهم إلى كيفية اكتساب المعرفة واستعمالها لفائدتهم. ومثال ذلك في القرآن الكريم أمره لهم بالقراءة ، كما جاء في أول كلمة نطقها الروح جبريل ، عليه السلام ، مخاطباً خاتم رسل الله للبشرية ، عليه الصلاة والسلام. وقد كررها عليه ثلاث مرات ، تأكيداُ لأمر الله للبشر ، بالقراءة كوسيلة لاكتساب المعرفة. وأصبح ذلك الأمر قرآناً مقرراً في الآيات الخمس الأولى من سورة العلق:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾ (العلق ، 96: 1-5). 

وهناك العديد من آيات القرآن الكريم التي تحث على العلم واكتساب المعرفة.  وعندما نتأمل معاني بعضها ، مثل 55: 1-4 ، 2: 239 ، و2: 282 ، فإننا نجد أن الله ، سبحانه وتعالى ، يخبرنا بأنه علَّم الإنسان قراءة القرآن وفهم معانيه ، كما علمه ما لم يكن يعلم. وتخبرنا الآية 53: 5 بان جبريل ، عليه السلام كان ، معلماً لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم. [58]

الرَّحْمَـٰنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ (الرحمن ، 55: 1-4). 

فَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (البقرة ، 2: 239).

وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّـهُ (البقرة ، 2: 282).

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿٤﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ﴿٥﴾ (النجم ، 53: 4-5). 

مَقْدِرَةُ الإنْسَانِ وَحُبِّهِ لِلْبِنَاءِ وَالْعِمَارَةِ

وتكريم الله ، سبحانه وتعالى ، للإنسان بجعله خليفته في أرضه ، كان أيضاً لعلمه بمقدرة الإنسان وحبه للبناء وعمارة الأرض. وكان يعلم بقدرة البشر أيضاً على الابتكار والتحسين المستمر لظروفهم ، وصولاً إلى مرحلة الحضارة ، كما عبر عن ذلك ابنُ خلدون ، مستعملاً التعبير القرآني "العمارة" ، والتي تعني البناء والحضارة.  [59]

والآية 30: 9 تدعو الإنسان للتنقيب عن آثار الحضارات السابقة ، للاستفادة مما حدث لها. وبينما يعتبر ذلك أمراً للبشر لدراسة المواقع التاريخية وما قبل التاريخية لتلك الحضارات ، فإنه أيضاً إشارة مباشرة لمهارة الإنسان وحبه للبناء والعمارة على هذه الأرض ، كما تذكر الآية الكريمة:

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا (الروم ، 30: 9).

وتشير الآية 11: 61 إلى خلقِ الإنسان من الأرض ثم استعمارِهِ فيها ، أي في بنائها وتعميرها. أما الآية 9: 18 ، فإنها تشير إلى عمارة المساجد ، بناءً وعبادةً ، كصفة للمؤمنين:

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّـهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (هود ، 11: 61). 

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّـهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّـهَ (التوبة ، 9: 18).

تَمَتُّعُ الإنْسَانِ بِحُرِّيَّةِ الاخْتِيِارِ 

ولا شك أن قدرة الإنسان ومحبتَه للبناء والتعمير جاءت نتيجة لقدرته على التعلم ، وعلى تمتعه بحرية الاختيار. فقد تفاعلت الصفات الثلاث لتنتج الظاهرة لإنسانية المدهشة ، التي أسعدت الخالق ، عز وجل ، فشاء أن يُكَرِّمَ الإنسانَ بالخلافة في الأرض ، على الرغم من استغراب الملائكة ، لأنه يعلم ما لا يعلمون.

فقد وهب الله ، سبحانه وتعالى ، البشر حرية الاختيار، تمييزاً لهم عن ملائكته الكرام ، حتى يرى شكرَهم لنعمَهِ عليهم ، وحتى يعلمَ الذين يكفرون بتلك النعم. فقد أعطى النفس الإنسانية حرية الاختيار بين النجدين ، أي بين طريقي الخير والشر ، مما ينتج عنه من فجور أو تقوى ، كما تذكر لنا الآيات الكريمة 76: 3 ، 89: 8-10 ، 91: 7-8:

إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنسان ، 76: 3). 

أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴿٨﴾ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴿٩﴾ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴿١٠﴾ (البلد ، 89: 8-10). 

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨﴾ (الشمس ، 91: 7-8). [60]

فالله ، سبحانه وتعالى ، أراد أن يرى خلقه يطيعونه وينفذون أوامره باختيارهم ، وبمحض إرادتهم ، لعلمه بالخير الكامنِ فيهم ، الأمر الذي كان يجهله الملائكة. ولذلك ، فعندما أخبرهم بأنه سيجعل الإنسان خليفة له في أرضه ، فإنهم استغربوا لعلمهم بفساد الإنسان وبسفكه للدماء. ولكن الله أجابهم بأنه يعلم ما لا يعلمون ، كما عبرت عنه الآية الكريمة 2: 30. فقد كان يعلم ، سبحانه وتعالى ، بأن بعض أفراد الجنس البشري ربما يختارون الفساد وسفك الدماء ، كما كان يعلم بأن آخرين منهم سيختارون طاعة أوامره ، بمحض إرادتهم ، فيعملون ما هو صالح لهم ولغيرهم وللأرض عموماً. كيف لا وهو الذي نفخ فيهم من روحه ، واهباً إياهم القدرة على الاختيار والفطرة السوية ، كما جاء في الآية الكريمة 15: 29.

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (الحجر ، 15: 29).

مَسْؤولِيَاتُ الإنْسَانِ كَخَلِيفَةٍ للهِ عَلَى الأرْضِ

كما يتبين لنا من الآيات الكريمة ، فإن خلافة البشر لله على الأرض ترتبط بمسؤوليات ثقيلة تقع على عاتقهم ، ولكنها في حدود استطاعتهم. فإذا ما قاموا بها ، فلهم الجزاءُ الأوفى من خالقهم ، عز وجل ، في الدنيا والآخرة. وإلَّا ، فإنه يستبدلهم بغيرهم في الحياة الدنيا ، ويعاقبهم على معاصيهم في الآخرة.

فأولاَ ، يخبرنا الله ، سبحانه وتعالى ، أن استخلافَه للبشر على الأرض ما هو إلا امتحانٌ لهم ، ليرى هل يشكرونه على نعمه التي أسبغها عليهم ، أم يجحدون ذلك ، كما ذكر لنا في الآيات الكريمة 6: 165 و10: 14 و7: 129.

ثانياً ، الإيمان بالله ورسوله من المسؤوليات الهامة للاستخلاف ، وكذلك الإنفاق في الأوجه التي حددها الله ، والقيام بصالح الأعمال ، كما جاء في الآيات الكريمة 57: 7 و24: 55 و57: 7.

ثالثاً ، اعتراف الإنسان بفضل الله عليه ، فيشكره على الصحة والقوة والاستخلاف في الأرض ، كما جاء في الآية 69: 7.

رابعاً ، من أهم مستلزمات الاستخلاف على الإنسان الحكم بالحق والعدل. ولذلك ، أنذر سبحانه وتعالى الكافرين والظالمين والذين لا ينفقون مما آتاهم بأنه سيستبدلهم بغيرهم ، ممن هم أفضل منهم ، في هذه الدنيا ، كما جاء في الآيتين الكريمتين 6: 133 و11: 57.

خامساً ، بالإضافة إلى الإيمان بالله ، وذكره ، والدعاء إليه عند الحاجة ، وعمل الصالحات ، فإن استخلاف الله للإنسان في الأرض يوجب عليه القيام بالعديد من المسؤوليات ، مثل عدم الإفساد في الأرض ، الحكم بالعدل بين الناس ، وذلك بطاعة أوامر الله ، والاستعانة بالصبر ، والتقوى ، كما جاء في الآيات الكريمة 6: 133 و7: 74 و7: 128 و10: 73 و11: 57 و27: 62 و35: 39 و38: 26 و39: 27. [61]

الْخُلاصَةُ

بوصوله إلى المرحلة الخامسة من الخلق ، أظهر الإنسان مقدرته على التعلم والعمارة والاختيار الحر. ونتيجة لذلك ، شاء الخالق ، عز وجل ، أن يمنحه الثقة باستخلافه في الأرض. لكن هذا التكريم جاء مرتبطاً بمسؤوليات كبيرة ، ذكرتها آيات القرآن الكريم. وقد وعد الله ، سبحانه وتعالى ، الإنسان باستمرار خلافته في الأرض طالما كان طائعاً لأوامره ومتجنباً لنواهيه. وإلا فإنه قد أنذره باستبداله بآخرين في هذه الدنيا ، وبالعقاب في الآخرة.

=======================================================================================

الإسْلامُ

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ 

***

الفَصْلُ السادِسُ

***

امْتِحَانُ آدَمَ أَمَامَ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْجَنَّةِ

***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  ***

مُقَدِّمَةٌ

تشتمل موضوعات هذا الفصل على قصة آدم ، عليه السلام ، ومشيئة الله ، عز وجل ، بجعله هو والبشرية من بعده خلفاء لله على الأرض ، وعلى امتحانه أمام الملائكة ، وحياته في الجنة ، وخروجه منها. كما أن هذا الفصل هو امتداد للفصول الثلاثة السابقة. فقد تناول الفصل الثالث خلق الله للكون ، بما في ذلك السماوات والأرض ، وذلك باستعراض الآيات المشتملة على حقائق علمية لم تكتشف إلاَّ حديثاً. وبالتالي ، فإن هذه الآيات الكريمة تمثل " الدَلِيلُ العِلْمِيُ عَلَى وِجُودِ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَعَلَى أنَّ القُرْآنَ الْكَرِيمَ هُوَ رِسَالَتُهُ لِلْبَشَرِيَّةِ."

وركز الفصل الرابع على كيفية خلق الله ، سبحانه وتعالى ، للحياة على الأرض ، ثم تركه لها لتتطور ، مع تدخله لتحسين خلقه من مرحلة إلى أخرى. أما الفصل الخامس ، فكان استمراراً لموضوع الخلق والتطور ، ولكنه ركز على استخلاف الله للإنسان على الأرض ، بصفته يمثل قمة مراحل الخلق الخمس ، وبما أظهره من قدرة على التعلم والعمارة والاختيار ، وتحمله للمسؤولية التي ألقاها خالقه ، عز وجل ، على عاتقه.

وعندما شاء الله ، سبحانه وتعالى ، بأن الوقت قد حان للبشر ليكونوا أهلاً لثقته فيهم ، بناء على علمه بقدراتهم ، أعلن لملائكة قدسه بأنه سيجعلهم خلفاء له في حكم أرضه واستعمارها. فتعجب الملائكة وتساءلوا عن الحكمة في ذلك ، لعلمهم بفساد البشر وسفكهم لدماء بعضهم البعض. فأجابهم عالم الغيب والشهادة بأنه "يعلمُ ما لا يعلمون." ثم جاء بآدم ، كممثل للإنسانية ، وامتحنه أمامهم ، فنجح في الامتحان وأثبت لهم أن البشر خليقون بتكريم الله لهم. [62]  

مَنْ هُوَ آدَمُ؟

تخبرنا الآيات التالية بأن آدم ، عليه السلام ، كان أفضل الخلق من البشر. فقد اصطفاه الله ، سبحانه وتعالى ، كممثل للبشرية للامتحان أمام الملائكة ، لعلمه بقدرته على التعلم والعمارة والاختيار ، كما مر في الفصل الخامس.

فأولاً ، تقرر الآية الكريمة 7: 11 بوضوح بأن الله ، سبحانه وتعالى ، قد خلق البشر ثم صورهم على الهيئة التي أراد لهم أن يكونوا عليها ، فقال:

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (الأعراف ، 7: 11). 

وقد جاء كلا الفعلين (خَلَقْنَاكُمْ وصَوَّرْنَاكُمْ) بصيغة الجمع ، ليشملا البشر عموماً ، وليعبرا عن المرحلتين الأولى والرابعة من الخلق الأول ، واللتين تم ذكرهما في الفصل الرابع. كما يشير استعمال أداة الربط "ثُمَّ" بين الفعلين إلى مرور فترة طويلة من الزمن بينهما.

وعندما اجتاز آدم الامتحان بنجاح ، أمر الله ، سبحانه وتعالى ، ملائكته بالسجود له ، تكريماً له واعترافاً منهم بأهليته لثقة الله به. فسجدوا جميعاً إلا إبليس الذي عصا أمر ربه.

ثانياً ، تذكر الآية 3: 59 بأن عيسى وآدم ، عليهما السلام ، متشابهان في أنهما خُلقا من تراب الأرض. وبما أننا نعلم يقيناً أن عيسى قد خُلق في رحم أمه ، فإن الآية تشير إلى الخلق الأول للكائنات الحية من طين ، أي من تراب وماء. وعلى ذلك ، فإن الآية الكريمة تخبرنا بأن ذلك ينطبق أيضاً على آدم ، وذلك دليل آخر على أن آدم كان أحد البشر ، وليس أولهم.

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّـهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (آل عمران ، 3: 59).

ثالثاً ، تشير الآية 3: 33 إلى أن الله ، سبحانه وتعالى ، قد اصطفى ، أي اختار ، آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، أي على جميع البشر. وهذا يعني أنه اختار آدم ، كأفضل البشر في زمانه ، تماماَ كما اختار الآخرين كأفضل البشر في زمان كل منهم. ولو كان آدم أول الناس ، والوحيد من البشر ، لما كان هناك اختيار بشأنه. وهكذا ، فإن استعمال الفعل "اصطفى" في هذه الآية الكريمة دليل على أن آدم لم يكن أول البشر ، وإنما أفضلهم.  

إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (آل عمران ، 3: 33).

وتشتمل الآية الكريمة 3: 42 أيضاً على نفس الفعل "اصطفى" في الإشارة إلى مريم ، عليها السلام ، التي اختارها الله ، عز وجل ، من بين نساء العالمين ، لتكون أماً لرسوله عيسى ، عليه السلام. وهذا الاستخدام لنفس الفعل يؤكد المعنى المشار إليه آنفاً ، بأن الله قد اختار آدم من بين البشر ، للسجال مع ملائكة المقربين.

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (آل عمران ، 3: 42).

رابعاً ، تعطي الإشارة إلى الخلود في الآيتين 20: 120 و7: 20 إسناداً للتفسير المذكور أعلاه بأن آدم لم يكن أول البشر. فالآيتان تشيران إلى أنه كان يعلم بان البشر غير مخلدين ، ولم يكن باستطاعته أن يعلم ذلك إلا بعلمه بموت الناس من حوله.

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ (طٰه ، 20: 120).

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (الاٴعرَاف ، 7: 20).

أخيراً ، تشير الآية 38: 75 إلى تدخل الله المباشر في خلق آدم بيديه (والبشرية عموماً ، في مراحل الخلق الأول) ، في صيغة استفهامية استنكارية ، لتعظيم جرم معصية إبليس لخالقه ، عز وجل ، فتقول:

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (صاد ، 38: 75).

قِصَّةُ آدَمَ [63]

بدأت قصة آدم عندما شاء الله ، سبحانه وتعالى ، أن يجعل الإنسان خليفة له في حكم أرضه ، كما نقرأ في الآية 2: 30.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البَقَرَة ، 2: 30).

فلما تعجب الملائكة من ذلك ، أحضر الله ، سبحانه وتعالى ، آدم ليساجلهم ويثبت لهم أهلية البشر لثقة الله بهم. وسألهم الخالق ، عز وجل ، عن أسماء لأشياء لم يعرفونها ، فلم يستطيعوا الإجابة ، واعترفوا بعدم علمهم لها. عندها ، أجاب آدم بما علمه الله ، وأخبرهم بتلك الأسماء ، فأمرهم ربهم أن يسجدوا له ، اعترافاً بتفوقه عليهم في المساجلة ، فسجدوا جميعاً إلاَّ إبليس الذي استكبر وعصى أمر ربه ، كما تخبرنا الآيات 2: 31-34.   

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٣١

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٣٢

قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿٣٣

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤ (البقرة ، 2: 31-34).

كَيْفَ عَلَّمَ اللهُ آدَمَ؟ 

يخبرنا القرآن الكريم بان الله ، سبحانه وتعالى ، قد علم الإنسان ما لم يكن يعلم (2: 239) ، بما في ذلك القراءة (55: 4) والكتابة (2: 282).

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (البقرة ، 2: 239).

الرَّحْمَـٰنُ ﴿١ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿٢ خَلَقَ الْإِنسَانَ ﴿٣ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤ (الرحمن ، 55: 4). 

وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّـهُ (البقرة ، 2: 282).

وتخبرنا الآية الكريمة 42: 51 ، أن البشر لا يمكنهم التواصل مع الله إلا من خلال وحيه لعقولهم ، أو من وراء حجاب ، أو بواسطة رُسُلِهِ من الملائكة ، الذين يوحون للبشر بإذن العلي الحكيم ، كما تخبرنا الآيتان 53: 4-5.

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشورى ، 42: 51).

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ﴿٤﴾ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ﴿٥﴾ (النجم ، 53: 4-5). 

ومن أمثلة كلام الله مع البشر وتواصله معهم ، وحيه للرسل والأنبياء ، سواء في يقظتهم أو في منامهم. وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عندما يتلقى الوحي (18: 27) يقظاً ، يسمع صليلاً كصليل الجرس ، وكان يتصبب عرقاً في اليوم الشديد البرودة ، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها. [64]

وكان عليه الصلاة والسلام يوحى إليه في منامه أيضاَ (8: 43) ، وكذا كان إبراهيم (37: 102) ويوسف  (12: 4) عليهما السلام. ولا يقتصر الوحي في المنام على الرسل والأنبياء ، وإنما يوحي الرحمن الرحيم لغيرهم من عباده ، ليدلهم على الخير ، كما حدث لفرعون مصر الذي حلم بالبقرات السبع (12: 43). وحتى أنه ، جل وعلا ، يوحي لمخلوقاته الأخرى ، كوحيه للنحلة (16: 68). وقد ذكر العديد من المكتشفين والمخترعين أنهم توصلوا لاكتشافاتهم واختراعاتهم المفيدة للبشرية أثناء نومهم. [65]

كما سهل الله ، سبحانه وتعالى ، للإنسان أن يتعلم بأن منحه ما يكفي من النعم ، كالاطمئنان والاستقرار ووفرة المصادر الطبيعية الضرورية لتلبية حاجاته الأساسية. فأدى توفر تلك النعم إلى توجهه لاكتساب المعرفة والتعلم ، من خلال التكيف لظروف البيئات المختلفة التي عاش فيها ، ومن خلال التفاعل بين الجماعات الإنسانية المختلفة ، والله أعلم.

فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ

بعد فوز آدم في مساجلته مع الملائكة ، أمرهم ربهم ، جل وعلا ، بالسجود له ، اعترافاً منهم بفوزه عليهم ، فسجدوا كلهم إلاَّ إبليس الذي أبى مستكبراً. وقد ورد ذلك في تسع آيات من القرآن الكريم ، وهي 2: 34 ، 7: 11 ، 15: 30-32 ، 17: 61 ، 18: 50 ، 20: 116 ، 38: 74 ، 38: 75.

فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿٣٠﴾ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴿٣١﴾ (الحجر ، 15: 30-31).

لغوياً ، تظهر الآيات التسع أن إبليس كان ملَكاً ، ولكنه كان الوحيد الذي أبى السجود والطاعة لأمر الله. وتشير الآيات الكريمة 17: 61 ، 38: 75 ، 7: 12 إلى أن السبب الرئيس لعصيانه لأمر ربه كان تكبره. فقد اعتقد أنه أفضل خَلقاً من آدم ، إذ كان خَلقه من النار ، التي هي أسمى من الطين التي خُلق منها آدم ، والبشر عامة.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (الإسرَاء ، 17: 61). 

 قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (ص ، 38: 75).

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (الاٴعرَاف ، 7: 12).

وقد انفردت الآية الكريمة 18: 50 من بين الآيات التسع المشار إليها أعلاه بأن إبليس كان من الجِنِّ ، كما يلي:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ (الكهف ، 18: 50).

والمعنى العام لكلمة " الْجِنِّ" الواردة في هذه الآية الكريمة يشير إلى إنها تصف إبليس بأنه ينتمي إلى جنس من المخلوقات يختلف عن الملائكة ، أي إنه كان جنياً. وهذا هو ما ذكره المفسرون الثلاثة ، الطبري والقرطبي وابن كثير ، وتبعهم في ذلك العديد من المفسرين المعاصرين. وجُلُّ هذا الرأي أن الملائكة مخلوقات مجبولة على الطاعة ، بينما الجن لهم الخيار ، كالإنسان ، في الإيمان بالله وطاعته أو الكفر به ومعصيته. وبناء على هذا الرأي ، يمكن القول بأنه لو كان إبليسُ مَلَكاً لما استطاع معصية خالقه ، ولسجد لآدم كبقية الملائكة ، امتثالاً لأمر الله ، سبحانه وتعالى.

ويعتمد هذا التفسير أساساً على المعنى الذي تضمنته الآية الكريمة التي تصف الملائكة الموكلون بالنار بأنهم "غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" (التحريم ، 66: 6). واستدل أصحاب هذا الرأي من ذلك بأن الملائكة لا يقدرون على معصية ربهم. والرد على هذا الرأي هو أن هذه الآية الكريمة تنطبق على الآخرة. أما في الحياة الدنيا ، فيختلف الملائكة عن بعضهم البعض في تصرفاتهم. فمثلاً ، تتضمن الآية الكريمة 21: 29 تحذيراً للملائكة بألَّا يدَّعي أي منهم أنه إله ، وتحذرهم الآية الكريمة 4: 172 ألَّا يستنكفوا عَنْ عِبادةِ اللهِ ، الذي سيقضي بينَهُم بالحقِّ في اليومِ الأخِرِ (الزمر ، 39: 75). كما تشير الآية الكريمة 2: 102 إلى الملكين اللذين نزلا ببابل ، هاروت وماروت ، وكانا يعلِّمان الناس السحر ، وهما يعلَمان أن ذلك كفرٌ وعصيان. [66]  

وقد أورد المفسرون الثلاثة تفسيراً آخر لكلمة "الْجِنِّ" المشار إليها في الآية الكريمة 18: 50 ، وذلك هو تفسير ابن عباس ، رضي الله عنهما ، الذي يتلخص في أن إبليس كان ملَكاً. ويمكن إسناد هذا التفسير بعدة حيثيات ، أهمها ما يلي:

أولاً ، لقد كان من فئة من الملائكة يقال لها الجن. وربما اكتسب هؤلاء هذه التسمية لأنهم كانوا قائمين على خدمة الجنة. ثانياً ، وربما تعود هذه التسمية لقدرتهم على الاختفاء ، وذلك لكون هذه الكلمة من مشتقات الفعل "جَنَّ" المذكور في الآية الكريمة 6: 76 ، والذي يفيد بهذا المعنى. ثالثاً ، أشار القرطبي إلى إن إبليس كان له أربعة أجنحة ، وهذه إحدى صفات الملائكة ، اللذين هم "أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۚ " ، كما ذكرت لنا الآية الكريمة 35: 1. رابعاً ، بينما كان خَلْقُ الْجَانِّ "مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ" ، أي من لهب النار ، كما تذكر لنا الآية الكريمة 55: 15 ، كان خلق الملائكة من نور ، كما جاء في الحديث الشريف ، الذي روته أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها. والنور هو من صفات النار ومن نتائجها على أية حال. فنور الشمس ، مثلاً ، ناتج عن نارها الملتهبة. خامساً ، الآيات الكريمة 37: 149-157 تتحدث عن الملائكة ، وتشير لهم بالاسم. وعندما تأتي الآية الكريمة التالية ، 37: 158 ، فإنها تتضمن كلمةَ " الْجِنَّةِ" للإشارة إليهم ، بدلاً من كلمة "الملائكة." وعلى أية حال ، فإن لعنة إبليس وطرده من رحمة الله كانا نتيجة لعصيانه لأمر خالقه ، عز وجل ، وليس لكونه من الجن أو من الملائكة (والله سبحانه وتعالى أعلم). [67]  

عِقَابُ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لِلشَّيْطَانِ إبْلِيسِ

عندما عصى الشيطان إبليس خالقه ، عز وجل ، وأصر على المعصية ، بذكر سببها ، عاقبه ربه بطرده من الجنة ومن رحمته ، كما جاء في الآية الكريمة:

ق قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (الأعراف ، 7: 13).

وفي تفسيره لكلمتي "فاهبط منها" الواردتين في هذه الآية الكريمة ، ذكر القرطبي بأن ذلك يعني الخروج من الجنة الأرضية إلى أجزاء أخرى من الأرض. ويتمشى هذا التفسير مع تفاصيل قصة آدم ، عليه السلام.

وقد سأل الشيطان ، إبليس ، ربه أن يمنحه الفرصة ليثبت له أن البشر لا يستحقون ثقته بهم. فقبل الله ، عز وجل ، التحدي وأخر عقابه حتى نفخة الصور الأولى ، التي ستميت من تبقى من البشر في آخر الزمان ، ولكن ليس إلى يوم بعثهم بعد النفخة الثانية ، كما طلب.  

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿٧٩﴾ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴿٨٠﴾ إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴿٨١﴾ (ص ، 38: 79-81).

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (الإسراء ، 17: 62).

وبعد حصوله على موافقة الله ، عز وجل ، على طلبه بتأجيل عقوبته ، أعلن الشيطان عن خطته الشريرة التي تهدف إلى إبعاد ما يستطيع إبعادهم من البشر عن صراط الله المستقيم ، وذلك بأن يقعد لهم على ذلك الصراط ليصدهم عنه.

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (الأعراف ، 7: 16).

وتابع الشيطان اللعين كشف تفاصيل خطته ، قائلاً بانه سيأتيهم من كل اتجاه لصدهم عن سبيل الله ، واعداً بأن محاولاته تلك ستؤدي إلى أن القليل من الناس سيكونون شاكرين لنعم ربهم عليهم.

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (الأعراف ، 7: 17).

عندها ، أمر الله ، سبحانه وتعالى ، الشيطان اللعين بالخروج من الجنة ومن رحمته ، متوعداً بالعقاب في جهنم ، له ولمن تبعه من البشر.

قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا (الإسراء ، 17: 63).

وقد حذر الله ، سبحانه وتعالى ، عباده من الأساليب التي سيستعملها الشيطان اللعين لصدهم عن الصراط المستقيم ، والتي تشمل صوته وجنوده الراكبين والراجلين والأموال والأولاد والوعود الكاذبة ، حتى لا يقعوا فريسة لها. ولكنه شاء ، سبحانه وتعالى ، أن الشيطان ليس له سلطان على عباد الله المخلصين ، المشمولين بحمايته لهم ، وذلك في قوله ، سبحانه وتعالى:

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (الإسراء ، 17: 64).

 إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا۬ (الإسراء ، 17: 65).

تَحْذِيرُ اللهِ لآدمَ

ثم اتجه الله ، سبحانه وتعالى ، بالكلام إلى آدم ، عليه السلام ، ليحذره من أساليب عدوه ، الشيطان الرجيم ، الذي سيعمل على إخراجه هو وزوجته من الجنة ، الأمر الذي سيسبب الشقاء لهما في طلب الرزق (20: 117). وذكره بانه ما دام يعيش في الجنة فإن له ألاَّ يجوع فيها ولا يعرى ، ولا يظمأ ولا يعمل تحت حرارة الشمس (20: 118-119) ، أي أنه سيضطر إلى ذلك كله إذا أخرجه الشيطان منها.

فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ ﴿١١٧﴾

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ﴿١١٨﴾

وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ﴿١١٩﴾ (طٰه ، 20: 118-119).

في شرحهم للكلمة الأخيرة من الآية 20: 117 (فتشقى) ، ذكر المفسرون الثلاثة بأنها تعني العمل الشاق لتوفير الحاجات الأساسية ، بالمقارنة مع الحياة المريحة الرغدة في الجنة ، حيث يتوفر الطعام والشراب والكساء والمسكن ، ولا حاجة لكسب الرزق بالعمل الشاق المتعب.

وبعد خروج آدم من الجنة ، أصبح لزاماً عليه أن يكد ويتعب للحصول على رزقه. وقد ذكر الطبري والقرطبي بأنه أخذ يحرث على ثور أحمر ، وزاد القرطبي ، ناقلاً عن سعيد بن جبير ، بأنه أصبح يتعرض لحرارة الشمس أثناء المراحل المختلفة للزراعة ، التي تبدأ بحرث الأرض ، ثم ببذر حبوب القمح ، فالعناية بالمحصول ، وصولاً إلى الحصاد ، بما في ذلك حمل المحصول إلى البيت ، ثم طحن الحبوب لتصبح دقيقاً جاهزاً للخبيز.

وهذا الوصف لحياة آدم ، عليه السلام ، بعد الخروج من الجنة ، إنما ينطبق على صفات المجتمع الزراعي البسيط ، الذي ظهر في غرب آسيا ، خاصة في فلسطين وسوريا والعراق وفي مصر منذ حوالي 15,000- 14,000 سنة ، طبقاً لنتائج أبحاث علماء تاريخ الإنسان (الأنثروبولوجيا). وقد تميز ذلك المجتمع باستئناس الحيوانات واستعمال البذور في الزراعة البسيطة. وقبل ذلك ، كانت الجماعات الإنسانية تتغذى على ما تجده في بيئاتها من النباتات والحيوانات ، وهو ما يعرف بمجتمع الصيد والجمع. ثم تحولت الزراعة البسيطة إلى زراعة كثيفة منذ حوالي 8,000 5,000 سنة ، حيث استحدث الإنسان أنظمة الري وشق القنوات ، وأقام السدود ، واستخدم العربات لنقل المحاصيل ، مما أدى لظهور الحضارات الزراعية على ضفاف الأنهار الكبرى في مصر والعراق ، وباقي أرجاء المعمورة بعد ذلك. [68]

 عَهْدُ اللهِ مَعَ آدَمَ

تفضل الله ، سبحانه وتعالى ، على آدم وزوجه بتمكينهما من الحياة في الجنة ، متمتعَين بنعيمها وطعامها الوفير. وفي المقابل ، كان عليهما الامتثال لأوامره ، التي تهدف إلى إسعادهما ورفاهيتهما. فأخبرهما بأن بإمكانهما أن يأكلا أي طعام فيها ، ما عدا ذلكم الذي من شجرة واحدة. كما أنه حذرهما حتى بعدم الاقتراب منها ، وأنهما إن فعلا ذلك فسيظلمان نفسيهما ، لأنه سيكون سبباً في خروجهما من الجنة. وقد ورد هذا المعنى في الآيتين 2: 35 و7: 19 ، ولكن باختلاف في كلمة "رَغَدًا" التي وردت في الآية 2: 35 فقط ، والتي تشير إلى أن بإمكانهما أن يأكلا ما يشاءان ، بدون قيود ، من رزق الجنة الواسع الهنيء ، ما عدا تلك الشجرة ، التي لم يخبرنا القرآن الكريم عن ماهيتها. ولذلك ، فلا يعرف حقيقتها أحد بالتأكيد ، ولكن المفسرين أشاروا إلى إنها ربما تكون القمح أو العنب أو التين.

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (البَقَرَة ، 2: 35).

 وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (الأعراف ، 7: 19).

نِسْيَانُ آدمَ لِعَهْدِهِ مَعَ اللهِ

تخبرنا الآية 20: 115 بأن آدم قد نسي عهده مع الله ، والذي نص على تمكينه من الاستمتاع بالحياة داخل الجنة ، ما دام لا يأكل من تلك الشجرة ، التي نهاه عن الاقتراب منها. فلم يكن حازماً في رفضه لوسوسة الشيطان له ، ولا عازماً على رفض إغراءاته ، في أنه إذا أكل منها فسوف يصبح مخلداً وصاحب أملاك لا تفنى (20: 120).

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (طٰه ، 20: 115).

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَ (طه ، 20: 120).

ووسوس الشيطان لآدم وزوجه مرة أخرى بأنهما إن أكلا من تلك الشجرة فسيصبحان ملَكين أو خالدَين. والإشارة إلى الخلد في الآيتين 7: 20 و20: 120 تفيد بأن آدم ، عليه السلام ، كان يعرف أنه وغيره من البشر لم يكونوا خالدِين ، ولم يكن له أن يعرف ذلك إلا برؤيته لغيره من البشر وهم يموتون أمامه. ثم زاد الشيطان ضغوطه عليهما ، بانتقاله من الوسوسة إلى القَسَم بالله إنه لهما من الناصحين (7: 21). ونظراً لبراءتهما ، فإنهما صدقاه ، لأنهما لم يتخيلا أن يحلف أحد بالله كذباً.

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (الأعراف ، 7: 20).

وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (الأعراف ، 7: 21).

نَقْضُ آدَمَ لِعَهْدِهِ مَعَ اللهِ

نقضَ آدمُ وحواءُ عهدَهما مع ربهما عندما عصياه ، فغويا ، أي ضلا السبيل بعيداً عن حفظ الله ورعايته لهما. وبمجرد أكلهما من تلك الشجرة ، فقدا براءتهما ، فأدركا أنهما كانا عاريين ، فخجلا من عريهما ، وأخذا يغطيان عورتاهما بأوراق شجر الجنة ، كما تخبرنا الآية 20: 121. وهنا ناداهما ربهما ، يذكرهما بتحذيره لهما بألا يأكلا من تلك الشجرة ، وألا يستمعا لوسوسة الشيطان ، عدوهما المبين ، كما تخبرنا الآية 7: 22.

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ (طه ، 20: 121).

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (الأعراف ، 7: 22).

ثم اتجه الله ، سبحانه وتعالى ، بالخطاب لبني آدم بصفة عامة ، في الآية 7: 26 ، مذكراً إياهم بأن تحليهم بالتقوى خيرٌ من محاولة إخفاء سيئاتهم بعد ارتكابها. وفي ذلك إشارة إلى ما حدث لآدم وحواء ، فلو أنهما لم يعصيا ربهما ، لما كانت لهما حاجة لإخفاء عورتيهما. 

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّـهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  (الأعراف ، 7: 26).  

وفي تفسيره للآية الكريمة 7: 26 ، أشار القرطبي إلى المجتمع الزراعي ، فقال بأن الله ، سبحانه وتعالى ، قد أنزل المطر وأوحى لبني آدم بأن يزرعوا القطن والكتان ، لكي يستخدمونهما في صنع الملابس التي تغطي عوراتهم. وأضاف بأن الله ، جل وعلا ، ذكَّر بني آدم ، في هذه الآية ، بأن التقوى هي أفضل اللباس ، أي أن مخافة الله وطاعته وتنفيذ أوامره ، والعمل الصالح والحياء ، أفضل من ارتكاب المعاصي ثم محاولة إخفائها.

الْخُرُوجُ مِنَ الْجَّنَّةِ

ونتيجة لنقض آدم وحواء عهدهما مع ربهما ، عز وجل ، فإنه أمرهما بالخروج من الجنة ، إلى بقاع الأرض الأخرى ، ليعيشا هما ونسلهما من بعدهما ، ويموتون جميعاً فيها ويبعثون منها يوم القيامة. ومنذ تلك اللحظة ، أصبح لزاماً على بني آدم أن يكدوا ويتعبوا في طلب الرزق ، وأن يتنافسوا للحصول على ما يحتاجون إليه من المصادر الطبيعية ، مما أدى إلى العداوة والاقتتال بينهم. وكان عدوهم الشيطان هناك أيضاً بانتظارهم ، ليضلهم عن صراط الله المستقيم ، كما تذكر لنا الآيات الكريمة 2: 36 و2: 38 و7: 24-25 و20: 123.

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (البَقَرَة ، 2: 36).  

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة ، 2: 38).

قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (الأعراف ، 7: 24).

 قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (الأعراف ، 7: 25).

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (طه ، 20: 123).

وفي تفسيره للفعل " اهْبِطُوا " الوارد في الآية 2: 36 ، ذكر الطبري بأنه "يُقَال: هَبَطَ فُلَانٌ أَرْضَ كَذَا وَوَادِي كَذَا ، إِذَا حَلَّ ذَلِكَ." وأضاف في تفسيره لنفس الفعل ، الذي ذكر أيضاً في الآية 2: 61 ، بأن "مَعْنَى الْهُبُوط إلَى الْمَكَان ، إنَّمَا هُوَ النُّزُول إلَيْهِ وَالْحُلُول بِهِ." أما القرطبي فكان واضحاً في تفسيره للآية 2: 36 ، فقال بأن الْهُبُوط هو "النُّزُول مِنْ فَوْق إِلَى أَسْفَل."

وقد لخص ابن كثير تفسيرين للعلماء السابقين له ، الأول عن الهبوط من السماء إلى الأرض ، والثاني عن الهبوط من جنة الله على الأرض إلى بقاع الأرض الأخرى. لكنه كان واضحاً في ميله لصحة وصواب التفسير الثاني. فقال بأن الجنة التي عاش فيها آدم وحواء لا يمكن أن تكون في السماء ، وذلك لأن إبليس قد طرد من السماء وهبط منها بعد عصيانه لأمر ربه (7: 13) ، فلا يمكنه أن يدخلها مرة أخرى ، ليغوي آدم فيها. [69]  

قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (الأعراف ، 7: 13).

ويعزز هذا المؤلف تفسير ابن كثير ، بأن الجنة التي سكنها آدم وحواء كانت على الأرض ، بناء على حجتين. الأولى ، أن هذا التفسير يتفق مع مشيئة الله ، سبحانه وتعالى ، بخلافة الإنسان في الأرض ، والتي أعلن عنها لملائكته ، قبل أن يسكن آدم وحواء الجنة ، كما تخبرنا الآية 2: 30. والثانية تستند على أساس لغوي. فعند البحث عن الفعل هَبَطَ في القرآن الكريم ، نجد بأنه ورد في سبع آيات كريمة ، أربع منها كانت عن قصة آدم (2: 36 ، 2: 38 ، 7: 24 ، 20: 123). وورد في آية خامسة (7: 13) عند الإشارة لخروج إبليس من السماء بعد عصيانه لأمر ربه بالسجود لآدم.

وذُكِرَ فعلُ الهبوطِ في آية سادسة ، وهي 11: 48 ، وذلك في وصف نزول نوح ، عليه السلام ، ومن معه من السفينة بعد الطوفان ، والذي حدث على الأرض ، دون أدنى شك (انظر الآية 11: 44) ، وليس في السماء.

قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ (هود ، 11: 48).

أما الآية السابعة التي ذكر فيها الهبوط (2: 61) ، فكانت عن قصة بني إسرائيل في سيناء ، بعد خروجهم من مصر. فقد مَنَّ الله ، سبحانه وتعالى ، عليهم بطعام من عنده ، يتكون من "الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ" (طه ، 20: 80) ، في تلك الصحراء القاحلة. وبدلاً من شكره على نعمائه ، فإنهم تذمروا واشتكوا بعدم قدرتهم على الصبر على طعام واحد ، وطلبوا أن يأتيهم بغير ذلك مما اعتادوا عليه في مصر من الخضروات. فرد عليهم ربُّهم قائلاً لهم: "اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ" (البقرة ، 2: 61) ، أي ارجعوا لوادي النيل ، حيث تتوفر تلك الخضروات التي تطالبون بها.

وهكذا ، فإن الفعل "اهْبِطُوا" قد استعمل في هذه الآية الكريمة ليعني ترك مكان عالٍ إلى آخر منخفض عنه ، على سطح الأرض ، حيث أن صحراء شبه جزيرة سيناء هي أعلى من وادي النيل ، في مصر. ويمكن تطبيق معنى هذا الفعل في هذه الآية على معناه في الآيات الكريمة الأخرى ، أي أن الهبوط قد حدث من مكان إلى آخر ، أو من مكان مرتفع إلى آخر منخفض ، هنا على الأرض ، وليس بالضرورة من السماء إلى الأرض. والله ، سبحانه وتعالى ، أعلم.

تَوْبَةُ آدمَ وَمَغْفِرَةُ اللهِ لَهُ

وعندما أدرك آدم وحواء معصيتهما لربهما ، أرادا أن يدعوانه ليغفر لهما ويتوب عليهما ، فأوحى الله لآدم بكلمات الدعاء ، كما ذكرت الآية 2: 36. وعندما توجها له بالدعاء ، الذي ذكر في الآية 7: 23 ، تاب عليهما وغفر لهما ، كيف لا وهو التواب الرحيم.    

فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البَقَرَة ، 2: 37). 

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الأعراف ، 7: 23).

ولم يقتصر عفو الكريم على قبول توبتهما فقط ، وإنما زاد على ذلك بهدايتهما إلى الصراط المستقيم ، كما نقرأ في الآية 20: 122 ، واعداً كل من اتبع هداه ألاَّ يضل في هذه الحياة ، ولا يشقى في الآخرة (20: 123) ، وألاَّ يخاف من أهوال الآخرة ولا يحزن على ما فاته من الحياة الدنيا (2: 38).

ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ (طه ، 20: 122).

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (طه ، 20: 123).

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البَقَرَة ، 2: 38).

وكما أن الله ، سبحانه وتعالى ، يمد رحمته لتشمل التوابين إليه ، فإنه يتوعد الذين يكذبون بآياته بأن مثواهم النار خالدين فيها أبدا ، كما نقرأ في الأية 2: 39.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البَقَرَة ، 2: 39).

الْخُلَاصَةُ

تناول هذا الفصل قصة امتحان آدم ، عليه السلام ، أمام الملائكة ، وخروجه من الجنة ، نتيجة لوقوعه فريسة في مصيدة عدوه إبليس ، لعنه الله. كما تناول بشارة الله ، سبحانه وتعالى ، للمؤمنين الذين يتبعون هداه بأن لهم الجنة ، خالدين فيها.

كما قدم ، مع الفصول الثلاثة السابقة ، إجابات على بعض الأسئلة الجوهرية المتعلقة بأصل الوجود والحياة وظهور الإنسان ، ووصوله إلى مرتبة التكريم العليا ، أي خلافة الله في أرضه.

وعلى الرغم من أن الآيات التي اختيرت كمراجع لموضوعات البحث في هذه الفصول الأربعة قد جاءت من سور مختلفة من القرآن الكريم ، إلاَّ إنها تُظهر ترابطاً لا يمكن أن ينكره أي إنسان ذي بصيرة وعقل منفتح. وعلى الرغم من أن هذه الآيات قد أنزلت على النبي محمد ، صلى الله عليه وسلم ، منذ أكثر من 1400 سنة ، إلا إنها تشير إلى حقائق علمية لم يكتشفها العلماء إلا ابتداء من القرن التاسع عشر. وعلى الأخص ، فإن بإمكان علماء الأحياء وتاريخ الإنسان (الأنثروبولوجيا) أن يجدوا تأييداً ، من هذه الآيات الكريمة ، لاستنتاجاتهم ونظرياتهم حول تطور الكائنات الحية في هذا الكوكب.

وخلاصة القول ، فإن آيات القرآن الكريم لا يمكن أن تكون من قول البشر ، وإنما هي تنزيل من لدن عالم الغيب والشهادة ، خالق الكون ، وواهب الحياة ، رب السماوات والأرض وما بينهما ، الذي يعلم كل شيء عنهن ومن فيهن ، هو الله ، سبحانه وتعالى ، كما سمى نفسه (أنظر الفصل السادس عشر: " اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ"). وهو الذي سمى نفسه أيضاً "الرحمن" بخلقه و "الرحيم" بالمؤمنين من بينهم. وهو الذي يريد سعادتهم في الدنيا والآخرة ، ومن أجل ذلك ، شرع لهم من الأحكام ما يسعدهم ويبعد عنهم الشرور والمصائب والأحزان في الحياة الدنيا ، وما سيجزون على اتباعها بالسعادة المطلقة في الحياة الأخرى ، كما ستتم مناقشته في الفصل التاسع من هذا الكتاب "الْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالرُّوحُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ."

===========================================================================================

الإسْلامُ

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ 

***

الفَصْلُ السابِعُ

***

عِبَادٌ مُخَيَّرُونَ أَمْ عَبِيْدٌ مُجْبَرُونَ؟

***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  ***

مُقَدِّمَةٌ

 هناك الكثير من الترجمات للقرآن الكريم ، من اللغة العربية إلى اللغات المختلفة. فمثلاً ، خلال شهر يوليو من عام 2018 ، كانت هناك سبع عشرة ترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الإنكليزية في موقع واحد ، هو www.tanzil.info ، بالإضافة إلى ترجمات عديدة للغات الأخرى. ومع ذلك ، فمعظم هذه الترجمات ينقصها الدقة فيما يتعلق بالموضوع البحثي لهذا الفصل.

ومثالٌ على ذلك ، ترجمة الفعل "عَبَدَ " ومشتقاته الواردة في آيات القرآن الكريم ، مثل عِبَادَة وعِبَاد وعَبِيد. فقد ورد في معظم هذه الترجمات المفرد المذكر (عَبْدٌ) ، المشتق من هذا الفعل ، بمعان بعيدة عن معنى العبادة الموجودة فيه. فتمت ترجمته على أنه "عَبْدٌ مملوكٌ" ، باستعمال كلمتين مختلفتين هما (slave” and “bondman”) ، وترجم في الأغلب على أنه "خَادِمٌ" (servant) ، وهذا غير صحيح ، كما ستتم مناقشته في هذا الفصل. ولم ترد الترجمة الصحيحة سوى في اثنتين من الترجمات فقط ، وهما اللتين أقرنتا الترجمة بمعنى العبادة في كلمتين مختلفتين هما: ("worshipper" and "votary").

وقد عبرت ثمان ترجمات عن الفهم الصحيح لكلمة "عِبَادَتِهِ" الواردة في الآية الكريمة 4: 172 ، وهي المرجع القرآني في فهم معنى الفعل "عَبَدَ" ومشتقاته ، خاصة المفرد المذكر "عَبْدٌ" ، الذي هو موضوع البحث الأساس في هذا الفصل ، فتُرجمت بكلمتي (His worship) ، أي عبادة الله ، عز وجل. ولكن المترجمين لم يطبقوا معنى العبادة هذا على ترجمتهم للمفرد المذكر ، أي عَبْد (لمزيد من التفصيل ، أنظر الملاحظة الاستطرادية رقم 1م [70] والجدول رقم 1).

وتنطبق نفس الملاحظة على صفة الجمع المشتقة من هذا الفعل ، وهي كلمة "عِبَاد" ، التي لا ينبغي أن يكون هناك خلافٌ على ترجمتها ، خاصة في الآية الكريمة 4: 172. ومع ذلك ، فقد تُرجمت بتسع ترجمات مختلفة ، أصابت اثنتان منها لاقترانهما بمعنى العبادة ، وهما (“worshippers” and “votaries”). أما الترجمات السبع الأخرى ، التي جانبها الصواب ، لكلمة "عِبَاد" فكانت "خدم ، مماليك ، عبيد (مملوكون وأرقاء) ، مخلوقات ، خُشع (جمع خاشع) ، رجال ، ومخلوقات إنسانية" (لمزيد من التفصيل ، أنظر الملاحظة الاستطرادية رقم [71] والجدول رقم 2).

مثل هذه الترجمات غير الدقيقة لمعاني آيات القرآن الكريم ربما تقود القراء ، وخاصة الذين لا يعرفون العربية منهم ، مسلمين وغير مسلمين ، لأن يعتقدوا بأن القرآن الكريم يشير إلى المسلمين والمؤمنين ، بما في ذلك الرسل ، على أنهم "عبيد" ، وذلك غير صحيح. وحتى بين العرب المسلمين ، هناك من اختلط عليهم هذا الأمر ، أو من لا يلتزمون الدقة فيه. ولذلك ، فإنهم يخلطون بين العباد والعبيد ، وبين العبادة والاستعباد. وربما يؤدي بهم ذلك لتبني الآراء المتطرفة لجماعتي القدرية والجبرية ، اللتين ظهرتا في نهاية القرن الأول الهجري ، قبل 1300 سنة مضت ، واللتين قال أدعياؤهما بأن البشر عبيد مجبرون ، وبالتالي فإنهم لا ينبغي أن يُعتبروا مسؤولين عن أعمالهم. وقد رد علماء المسلمين عليهم عبر القرون ، ودحضوا آراءهم المخالفة لجوهر دين الله ، الذي يقوم على الاختيار في الحياة الدنيا ، كأساس للثواب والعقاب في الآخرة.

ويهدف هذا الفصل إلى البحث في هذا الموضوع من خلال مناقشة معاني آيات القرآن الكريم ذات الصلة. فيبدأ بالمقارنة بين كلمتي "عِبَاد" و "عَبِيد" ، كمقدمة لموضوع أشمل ، وهو التخيير والتسيير ، من أجل الوصول إلى إجابة للسؤال الذي هو عنوان هذا الفصل ، أي ما إذا كان البشر عموماً ، والمؤمنون على وجه الخصوص ، مخيرين في عبادتهم لخالقهم ، وفي أقوالهم وأفعالهم ، أم أنهم مجرد عبيد مجبرون ومسيرون ، ينفذون أمر الله فيهم ، ولا يملكون من أمرهم شيئاً.

وهكذا ، فالمناقشة ههنا ، هي تكملة لموضوع الاستخلاف والاختيار ، الذي بدأت مناقشته في الفصل الخامس ، " الْإنْسَان: خَلِيفَةُ اللهِ عَلَى ألأرْضِ" ، لكنها تنضوي تحت منهج الوسطية ، الذي أشارت إليه الآية الكريمة 2: 143.

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  (البقرة ، 2: 143).

وفي تفسيرهما لهذه الآية ، أشار الطبري والقرطبي إلى أن الله ، سبحانه وتعالى ، يُعَلِّمُ المؤمنين بأن يأخذوا الأمور بالاعتدال والتوسط ، بعيداً عن التطرف الذي أصاب من كان قبلهم. فأتباع موسى عليه السلام ، لم يقبلوا تعاليمه لهم بسهولة ، بل إنهم قد سببوا له الأذى (33: 69). أما أتباع عيسى ، عليه السلام ، فكان تطرفهم على النقيض ، بأنهم عظموه ومجدوه إلى درجة أنهم أشركوه مع الله في العبادة ، بل حتى عبدوه من دون الله ، عز وجل (5: 72-73). [72]

وعلى ذلك ، فإن الموقف الإسلامي من قضية التخيير والتسيير هو الموقف الوسطي المعتدل. فبينما لنا الإختيار في الأمور التي بمقدورنا فعلها ، هناك أمور أخرى خارجة عن قدراتنا ، وبالتالي فليس لدينا اختيار حيالها. وهذا يعني أننا مسؤولون أمام بعضنا البعض عن قراراتنا المتعلقة بالأمور الدنيوية التي نستطيع التأثير أو التحكم فيها. كما أننا مسؤولون عنها أمام الخالق ، عز وجل ، في الآخرة. وسيتم استكمال البحث في هذا الموضوع عند مناقشة مسألة "القدر والقضاء" ، في الفصل الأخير من هذا الكتاب.

عِبَادٌ أَمْ عَبِيدٌ؟

هناك حوالي 243 آية في القرآن الكريم تتضمنُ الفعل "عَبَدَ" ومشتقاتَه. وقد تمت الإشارة إلى البشر على أنهم "عبادٌ" ، وغير ذلك من أشكال هذه الصفة ، في 96 منها. وهناك 20 آية تشير إليهم بأنهم "العباد." وفي 4 آيات ، تأتي كلمة "عباد" بصيغة الفاعل. وفي آيتين ، تأتي بصيغة المفعول به. وهناك 7 آيات بصيغة "عبادك" (رفعاً ونصباً وجراً) ، و12 آية بصيغة "عبادنا" ، كلها مجرورة ، ما عدا الآية 45 من سورة ص  (38) ، التي جاءت مرفوعة. كما جاءت في 34 آية بصيغة "عبادَهُ" ، وفي 17 منها بصيغة "عبادي" وفي 11 منها بصيغة "عابدون" أو "عابدين" أو "عابدات."

وكلمة "عباد" هي صفة جمعية لا إشكال ولا لبس في إقرانها بالعبادة بصفة عامة ، من حيث المعنى. أي أن صفة "العباد" إشارة إلى الصالحين من البشر ، الذين اختاروا أن يعبدوا خالقهم ، عز وجل ، الذي أوجد فيهم القدرة على الاختيار ، في المقام الأول. وهناك استثناء لهذا المعنى العام ، يتمثل في عدد قليل جداً من الآيات الكريمة ، التي من المحتمل أن تشير كلمة "عباد" الواردة فيها إلى غير المؤمنين العابدين.  [73]

وينطبق الأمر ذاته أيضاً على الصفة المفردة لكلمة "عباد" ، أي كلمة "عَبْد." فلا إشكال ولا لبس في أنها تشير إلى الفرد الذي يعبد خالقه ، عز وجل ، اختياراً أيضاً ، وكما هو الحال في كلمة "عابد" ، التي وردت مرة واحدة (الكافرون ، 109: 4). لكن هذه الصيغة المفردة ، أي "عَبْد" ، قد أُشكلت على البعض في المعنى ، لكونها مفردة لصفة جمعية أخرى ، وهي "عبيد."

وما كان لمثل هذا الإشكال أن يقع ، لأن كلمة "عَبْد" كصفة مفردة لكلمة "عبيد" لم ترد في القرآن الكريم إلَّا مرتين. ففي الآية 75 من سورة النحل (16) ، ذُكرت كلمة "عَبْد" مقرونة بكلمة "مَمْلوك" ، التي أضيفت لها تأكيداً للمعنى. وقد ذُكرت هنا للإشارة للذين يعبدون الله ، عز وجل ، في الحياة الدنيا. أما في اليوم الآخر ، فإن الناس يُبعثون لا حول لهم ولا قوة ، أي "عبيداً" لمالك يوم الدين ، الواحد القهار ، كما جاء في الآية الكريمة 93 من سورة مريم (19).  

ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ (النحل ، 16: 75). 

إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا (مريم ، 19: 93). 

والرأي الفصل في هذا الأمر أن الناس عامة ليسوا عبيداً ، بل هم عبادُ الله ، ما داموا يعبدونه ، سواء كانت الإشارة إليهم بصيغة الصفة المفردة أم بصيغة الجمع. ودليل ذلك أن الإشارة للأنبياء والرسل والصالحين كانت دائماً باستخدام كلمة "عَبْد" وصيغها الأخرى ، مثل "عبدنا" و "عبده" و"عبد الله" ، كما جاء في 23 من آي الذكر الحكيم. وكلها تشير إلى معنى العبادة الاختيارية الحرة ، وليس الاستعباد القسري ، أي أن الله ، سبحانه وتعالى ، شاء لنا أن نكون عباداً أحراراً ، لا عبيداً مسلوبي الإرادة. [74