الْكِتَابُ الأَوَّلُ

***

الإسْلَامُ:

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ

تَأليف

حسن علي النجار

1445 ه \ 2024 م

***

الْفَصْلُ السَّابِعُ

***

عِبَادٌ مُخَيَّرُونَ أَمْ عَبِيْدٌ مُجْبَرُونَ؟

***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

***

 

 

مُقَدِّمَةٌ

هناكَ الكثيرُ مِنَ الترجماتِ للقرآنِ الكريمِ ، مِنَ اللغةِ العربيةِ إلى اللغاتِ المختلفةِ. فمثلاً ، خلالَ شهرِ يوليو\تموز مِنْ عامِ 2018 للميلادِ ، كانتْ هُناكَ سبعَ عشرةَ ترجمةً مِنَ اللغةِ العربيةِ إلى اللغةِ الإنكليزيةِ ، في موقعٍ واحدٍ ، هُوَ www.tanzil.info ، بالإضافةِ إلى ترجماتٍ عديدةٍ للغاتٍ أُخرى. ومَع ذلكَ ، فمعظمُ هذهِ الترجماتِ تَنقصُها الدِّقَّةُ فيما يَتعلقُ بالموضوعِ البحثيِّ لهذا الفصلِ.

ومثالٌ على ذلكَ ، ترجمةُ الفعلِ "عَبَدَ" ومُشتقاتِهِ الواردةِ في آياتِ القُرآنِ الكريمِ ، مثلِ "عِبَادَةٍ" و "عِبَادٍ" و "عَبِيدٍ." فقد وَرَدَ في معظمِ هذهِ الترجماتِ الْمُفْرَدُ الْمُذّكَّرُ ، "عَبْدٌ" ، المُشتقُّ مِنْ هذا الفعلِ ، بمعانٍ بعيدةٍ عَنْ معنى الْعِبَادَةِ الموجودةِ فيهِ. فَتَمَّتْ ترجمتُهُ على أنَّهُ "عَبْدٌ مَمْلُوكٌ" ، باستعمالِ كلمتينِ مختلفتينِ ، هُمَا (“slave” , “bondman”) ، وتُرْجِمَ في الأغلبِ على أنَّهُ "خَادِمٌ" (servant) ، وهذا غيرُ صحيحٍ ، كما ستتمُّ مناقشتُهُ في هذا الفصلِ. ولَمْ تَرِدْ الترجمةُ الصحيحةُ سِوَى في اثنتينِ مِنَ الترجماتِ فقطْ ، وهما اللتَيْنِ أقرنَتا الترجمةَ بمعنى العبادةِ في كلمتينِ مختلفتينِ هُما: ("worshipper" , "votary").

وقد عَبَّرَتْ ثَمَانِي ترجماتٍ عَنْ الفَهمِ الصحيحِ لكلمةِ "عِبَادَتِهِ" ، الواردةِ في الآيةِ الكريمةِ 4: 172 ، وهِيَ المرجعُ القُرآنيُّ في فَهمِ معنى الفعلِ "عَبَدَ" ومشتقاتِهِ ، خاصةً الْمُفْرَدِ الْمُذّكَّرِ ، "عَبْدٌ" ، الذي هُوَ موضوعُ البحثِ الأساسِ في هذا الفصلِ. فقد تُرْجِمَتْ كلمةُ "عِبَادَتِهِ" بكلمتي (His worship) ، أيْ عِبَادَةِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ. ولكنَّ المترجمينَ لَمْ يُطَبِّقُوا معنى العبادةِ هذا على ترجمتِهِم للمفردِ المذكرِ ، أيْ "عَبْدٍ." [1]

وتنطبقُ نفسُ الملاحظةِ على صيغةِ الجمعِ المُشتقةِ مِنْ هذا الفعلِ ، وهي كلمة ُ"عِبَادٍ" ، التي لا ينبغي أنْ يكونَ هناكَ خلافٌ على ترجمتِها ، خاصةً في الآيةِ الكريمةِ 4: 172. ومَع ذلكَ ، فقد تُرجمتْ بتسعِ ترجماتٍ مُختلفةٍ ، أصابتْ اثنتانِ منها لاقترانِهِما بمعنى العبادةِ ، وهُما (“worshippers” , “votaries”). أمَّا الترجماتُ السبعُ الأُخرى لكلمةِ "عِبَادٍ" ، والتي جانَبَها الصوابُ ، فكانتْ "خَدَمَ ، مَمَالِيكَ ، عَبِيدَ (مَمْلُوكُونَ وأِرقَاءَ) ، مخلوقاتٍ ، خُشَّعاً (جَمعُ خاشعٍ) ، رِجَالَ ، ومخلوقاتٍ إنسانيةٍ." [2]

مِثْلُ هذهِ الترجماتِ غيرِ الدقيقةِ لمعانِي آياتِ القرآنِ الكريمِ رُبَّمَا تقودُ القُراءَ ، وخاصةً الذينَ لا يعرفونَ اللغةَ العربيةَ منهم ، مُسلمينَ وغيرَ مُسلمينَ ، لأنْ يعتقدوا بأنَّ القرآنَ الكريمَ يُشيرُ إلى المسلمينَ والمؤمنينَ ، بِما في ذلكَ الرُّسُلِ ، على أنَّهُم "عَبِيدٌ" ، وذلكَ غيرُ صحيحٍ. وحتى بينَ العربِ المسلمينَ ، هناكَ مَنْ اختلط َعليهمُ هذا الأمرُ ، ومَنْ لا يلتزمونَ الدِّقَةَ فيهِ. ولذلكَ ، فإنهم يَخلِطونَ بينَ العِبادِ والعبيدِ ، وبينَ العِبادَةِ والاستعبادِ. ورُبَما يؤدي بهِم ذلكَ لتبني الآراءَ المتطرفةَ لجماعتيِّ الْقَدَرِيَّةِ والْجَبْرِيَّةِ ، اللتينِ ظَهرَتا في نهايةِ القرنِ الأولِ الهجريِّ ، قَبْلَ حواليِّ 1300 سنةٍ مضتْ ، واللتينِ قالَ أدعياؤهُما بأنَّ البشرَ عَبيدٌ مُجْبَرُونَ ، وبالتالي فإنهم لا ينبغي أنْ يُعتبروا مسؤولينَ عَنْ أعمالِهِم. وقد رَدَّ عُلماءُ المسلمينَ عليهِم عَبْرَ القرونِ ، ودَحَضُوا آراءَهُم المخالفةِ لجوهرِ دينِ اللهِ ، الذي يقومُ على الاختيارِ في الحياةِ الدُّنيا ، كأساسٍ للثوابِ والعقابِ في الآخِرَةِ.

ويهدفُ هذا الفصلُ إلى البحثِ في هذا الموضوعِ مِنْ خلالِ مناقشةِ معانِي آياتِ القرآنِ الكريمِ ذاتِ الصلةِ. فيبدأُ بالمقارَنَةِ بينَّ كلمتيِّ "عِبَادٍ" و "عَبِيدٍ" ، كمقدمةٍ لموضوعٍ أشملَ ، وهوَ التخييرُ والتسييرُ ، مِنْ أجلِ الوصولِ إلى إجابةٍ للسؤالِ الذي هوَ عُنوانُ هذا الفصلِ ، أيْ ما إذا كانَ البشرُ عُموماً ، والمؤمنونَ على وجهِ الخصوصِ ، مُخيرينَ في عبادَتِهِم لخالقِهِم ، وفي أقوالِهِم وأفعالِهِم ، أمْ أنهم مُجردُ عبيدٍ مجبرينَ ومسيرينَ ، يُنَفِّذُونَ أمْرَ اللهِ فيهِم ، ولا يملكونَ مِنْ أمْرِهِم شيئاً.

وهكذا ، فالمناقشةُ هَهُنا ، هيَ تكملةٌ لموضوعِ الاستخلافِ والاختيارِ ، الذي بَدَأَتْ مناقشتُهُ في الفصلِ الخامسِ: " الْإنْسَانُ: خَلِيفَةُ اللهِ عَلَى ألأرْضِ" ، لكنَّها تنضوي تحتَ مَنْهَجِ الْوَسَطِيَّةِ ، الذي أشارتْ إليهِ الآيةُ الكريمةُ 2: 143.

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  (الْبَقَرَةُ ، 2: 143).

وفي تفسيرِهِما لهذهِ الآيةِ الكريمةِ ، أشارَ الطبريُّ والقرطبيُّ إلى أنَّ اللهَ ، سُبحانَهُ وتعالى ، يُعَلِّمُ المؤمنينَ بأنْ يأخذوا الأمورَ بالاعتدالِ والتوسطِ ، بعيداً عَنْ التطرفِ الذي أصابَ مَنْ كانَ قَبلَهُم. فأتباعُ موسى ، عليهِ السلامُ ، لَمْ يقبلوا تعاليمَهُ لهم بسهولةٍ ، بَلْ إنهم قد سَبَّبُوا لَهُ الأذى (33: 69). أمَّا أتباعُ عيسى ، عليهِ السلامُ ، فكانَ تَطَرُّفُهُم على النقيضِ ، بأنهم عَظَّمُوهُ ومَجَّدُوهُ إلى درجةِ أنهم أشْرَكُوهُ مَعَ اللهِ في العبادَةِ ، بَلْ حتى عَبدوهُ مِنْ دونِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ (5: 72-73). [3]

وعلى ذلكَ ، فإنَّ الموقفَ الإسلاميَّ مِنْ قضيةِ التخييرِ والتسييرِ هوَ الموقفُ الوسطيُّ المعتدلُ. فبينما لنا الاختيارُ في الأمورِ التي بمقدورِنا فعلِها ، هُناكَ أمورٌ أُخرى خارجةٌ عَنْ قُدُرَاتِنَا ، وبالتالي فليسَ لدينا اختيارٌ حيالِها. وهذا يعني أننا مسؤولونَ أمامَ بعضِنا البعضِ عَنْ قراراتِنا المتعلقةِ بالأمورِ الدُّنيويةِ التي نستطيعُ التأثيرَ أو التحكمَ فيها. كما أننا مسؤولونَ عنها أمامَ الْخَالِقِ ، عَزَ وَجَلَّ ، في الآخِرَةِ. وسَيَتِمُّ استكمالُ البحثِ في هذا الموضوعِ عِنْدَ مناقشةِ مسألةِ "الْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ" ، في الكتابِ الخامسِ عَنْ الإسلامِ لهذا المؤلِّفِ ، بعونِ اللهِ ومشيئتِهِ.

عِبَادٌ أَمْ عَبِيدٌ؟

هناكَ حوالي 243 آيةً في القرآنِ الكريمِ تتضمنُ الفعلَ "عَبَدَ" ومشتقاتِهِ. وقد تمتْ الإشارةُ إلى البشرِ على أنهم "عِبَادٌ" ، وغيرُ ذلكَ مِنْ أشكالِ هذهِ الصفةِ ، في 96 منها. وهناكَ 20 آيةً تُشيرُ إليهم بأنهم "الْعِبَادُ." وفي 4 آياتٍ ، تأتِي كلمةُ "عِبَادٍ" بصيغةِ الفاعلِ. وفي آيتينِ ، تأتِي بصيغةِ المفعولِ بِهِ. وهناكَ 7 آياتٍ بصيغةِ "عِبَادِكَ" (رفعاً ونصباً وجراً) ، و11 آيةً بصيغةِ "عِبَادِنَا" ، كُلُّهَا مجرورةٌ ، وآيةٌ واحدةٌ بصيغةِ "عِبَادَنَا" ، أي أنها جاءتْ منصوبةً ، وهيَ الآيةُ الكريمةُ 45 مِنْ سورةِ ص  (38). كما جاءتْ في 34 آيةً بصيغةِ "عِبَادِهِ" ، وفي 17 منها بصيغةِ "عِبَادِي" وفي 11 منها بصيغةِ "عَابِدُونَ" أو "عَابِدِينَ" أو "عَابِدَاتٍ."

وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (صَ ، 38: 45).

وكلمةُ "عِبَادٍ" هِيَ صِفةٌ جمعيةٌ لا إشكالَ ولا لَبسَ في إقرانِها بِالْعِبَادَةِ بصفةٍ عامةٍ ، مِنْ حيثُ المعنى. أي أنَّ صِفَةَ "الْعِبَادِ" إشارةٌ إلى الصالحينَ مِنَ البشرِ ، الذينَ اختاروا أنْ يَعبُدوا خَالِقَهُم ، عَّزَّ وَجَلَّ ، الذي أوجدَ فيهِم القُدرةَ على الاختيارِ ، في المقامِ الأولِ ، كما جاء في الآياتِ الكريمةِ 2: 186 و 15: 49 و 18: 65. وهناكَ استثناءٌ لهذا المعنى العام ، يتمثلُ في عددٍ قليلٍ جداً مِنَ الآياتِ الكريمةِ ، التي مِنَ المُحتملِ أنْ تُشيرَ كلمةُ "عِبَادٍ" الواردةِ فيها إلى غَيْرِ المؤمنينَ. [4]

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186).

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (الْحِجْرُ ، 15: 49).

فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (الْكَهْفُ ، 18: 65).

وَيَنْطَبِقُ الأمرُ ذاتُهُ أيضاً على الصفةِ المفرَدةِ لكلمةِ "عِبَادٍ" ، أيْ كلمةِ "عَبْدٍ." فلا إشكالَ ولا لَبسَ في أنها تُشيرُ إلى الفردِ الذي يَعْبُدُ خالِقَهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، اختياراً ، وكما هوَ الحالُ في كلمةِ "عَابِدٍ" ، التي وَرَدَتْ مَرَّةً واحدةً ، في الآيةِ الكريمةِ 109: 4.

وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (الْكَافِرُونَ ، 109: 4).

لكنَّ هذهِ الصيغةَ المفردةَ ، أيْ "عَبْدَ" ، قد أُشْكِلَتْ على البعضِ في المعنى ، لكونِها مُفْرَدَةً لصفةٍ جمعيةٍ أُخرى ، هيَ "عَبِيدُ." وما كانَ لمثلِ هذا الإشكالِ أنْ يَقَعَ ، لأنَّ كلمةَ "عَبْدٍ" كصفةٍ مُفردةٍ لكلمةِ "عَبِيدٍ" لَمْ تَرِدْ في القرآنِ الكريمِ إلَّا مَرَّتَيْنِ. ففي الآيةِ الكريمةِ 75 مِنْ سورةِ النَّحْلِ (16) ، ذُكِرَتْ كلمةُ "عَبْدٍ" مقرونةً بكلمةِ "مَمْلُوكٍ" ، التي أضيفتْ لها تأكيداً للمعنى. وقد جاءتْ في سياقِ المثلِ الذي ضربَهُ اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، للمقارنةِ بينَ العبدِ المملوكِ الذي لا يقدرُ على شيءٍ ، وعبدِ اللهِ الصالِحِ الذي يُنفقُ مما رَزَقَهُ اللهُ سِرَّاً وعلانيةً ، في الحياةِ الدُّنيا ، ابتغاءً لمرضاةِ اللهِ. وكانتْ المرَّةُ الثانيةُ ، التي ذُكِرَتْ فيها ، في سياقِ ذِكْرِ اليومِ الآخِرِ ، الذي يُبعثُ فيهِ الناسُ لا حولَ لهم ولا قوةً ، أيْ "عَبِيدَاً" لِمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ، الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 93 مِنْ سورةِ مَرْيَمَ (19).  

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (النَّحْلُ ، 16: 75). 

إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا (مَرْيَمُ ، 19: 93). 

والرَّأيُ الْفَصْلُ في هذا الأمرِ أنَّ الناسَ عامةً ليسوا عبيداً ، بَلْ هُم عِبَادُ اللهِ ، ما داموا يَعبُدونَهُ ، سواءٌ كانتْ الإشارةُ إليهِم بصيغةِ الصفةِ المفردةِ أم بصيغةِ الجمعِ. ودليلُ ذلكَ أنَّ الإشارةَ للأنبياءِ والرُّسُلِ والصالحينَ كانتْ دائماً باستخدامِ كلمةِ "عَبْدٍ" وصيغِها الأُخرى ، مِثلِ "عَبْدِنَا" و "عَبْدِهِ" و "عَبْدِ اللهِ" ، كما جاءَ في 23 آيةٍ مِنْ آيِّ الذِّكْرِ الحكيمِ. وكُلُّهَا تُشيرُ إلى معنى الْعِبَادَةِ الاختياريةِ الْحُرَّةِ ، وليسَ الاستعبادُ القسريُّ ، أيْ أنَّ اللهَ ، سُبحانَهُ وتعالى ، شاءَ لنا أنْ نكونَ عِبَاداً أحراراً ، لا عَبِيدَاً مسلوبيِّ الإرادةِ. [5]  

***

الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى أنَّ الْخَالِقَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، شَاءَ لَنَا أنْ نَكُونَ عِبَادَاً ، لَا عَبِيدَاً

أمَّا الدليلُ القطعيُ على أنَّ كلمةَ "عَبْدٍ" تعني الذي يَعْبُدُ اللهَ ، فَتُقَدِّمُهُ لنا الآيةُ الكريمةُ 172 مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ (4) ، التي تصفُ المسيحَ ، عليهِ السلامُ ، بأنَّهُ كانَ عَبْدَاً للهِ ، أيْ عَابِدَاً لَهُ ، حيثُ قرنتْ صفتَهُ كعبدٍ بفعلِ العبادةِ. أيْ أنَّ هذهِ الآيةَ الكريمةَ تُجيبُ على السؤالِ الأساسِ للبحثِ في هذا الفصلِ مِنَ الكتابِ ، في أننا كبشرٍ لنا الخيارُ في عبادةِ الْخَالِقِ ، عَزَّ وَجَلَّ. وبالتالي ، فإننا نفعلُ ذلكَ اختياراً ، لا إجباراً كالعبيدِ ، أي أننا عبادٌ للهِ اخترنا عبادتَهُ ، ولسنا عبيداً مسلوبيِّ الإرادةِ. كذلك فإنَّ هذهِ الآيةَ الكريمةَ تُخبرُنا بأنَّ الملائكةَ المقربينَ هُم أيضاً عبادُ اللهِ الْمُكْرَمِينَ ، الذين لا يَستنكفونَ عَنْ عِبادَتِهِ ، كما وصفَهُم في الآيةِ الكريمةِ 26 مِنْ سورةِ الأنْبِيَاءِ (21).

لنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (النِّسَاءُ ، 4: 172).

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَـٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 26).

***

الآيَاتُ الْخَمْسُ الَّتِي تَصِفُ الظَّالِمِينَ بِأَنَّهُم "عَبِيدٌ"

أمَّا الآياتُ التي أشارتْ إلى بعضِ الناسِ على أنَّهُم "عَبِيدٌ" بصيغةِ الجمعِ ، فهيَ خمسُ آياتٍ فقطْ ، لأنَّ هذهِ الصفةَ لا تليقُ إلا بالذينَ ظلموا أنفسَهُم ، برفضِهِم ما جاءَ في رسالاتِ اللهِ للبشريةِ ، واستبدالِهِم العبادةَ لخالِقِهم ، عَزَّ وَجَلَّ ، بعبوديتِهِم لشهواتِهِم ، وإصرارِهِم على الكفرِ عَناداً وتكبُّراً. [6]  

تَصِفُ الآيةُ الأولى الظالمينَ بأنَّهُم "عَبِيدٌ" ، وذلكَ في الإشارةِ إلى الحاخامِ اليهوديِّ "فِنْحَاصَ" ، الذي قالَ عَنْ اللهِ ، تبارَكَ وتعالى ، بأنَّهُ فقيرٌ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 182). أمَّا الآيةُ الثانيةُ ، فقد نزلت في الكفارِ الذين قاتلوا المسلمينَ في معركةِ بَدْرٍ (الأنْفَالُ ، 8: 50). وأشارتْ الآيةُ الثالثةُ إلى أحدِ كفارِ قُريشٍ ، وهوَ النَّضْرُ بنُ الحارِثِ (الْحَجُّ ، 22: 10). أمَّا الآيةُ الرابعةُ ، فكانتْ وصفاً لليهودِ الذينَ أرهقوا مُوسَى ، عليهِ السلامُ (فُصِّلَتْ ، 41: 46). وكانتْ الآيةُ الخامسةُ وصفاً للذينَ ضَلُّوا سبيلَهُم في الحياةِ الدُّنيا ، باتباعِهِم لشهواتِهِم ، ثم محاولتِهِم إلقاءَ اللومِ على الشيطانِ (ق ، 50: 29). وفيما يلي تفصيلٌ لهذهِ الآياتِ الخمسِ:

أَوَّلَاً: وَصْفٌ وَرَدٌّ عَلَى الْمُتَكَبِّرِينَ الْمُتَهَكِّمِينَ

لَّقَدْ سَمِعَ اللَّـهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿١٨١ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴿١٨٢ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 181-182).

وكلمةُ "عَبِيدٍ" ، في هذهِ الآيةِ الكريمةِ ، إشارةٌ إلى الذينَ تَهَكَّمُوا على القرآنِ الكريمِ في الآيةِ التي تَحُثُّ على الإنفاقِ ، كما جاءَ في قولِ اللهِ ، تبارَكَ تعالى: "مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا" (الْبَقَرَةُ ، 2: 245). ومِنْ هؤلاءِ الحاخامُ فنحاصُ ، الذي قالَ لأبي بكرٍ الصِّديقِ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، بأنَّ اللهَ فقيرٌ يحتاجُ إلى أموالِهِم ، بينما هُم أغنياءٌ لا يحتاجونَ إليهِ ، عَزَّ وَجَلَّ. وقد ذَكَرَ الطبريُّ والقرطبيُّ وابنُ كثيرٍ بأنَّ هذهِ الآيةَ الكريمةَ هِيَ رَدٌ مِنَ اللهِ ، سُبحانَّهُ وتعالى ، عليهِ وعلى أمثالِهِ مِنْ المتكبرينَ ، مُتوعداً إياهُم بعذابِ الحريقِ على ما قالوا وعلى عَدَمِ إنفاقِهِم للمالِ على الفقراءِ ، كما أمَرَ في رسالاتِهِ للبشريةِ. وانفردَ ابنُ كثيرٍ مُضيفاً بأنَّ هؤلاءِ قد وُصفوا بأنهم "عَبِيدٌ" كتعبيرٍ عَنْ التقريعِ والتوبيخِ والتحقيرِ والتصغيرِ لهم.   

ثَانِيَاً: وَصْفٌ لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ

وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿٥٠ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴿٥١ (الأنْفَالُ ، 8: 50-51).

وتُشِيرُ كلمةُ "عَبِيدٍ" في هذهِ الآيةِ الكريمةِ إلى الكفارِ الذينَ قاتلوا المسلمينَ في معركةِ بَدْرٍ ، والذينَ كانَ الملائكةُ يضربونَهُم على وجوهِهِم وأدبارِهِم عندَ وفاتِهِم ، كما تُخبرُنا الآيةُ السابقةُ لها. وقد ذَكَرَ المفسرونَ الثلاثةُ بأنَّ هذا الوصفَ ينطبقُ على الكفارِ بصفةٍ عامةٍ. وأضافَ الطبريُّ وابنُ كثيرٍ بأنها تصفُ كُفَّارَ بدرٍ ، بصفةٍ خاصةٍ أيضاً.

ثَالِثَاً: وَصْفٌ لِلْمُصِرِّينَ عَلَى الْكُفْرِ عَنَادَاً وَتَكَبُّرَاً ، مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴿٨ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿٩ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّـهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴿١٠ (الْحَجُّ ، 22: 8-10).

ذَكَرَ المفسرونَ الثلاثةُ أنَّ الآياتِ العشرَ الأولى مِنْ سورةِ الْحِجِّ نزلتْ في أحَدِ زعماءِ الكفارِ ، وهوَ النَّضْرُ بنُ الحارِثِ ، الذي كانَ يُجادلُ في أمورٍ هوَ جاهلٌ بِها ، ولا بينةً لديهِ مِنْ كتابٍ ، ولا هُدىً. فقد أنكرَ يومَ البعثِ ، وبِعثةَ رسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وأنَّ القُرآنَ هوَ كلامُ اللهِ. كما ادَّعى بأنَّ الملائكةَ هُم بناتُ اللهِ ، أيْ أنهم مِنَ الإناثِ. كما أنَّهُ كُلما كانَ يُدعى إلى الإسلامِ ، كانَ يَشيحُ بعنقهِ ورأسهِ إلى الناحيةِ الأُخرى ، في تَكَبُّرٍ ، مُحاولاً ألاَّ يسمعَ. وفوقَ ذلكَ كُلُّهُ ، كانَ دائباً في محاولاتِهِ لِيُضِلَّ الناسَ بعيداً عَنْ صراطِ اللهِ المستقيمِ ، ولذلكَ أخزاهُ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، في الدُّنيا ، وتوعدَهُ وأمثالَهُ بعذابِ الحريقِ في الآخِرَةِ.

وهكذا ، فإنَّ كلمةَ "عَبِيدٍ" في الآيةِ العاشرةِ مِنْ سورةِ الْحَجِّ إنما هيَ تعبيرٌ عَنْ الازدراءِ والاحتقارِ لكلِّ مَنْ يُمَثِّلُهُم النضرُ بنُ الحارثِ ، الذينَ يليقُ بِهِم هذا الوصفُ ، لأنَّهُم "عَبِيدٌ" لجهالتِهِم وتكبرِهِم ، مِنْ غيرِ عِلمٍ ولا كتابٍ منيرٍ.

رَابِعَاً: وَصْفٌ لِمَنْ أصَرُّوا عَلَى رَفْضِ التَّوْرَاةِ ، بِدُونِ أنْ يَكُونَ لَدَيْهِمُ أسَاسٌ لِذَلِك

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴿٤٥ مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴿٤٦ (فُصِّلَتْ ، 41: 45-46). 

وكلمةُ "عَبِيدٍ" في هذهِ الآيةِ الكريمةِ تُشيرُ إلى الذينَ رفضوا التصديقَ بأنَّ التوراةَ كانتْ كتابَ اللهِ ، سبحانَّهُ وتعالى ، الذي أرسلَ بِهِ مُوسَى ، عليهِ السلامُ ، لبني إسرائيلَ. ولَمْ يكونوا في ذلكَ على يقينٍ ، بَلْ إنهم كانوا في شكٍ مُريبٍ مما كانوا يقولونَ. ولذلكَ ، فإنهم استحقوا هذا الوصفَ ، أيْ بأنهم كانوا "عَبِيدَاً" لعنادِهِم وتكبرِهِم وجهلِهِم. ولولا أنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، شاءَ تأخيرَ العقوبةِ إلى يومِ الدينِ ، لعاقبَهُم في هذهِ الدُّنيا على ما تفوهوا بِهِ مِنْ إساءَةٍ إلى رسولِ اللهِ مُوسَى ، عليهِ السلامُ ، بإنكارِهِم أنَّ التوراةَ كانتْ مِنْ عندِ اللهِ.

خَامِسَاً: وَصْفٌ لِلْذِينَ هُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ ، مُلْقِينَ الْلَّوْمَ عَلَى الشَّيْطَانِ وَحْدَهُ

قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴿٢٧ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ﴿٢٨ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴿٢٩ (قَ ، 50: 27-29).

تَصِفُ كلمةُ "عَبِيدٍ" في هذهِ الآيةِ الكريمةِ الذينَ هُم على ضلالٍ ، بِانسياقِهِم وراءَ رغباتِهِم وأهوائِهِم ، بعيداً عَنْ صراطِ اللهِ المستقيمِ ، فأصبحوا "عَبِيدَاً" لتلكَ الرغباتِ والأهواءِ. وفي يومِ الحسابِ ، الذي لا ريبَ فيهِ ، سيختصمونَ ضِدَّ شياطينِهِم ، مُدعينَ بأنهم أطْغَوْهُم ، فَيردُّ أقرانُهُم مِنَ الشياطينِ بأنَّ ذلكَ ليسَ صحيحاً ، وأنهم كانوا في ضلالٍ بعيدٍ ، قَبلَ أنْ يستمعوا لوسوسةِ الشياطينِ. فيقولُ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ لهم بأنَّهُ قد توعدَهُم بالعذابِ مِنْ قَبلُ ، وأنهم ذائقوهُ لا محالةَ ، وأنهم لا يلومونَ في ذلكَ إلَّا أنفُسَهُم ، جزاءً وِفاقاً على ضلالِهِم ، نتيجةً لعبوديتِهِم لرغباتِهِم وأهوائِهِم.

***

هَلْ الإنسانُ حُرٌّ مُخَيَّرٌ ، أمْ أنَّهُ مُجْبَرٌ مُسَيَّر؟      

السؤالُ الجوهريُّ الذي طَرَحَهُ كثيرٌ مِنَ الناسِ عَبْرَ القرونِ ، وما يزالُ بعضُهُم يطرحُهُ حتى الآنَ ، هُوَ: هَلْ الإنسانُ مُسَيَّرٌ ، مُجْبَرٌ فيما يفعلُ ، لا حولَ لهُ في ذلكَ ولا قوةً ، أمْ أنهُ حُرٌ ، لهُ الخيارُ فيما يقولُ وما يفعلُ؟ والجوابُ الصريحُ الذي لا مواربةَ فيهِ ، مِنْ وِجهةِ نظرٍ إسلاميةٍ عامةٍ ، هُوَ أننا أحرارٌ في خياراتِنا ، التي نُصبحُ مسؤولينَ عنها أمامَ الناسِ في الحياةِ الدُّنيا ، وأمامَ الْخَالِقِ ، عّزَّ وَجَلَّ ، في الآخِرَةِ. أمَّا في الأمورِ الخارجةِ عَنْ إرادتِنا ، فإننا نَقبلُ مشيئةَ اللهِ ، بما في ذلكَ عِلْمَهُ المحيطِ ، السابقِ للأحداثِ واللاحقِ لها ، وتَدَخُّلَهُ لنصرةِ المؤمنينَ الذينَ يدعونَهُ خوفاً وطمعاً ، كما نُسَلِّمُ "بِدِقَةِ قَدَرِهِ وَعَدَالَةِ قَضَائِهِ" ، كما ستتمُّ مناقشتُهُ في الفصلِ الثالثِ مِنَ الكتابِ الخامسِ لهذا المؤلِّفِ عَنْ الإسلامِ ، إنْ شاءَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى.

ذلكَ ما يُخبرُنا بِهِ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، في آياتٍ عديدةٍ مِنَ القُرآنِ الكريمِ. فهذهِ الحياةُ الدُّنيا على الأرضِ ، ماهيَ إلا اختباراً للبشرِ. فالفائزونَ منهم ، سَيُجْزَوْنَ رِضى اللهِ والحياةَ الأبديةَ في جنةِ خُلدِهِ. أمَّا الأخسرين أعمالاً منهم ، الذينَ يفشلونَ في الاختبارِ ، فلهُم نارُ جهنمَ خالدينَ فيها أبَدَاً. وهذا يعني أنَّ البشرَ لهم الخيارُ في عملِ الصالحاتِ مِنَ الأعمالِ أو اقترافِ السيئاتِ. ولو لَمْ يَكُنْ لهم الخَيارُ في ذلكَ ، لَمَا حاسبَهُم اللهُ على أعمالِهِم ، كيف لا ، وهوَ الذي يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ ، وهُوَ الرَّحْمَـٰنِ الرحيمُ.

***

الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

يُقَدِّمُ لنا القرآنُ الكريمُ الدليلَ الكافيَ على أنَّ الإنسانَ مُخَيرٌ ، لا مُسَيَّراً ، في هذهِ الحياةِ الدُّنيا ، كما توضحُ الآياتُ الكريمةُ التاليةُ:

أوَّلَاً: اللهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، يُشَجِّعُ النَّاسَ عَلَى الاخْتِيَارِ ، خَاصَّةً الْمُبَادَرَةِ بِأعْمَالِ الْخَيْرِ

هُنَاكَ آياتٌ عديدةٌ مِنَ القُرآنِ الكريمِ ، تَذْكُرُ أوامرَ اللهِ ، سُبحانَهُ وتعالى ، للناسِ ، وحتى دعواتِهِ لهم ، بأنْ يُبادروا بأعمالِ الخيرِ التي تُفيدُهُم ، وتُفيدُ غيرَهُم مِنَ الْبَشَرِ. وفي ذلكَ دليلٌ على أنَّهُ ، جَلَّ وعَلا ، يُشجعُ الناسَ على الاختيارِ. ومِنْ خلالِ وعدِهِ بالاستجابةِ للدُّعاءِ ، فإنَّهُ يُشجعُهُم على سؤالِهِ بأنْ يُسْبِغَ عليهِم مِنْ نِعَمِهِ وأنْ يَكشفَ الضُّرَّ عنهم. وذلكَ يَعني أيضاً أنَّ هُناكَ خَياراً أمامَ الناسِ بالدُّعاءِ إلى خالِقِهِم ، وأنَّ هُناكَ وعداً مِنهُ لمساعدتِهِم إنْ قاموا بذلكَ. وقد وَرَدَتْ هذهِ المعانِي في آياتٍ كثيرةٍ ، مِثلِ 9: 105 ، 16: 97 ، 40: 60 ، 7: 55 ، 2: 186 ، 27: 62 ، 47: 19 ، 14: 41 ، كما يلي:  

وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ (التَّوْبَةُ ، 9: 105). 

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  (النَّحْلُ ، 16: 97).  

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غَافِرُ ، 40: 60). 

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً (الأعْرَافُ ، 7: 55). 

 وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186).  

أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ (النَّمْلُ ، 27: 62).

 وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (مُحَمَّدُ ، 47: 19). 

رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 41).

ثَانِيَاً: فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، سَتَتِمُّ مُحَاسَبَةُ النَّاسِ حَتَّى عَلَى أصْغَرِ الأعْمَالِ الَّتِي قَامُوا بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَلَوْ كانَ ذلكَ بِمثقالِ ذَرَّةٍ ، مِنْ خيرٍ أو شرٍ ، كما تُخبرُنا الآياتُ الكريمةُ 99: 6-8

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴿٦ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨ (الزَّلْزَلَةُ ، 99: 6-8).

 ثَالِثَاً: الْبَشَرُ قَادِرُونَ عَلَى الاخْتِيَارِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ

كَانَتْ مشيئةُ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، بِجَعْلِ الإنسانَ خليفةً لَهُ في حُكْمِ الأرضِ ، مبنيةً على عِلْمِهِ بمقدرةِ البشرِ على الاختيارِ بصفةٍ عامةٍ ، وعلى ثِقَتِهِ بقدرتِهِم على الاختيارِ بينَ الخيرِ والشرِّ ، على وَجهِ الخصوصِ. وهكذا ، فإنَّ البشرَ لديهِم القدرةِ على الاختيارِ بينَ الطاعةِ والمعصيةِ.

وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، يُحِبُّ أنْ يَرَى نِعْمَتَهُ على عبادِهِ ، وأنْ يَسمعَ شُكرَهُم لَهُ على ذلكَ ، وأنْ يَرَى طاعَتَهُم لأوامرِهِ واجتنابِهِم لنواهيهِ ، عَنْ اختيارٍ مَحْضٍ مِنهم. فعندما أخبرَ ملائكةَ قُدْسِهِ أنَّهُ سيجعلُ الإنسانَ خليفةً لَهُ على الأرضِ ، تعجبوا مِنْ ذلكَ ، لِعِلْمِهِم بأنَّ الإنسانَ مُفْسِدٌ وسَفَّاكٌ للدماءِ. لكنَّهُ ، جَلَّ وعَلا ، أجابَهُم قائلاً بأنَّهُ يعلمُ عَنْ ذلكَ الإنسانِ ما لَمْ يكونوا هُم يَعلمونَ ، كما جاءَ ذلكَ في الآيةِ الكريمةِ 2: 30.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 30).

فَقَدْ كَانَ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، يَعلمُ بأنَّ بعضَ البشرِ هُم فِعلاً مُفسدونَ في الأرضِ ولا يترددونَ في سَفكِ الدماءِ. لكنَّهُ كانَ يَعلمُ أيضاً أنَّ مِنَ البشرِ مَنْ هُم غيرِ ذلكَ ، أولئكَ الذينَ يُطيعونَ أوامِرَهُ عَنْ اختيارٍ ، ويُسارعونَ في عملِ الخيرِ لأنفسِهِم ولغيرِهِم وللأرضِ كُلِّها. فقد جَبَلَهُم خَالِقُهُم على القُدرةِ على الاختيارِ ما بينَ طريقيِّ الخيرِ والشرِّ ، أيْ أنَّ حريةَ الاختيارِ هِيَ صفةٌ لهم بالولادَةِ ، وليستْ بالتعلُّمِ ، فهيَ جزءٌ مِنْ صبغتِهمِ الوراثيةِ التي أوجدَها الْخَالِقُ فيهِم. ولذلكَ ، فإنَّهُ أثنى على الذينَ يُحافظونَ على أنفسِهِم ويُبقونها زكيةً طاهرةً ، ووصفَهُم بالمُفلحينَ الذين سيفوزونَ بالجنةِ خالدينَ فيها أبداً ، وتَوَعَّدَ الذينَ يُفسدونَها بالعذابِ في يومِ الحسابِ ، كما تُخبرُنا الآياتُ الكريمةُ 76: 3 ، 90: 10 ، 91: 7-10.

إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (الإنْسَانُ ، 76: 3).  

وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (الْبَلَدُ ، 90: 10).  

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿٨ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿١٠ (الشَّمْسُ ، 91: 7-10).

رَابِعَاً: الأعْمَالُ الَّتِي يَخْتَارُ النَّاسُ الْقِيَامَ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا تُكْتَبُ وَتُسَجَّلُ ، لِتكونَ أساساً للحسابِ في اليومِ الآخِرِ. آنذاكَ ، يَتسلمُ الناسُ مِنَ الملائكةِ نوعينِ مِنَ الْكُتُبِ المرقومةِ ، التي تحتوي على السجلِّ الكاملِ لأعمالِ كُلٍّ مِنْهُم. النوعُ الأولُ مِنْ تلكَ الْكُتُبِ هوَ سِجِّينٌ ، الخاصُّ بِالْفُجَّارِ ، الذينَ اختاروا عِصيانَ رَبِّهِم ، وأصروا على إنكارِهِم ليومِ الدينِ ، فمأواهم جَهَنَّمُ ، في أسفلِ سافلينَ. أمَّا النوعُ الثاني فهوَ عِلِّيونَ ، الخاصُّ بالأبرارِ ، الذينَ اختاروا طاعةَ أوامرِ خالِقِهِم ، فقاموا بالأعمالِ الْخَيِّرَةِ في حياتِهِم الدُّنيا ، فجزاؤهُم عِندَ رَبِّهِم حياةٌ خالدةٌ في نعيمِ الْجَنَّةِ ، كما تَذكُرُ لنا الآياتُ الكريمةُ 83: 7-9 و83: 18-20.

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿٧ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴿٨ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿٩ (الْمُطَفِّفِينَ ، 83: 7- 9).  

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴿١٨ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴿١٩ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ ﴿٢٠ (الْمُطَفِّفِينَ ، 83: 18- 20).  

خَامِسَاً: أرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ لِيُخْبِرُوا النَّاسَ بِأنَّهُم قَادِرُونَ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ

بمَا أنَّ النَّفْسَ الإنسانيةَ بمقدورِها أنْ تُفرقَ بينَ الخيرِ والشرِّ ، فإنَّ الحياةَ الأولى على الأرضِ ما هيَ إلَّا اختبارٌ للناسِ حولَ أيُّهُم أحسنُ عملاً ، كما تُخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 67: 2. ولذلكَ ، فإنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، أرسلَ الرُّسُلَ ليخبروا الناسَ بأنَّهُم قادرونَ على ذلكَ ، وأنَّ عليهِم فِعلَ الخيرِ خلالَ حياتِهِم. وبناءً على أفعالِهِم في هذهِ الدُّنيا ، سَيُجْزَوْنَ إمَّا الخلودَ في الجنةِ ، أو العقابَ في النارِ ، كما نقرأُ في الآيتينِ الكريمتينِ 17: 15 و 4: 165.

الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الْمُلْكُ ، 67: 2).  

وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا (الإسْرَاءُ ، 17: 15).

رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النِّسَاءُ ، 4: 165).

***

الْوَسَطِيَّةُ ، فِي بَيَانِ أوْجُهِ التَّخْيِيرِ وَالتَّسْيِيرِ

الْبَحْثُ والنِّقَاشُ في العلاقةِ ما بينَ التخييرِ والتسييرِ ليسَ جديداً ، فقد بدأَ ذلكَ في السنواتِ الأولى مِنْ صدرِ الإسلامِ. والرأيُ السائدُ في هذا الموضوعِ هوَ أنَّ البشرَ لهم حريةَ الاختيارِ في الأمورِ التي يقدرونَ عليها في هذهِ الحياةِ الدُّنيا ، فلَا "يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" (الْبَقَرَةُ ، 2: 286). لكنْ ، هُناكَ اتفاقٌ أيضاً على أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، لَهُ قدَرُهُ وقضاؤهُ المستقليْنِ عَمَّا يستطيعُ الناسُ أنْ يقوموا بِهِ. ويَشملُ ذلكَ عِلْمَهُ المحيطِ ، أيْ السابقِ واللاحقِ للإحداثِ ، فهوَ ، تبارَكَ وتعالى ، "قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا" (الطَّلاقُ ، 65: 12). كما يَشملُ تَدَخُّلَهُ إنْ شاءَ لمساعدةِ الذينَ يسألونَهُ بالدعاءِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186 ، غافر ، 40: 60) ، وعقابَ مَنْ يرفضونَ الإيمانَ بِهِ ، ويَسْعَوْنَ في الأرضِ بالفسادِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 205 ، فُصِّلَتْ ، 41: 13). [7]

وبِما أنَّ الناسَ لا يعلمونَ شيئاً عَنْ قَدَرِ اللهِ وقضائِهِ ، وعَمَّا إذا كانَ سيتدخلُ لهُم أو عليهِم ، فإنَّ أفضلَ ما يستطيعونَ القيامَ بِهِ أنْ يَتَّبِعُوا أوامرَهُ ويجتنبوا نواهِيهِ. وعندما يفعلونَ ذلكَ ، فإنهم يفوزونَ في امتحانِهِ لهم ، فينعموا بالسعادةِ في هذهِ الدُّنيا ، وينالوا الجائزةَ الكُبرى ، ألا وهيَ الحياةَ الأبديةَ في جَنةِ الخلدِ ، في الحياةِ الأُخرى.

هذا هوَ جوهرُ منهجِ الوسطيةِ للبحثِ في موضوعِ التخييرِ والتسييرِ ، ومُلَخَّصُهُ أنَّ البشرَ أحرارٌ في خياراتِهِم ، التي يُصبحونَ مسؤولينَ عنها ، ولكنَّ المؤمنينَ مِنْ بينِهِم يَرجونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرجو غيرُهُم (النِّسَاءُ ، 4: 104). كما أنَّهُم يؤمنونَ بِدِقَّةِ قَدَرِ اللهِ وعدالةِ قضاْئِهِ ، كما ستتمُّ مناقشتُهُ في الفصل الثالثِ من الكتابِ الخامسِ لهذا المؤلِّف ، عنْ الإسلامِ ، إنْ شاءَ اللهُ. أمَّا بالنسبةِ للأمورِ الخارجةِ عَنْ قُدُرَاتِ البشرِ ، فلا خيارَ لهم في ذلكَ. [8] 

وقد تناولَ النبيُّ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، هذا الموضوعِ بالشرحِ ، فقالَ بالاختيارِ والمبادرةِ الإنسانيةِ ، والتي لا تتعارضُ مَعَ قَدَرِ اللهِ وقضائِهِ ، بما في ذلكَ مشيئتِهِ وعِلمِهِ المُحيطِ. فذاتَ يومٍ ، سألهُ أحدُ الصحابةِ ، رضوانُ اللهِ عليهِ ، عَمَّا إذا كانَ التداويَ مِنَ الأمراضِ يتعارضُ مَع قَدَرِ اللهِ وقضائِهِ ، فأجابَهُ الرسولُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، بالنفيِّ قائلاً: "هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ" أيضاُ. [9]

وفي حديثٍ آخَرَ ، حَثَّ الرسولُ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، المؤمنينَ بأنْ يُبادروا بعملِ ما يَنفعُهُم ، وأنْ يكونوا أقوياءَ في ذلكَ ، مَع استعانتِهِم باللهِ ، فقالَ: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَلَا تَعْجَزْ. فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا ، وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ."  [10]

وقد سألَ الصحابيُّ أبو عُبيدةَ بنُ الجرَّاحِ أميرَ المؤمنينَ عُمَرَ ، رضيَ اللهُ عنهما ، عَنْ موضوعِ التخييرِ والتسييرِ أيضاً ، فأجابَهُ عُمَرُ بنفسِ إجابةِ رسولِ اللهِ ، صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ. وكانَ ذلكَ عندما أرادَ الخليفةُ أنْ يُسافرُ لبلادِ الشامِ مَع مجموعةٍ مِنَ الصحابةِ الكِرامِ. فبعدَ أنْ خرجوا مِنَ المدينةِ فعلاً ، عَلِمُوا بأنَّ وباءً قد انتشرَ هُناكَ ، وهوَ الذي عُرِفَ فيما بعدُ بطاعونِ عُمواسٍ ، في فلسطينَ. فقرَّرَ عُمَرُ العودةَ للمدينةِ ، فسألَهُ أبو عُبيدةَ بنُ الجرَّاحِ قائلاً: "أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟" فقَالَ لَهُ عُمَرُ: "نَعَمْ ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ، إِلَى قَدَرِ اللَّهِ."  [11]  

وهُناكَ قولٌ مأثورٌ لعبدِ القادرِ الجيلانيِّ (470-561 للهجرةِ) ، رَحِمَهُ اللهُ ، في هذا الأمر ، حيث قال: "فَنَازَعْتُ أقْدَارَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ ، والرَّجُلُ مَنْ يَكُونُ مُنَازِعَاً لِلْقَدَرِ ، لا مَنْ يَكُونُ مُوافِقَاً لِلْقَدَرِ." [12]  

وعلى الرغمِ مِنْ هذا الوضوحِ عَنْ الاختيارِ في الآياتِ الكريمةِ وشرحِ الرسولِ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وتطبيقِ عُمَرَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، إلَّا أنَّ بعضَ المسلمينَ تَطَرَّفُوا في فَهْمِ العلاقةِ بينَ قُدْرَةِ الناسِ على الاختيارِ ومشيئَةِ اللهِ المستقلةِ. فَمَعْ نهايةِ القرنِ الأولِ الهجريِّ ، ظهرتْ فِرَقٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ ، التي اختلفتْ في فهمِها لهذهِ العلاقةِ عَنْ غالبيةِ عُلَمَاءِ المسلمينَ. فقالتْ الْقَدَرِيَّةُ بالاختيارِ الإنسانيِّ الكاملِ ، بدونِ أيِّ "قَدَرٍ" أو تَدَخُّلٍ مِنَ اللهِ ، عّزَّ وَجَلَّ ، أيْ أنَّ الناسَ يتحكمونَ في "أقْدَارِهِم." وقالتْ الْجَبْرِيَّةُ بعدمِ وجودِ أيِّ خَيَارٍ إنسانيٍّ على الإطلاقِ ، أيْ أنَّ الناسَ ليسَ لهم خِيرَةٌ فيما يقومونَ بِهِ مِنْ أعمالٍ ، بما في ذلكَ ارتكابِ الذنوبِ والمعاصِي. وهكذا ، فإنَّهُم "مُجْبَرُونَ" على تنفيذِ إرادةِ اللهِ ، سُبحانَهُ وتعالى ، بدونِ أنْ يكونَ لهم أيَّ خِيرَةٍ في ذلكَ.

والواضحُ أنَّ الجماعتينِ قد تَطَرَّفَتَا في فهمِهِما لهذا الأمرِ بِما يُنَاقِضُ جوهرَ التعاليمِ الإسلاميةِ التي نَصَّتْ عليها آياتُ القرآنِ الكريمِ ، وشَرَحَهَا الرسولُ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، وطَبَّقَهَا عُمَرُ والصحابةُ الكِرامُ ، رضيَ اللهُ عنهُم ، والتي تقولُ بالاختيارِ الإنسانيِّ في الأمورِ التي هيَ بمقدورِ البشرِ ، والذي تَتْبَعُهُ المسؤوليةُ في هذهِ الحياةِ الدُّنيا ، والثوابُ والعقابُ في الآخِرَةِ. وقد تَبَرَّأَ الصحابةُ المتأخرينَ مِنْ أقوالِ تلكَ الجماعاتِ وَرَدَّ عليها عُلَماءُ المسلمينَ ، مِنْ أمثالِ ابنِ تَيْمِيَّةَ ، داحِضِينَ خروجِها وترهاتِها. [13]

***

آيَاتٌ عَنْ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ قَدَرِ اللهِ وَحُرِّيَّةِ الاخْتِيَارِ الإنْسَانِيِّ

يَزْخَرُ القُرآنُ الكريمُ بآياتٍ عديدةٍ تُشيرُ إلى العلاقةِ ما بينَ حُرِّيَّةِ الاختيارِ الإنسانيِّ وقَدَرِ اللهِ وقضائِهِ. ومُجْمَلُ القولِ في هذهِ العلاقةِ أنَّ الذينَ يُظْهِرُونَ استعدادَهُم للخيرِ ، فيقومونَ بصالحِ الأعمالِ ، ويسألونَ اللهَ الهدايةَ ، ويطلبونَ عَوْنَهُ ، فإنَّهُ سيهدِيهِم ، ويُعِينُهُم ، ويَجْزِيهِم أحسنَ الجزاءِ. أمَّا الذينَ يُظْهِرُونَ استعدادَهُم للشرِّ ، فيرتكبونَ سَيِّئَ الأعمالِ ، ويعتقدونَ أنهم مستقلونَ تماماً عَنْ خالِقِهِم ، فلا يَسْعَوْنَ للهدايةِ أو للعونِ مِنْهُ ، فإنَّهُ سَيُضِلُّهُم في هذهِ الحياةِ الدُّنيا ، ويُعاقِبُهُم على أعمالِهِم الشريرةِ في الآخِرَةِ.

والآياتُ الكريمةُ التاليةُ توضحُ لنا ذلكَ. فتشيرُ الآيةُ 27 مِنْ سورةِ إبْرَاهِيمَ (14) إلى هدايةِ اللهِ للمؤمنينِ وإضلالِهِ للظالمينَ ، والآيةُ 34 مِنْ سورةِ غَافِرٍ (40) إلى إضلالِ المُسرفِ المُرتابِ ، والآيةُ 74 مِنْ سورةِ غَافِرٍ أيضاً (40) إلى إضلالِ الكافرينَ ، والآيةُ الأولى مِنْ سورةِ مُحَمَّدٍ (47)  إلى إضلالِ أعمالِ الكُفارِ ، والآيةُ الثانيةُ مِنْ سورةِ مُحَمَّدٍ (47) إلى إصلاحِ بالِ المؤمنينَ ، والآيةُ 15 مِنْ سورةِ هُودٍ (11) إلى الاختيارِ في المَيلِ للأمورِ الدنيويةِ ، والآيتانِ 28-29 مِنْ سورةِ التكويرِ (81)  إلى مشيئةِ الإنسانِ ومشيئةِ اللهِ ، والآياتُ 5-10 مِنْ سورةِ الليلِ (92) إلى الموقفِ الإلهيِّ مِنَ الاختيارِ الإنسانيِّ في الإنفاقِ أو البُخلِ ، والآيتانِ 55-56  مِنْ سورةِ الْمُدَّثِّرِ (74) إلى الموقفِ الإلهيِّ مِنَ الاختيارِ الإنسانيِّ لذِكرِ اللهِ أو عَدَمِهِ ، والآيةُ 78 مِنْ سورةِ النِّسَاءِ (4) إلى الموقفِ الإلهيِّ مِنَ الأحداثِ التي تُصيبُ الناسَ ، خيراً أم شراً ، والآيةُ 28 مِنْ سورةِ الأعْرَافِ (7) إلى أنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لا يأمرُ بالفحشاءِ ، وإنما يَنهى عَنْ ذلكَ ، كما ذَكَرَ في الآيةِ 90 مِنْ سورةِ النَّحْلِ (16) ، كما يلي:   

يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّـهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّـهُ مَا يَشَاءُ (إبْرَاهِيمُ ، 14:  27).

كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّـهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (غَافِرُ ، 40:  34).

كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّـهُ الْكَافِرِينَ (غَافِرُ ، 40:  74). 

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّـهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (مُحَمَّدُ ، 47: 1).

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (مُحَمَّدُ ، 47: 2).

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُون (هُودُ ، 11: 15).  

 لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ  (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (التَّكْوِيرُ ، 81: 28-29).

فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ ﴿٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ﴿٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴿٧ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ ﴿٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ ﴿٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ﴿١٠ (الْلَّيْلُ ، 92: 5-10).

فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 55). 

  وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (الْمُدَّثِّرُ ، 74: 56). 

وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (النِّسَاءُ ، 4: 78). 

وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّـهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الأعْرَافُ ، 7: 28).

إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل ، 16: 90). صدق الله العظيم. 

***

الْخُلاصَةُ

الْجَوَابُ الْمُبَاشِرُ للسؤالِ الذي يتضمنهُ عنوانُ هذا الفصلِ هوَ أنَّ البشرَ ليسوا عَبِيدَاً مُجْبَرِينَ على الإيمانِ بِخالِقِهِم ، عَزَّ وَجَلَّ ، أو على الكُفرِ بِهِ. وعلى العكسِ مِنْ ذلكَ ، فلهم الخيرةُ في إيمانِهِم أو كُفرِهِم ، وفي القراراتِ والأعمالِ التي بمقدورِهِم القيامَ بها. لكنَّ الاختيارَ الإنسانيَّ ليسَ مُطلقاً ، فهناكَ أمورٌ خارجةٌ عَنْ قُدُرَاتِ البشرِ ، فلا خيارَ لهم في ذلكَ. وبالتالي ، فإنَّ المُحاسبَة بينَهم في الدُّنيا وأمامَ اللهِ في الآخِرَةِ ، إنما تكونُ على تصرفاتِهِم إزاءَ ما يستطيعونَ القيامَ بِهِ ، بمحضِ إرادتِهِم وحريةِ اختيارِهِم.

فاللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، شاءَ للبشرِ أنْ يكونوا أحراراً في اختياراتِهِم ، وفي علاقاتِهِم مَع بيئاتِهِم الطبيعيةِ والاجتماعيةِ ، وفي علاقتِهِم مَعَهُ. وَلِعِلْمِهِ بأنَّ الكثيرينَ منهم سيكونونَ عندَ حُسْنِ ظَنِّهِ بهم ، فإنهُ شاءَ أنْ يجعلَهُم خلفاءَ لهُ في حكمِ الأرضِ. وذلكَ يُفَسِّرُ قبولَهُ لطلبِ الشيطانِ منهُ بتأجيلِ عقابِهِ ، حتى يُثْبِتَ زَعْمَهُ بأنهم غيرُ جديرينَ بثقةِ اللهِ بهِم. لكنهُ وعدَ بمعاقبةِ الشيطانِ والذينَ يختارونَ اتِّباعَهُ مِنَ الناسِ ، فيتسببونَ بالأذى لأنفسِهِم ولغيرِهِم وللأرضِ التي اؤتمنوا على حُكمِها.

وكانَ قبولُ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، لطلبِ إبليسَ ، بناءً على عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بأنَّ هُناكَ مِنَ الناسِ مَنْ سيعبدونَهُ حُبَّاً وطوعاً واختياراً. ولذلكَ ، فهوَ يُشيرُ أليهِم في كتابِهِ العزيزِ بأنهم "عِبَادُهُ" ، الذين سينالونَ حُسْنَ الجزاءِ ، في الحياةِ الأبديةِ ، في جَنَّتِهِ. كما حَذَّرَ الذينَ يختارونَ معصيتَهُ بالعذابِ الأليمِ في نارِ جهنمَ.

ولو أنَّ اللهَ ، تبارَكَ وتعالى ، شاءَ للبشرِ أنْ يكونوا "عَبِيدَاً مُجْبَرِينَ" ، دونما حريةٍ أو اختيارٍ ، لكانوا كذلكَ. ولو كانتْ تلكَ هيَ مشيئتُهُ ، لَمَا كانَ باستطاعةِ هؤلاءِ "الْعَبِيدِ" أنْ يَرتكبوا المعاصيَ والسيئاتِ. وبالتالي ، ما كانتْ هُناكَ حاجةٌ لليومِ الآخِرِ ، ولا للحسابِ أو للعقابِ.

وبما أنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، شاءَ للبشرِ أنْ يكونوا أحراراً في اختياراتِهِم ، فإنَّ استعبادَهُم يُمَثِّلُ معصيةً عظيمةً لمشيئتِهِ ، ورِجساً كبيراً ، لأنَّ ذلكَ يَحْرِمُهُم مِنْ حُرِّيَّةِ الاختيارِ التي وهبَها اللهُ لهم. وقد كَرَّمَ اللهُ البشرَ بصفةٍ عامةٍ ، وخاصةً المؤمنينَ منهم ، بالإشارةِ إليهم على أنهم "عِبَادُهُ." ولم تتمْ الإشارةُ للبشرِ على أنهم "عَبِيدٌ" ، في القُرآنِ الكريمِ كُلِّهِ ، إلا في خمسِ آياتٍ فقطْ ، كانتْ جميعاً تصفُ الذينَ ظلموا أنفسَهُم برفضِهِم لِما جاءَ في رسالاتِ اللهِ التي بعثها للإنسانيةِ. وهكذا ، فهؤلاءِ هُم "عَبِيدٌ" لتكبرِهِم وجهلِهِم وعنادِهِم وضلالِهِم.

وَحُرِّيَّةُ الاختيارِ التي وهبَها اللهُ للإنسانِ هي جزءٌ أساسٌ مِنْ امتحانِهِ خلالَ حياتِهِ الدُّنيا على الأرضِ. ولذلكَ ، فلا يتمتعُ بها في اليومِ الآخِرِ ، الذي يُبْعَثُ فيهِ للحسابِ. ففي ذلكَ اليومِ ، يقفُ الإنسانُ أمامَ ربِّهِ "عَبْدَاً" ، لا اختيارَ ولا قوةَ ولا حيلةَ لَهُ ، كما تُخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 93 مِنْ سورةِ مَرْيَمَ (19).

وتطبيقاً لِما جاءَ في آياتِ القُرآنِ الكريمِ ، فإنَّ الرسولَ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، والصحابةَ الكرامَ ، رضيَ اللهُ عنهم ، والغالبيةَ العُظمى مِنْ عُلَمَاءِ المسلمينَ ، قد حثوا الناسَ على العملِ بجدٍ واجتهادٍ ، وباتخاذِ المبادراتِ التي تُفيدُهم في أمورِ دُنياهُم. أيْ أنَّ على الناسِ أنْ يفعلوا ذلكَ بدونِ ترددٍ ، ما داموا يتَّبعونَ تعاليمَ اللهِ وأوامرَهُ لهم ، وذلكَ لأنَّ اختياراتِهِم هيَ أيضاً جزءٌ مِنْ عِلْمِ اللهِ المُحيطِ ، وبالتالي مِنْ قَدَرِهِ ، جَلَّ وَعَلَا.

أخِيرَاً ، فإنَّ مُتَرْجِمِي السبعَ عشرةَ ترجمةً للقرآنِ الكريمِ ، التي ذُكِرَتْ في هذا الفصلِ ، قد بذلوا قُصارَى جَهدِهِم لتوصيلِ رسالةِ اللهِ للبشريةِ ، مِنْ نَصِّهَا العربيِّ الأصيلِ إلى قُرَّاءِ اللغةِ الإنكليزيةِ ، في أنحاءِ العالَم ، جزاهُم اللهُ أحسنَ الثوابِ على جهودِهِم في هذا المِضمارِ. لكنَّ مِنَ الواضحِ أنهم جميعاً ، باستثناءِ قريبِ اللهِ ودرويش ، لَمْ يكونوا على درجةٍ كافيةٍ مِنَ الدِّقَّةِ في ترجماتِهِم ، كما تَمَّتْ مناقشتُهُ آنفاً. [14]

والْحَلُّ الأمثلُ أنْ تَتِمَّ ترجمةُ معانِي آياتِ القرآنِ الكريمِ مِنَ اللغةِ العربيةِ إلى اللغاتِ الأُخرى ، بما في ذلكَ اللغةِ الإنكليزيةِ مِنْ خلالِ لجنةٍ مِنْ عُلماءِ المسلمينَ ، التي ينبغي أنْ تتكونَ مِنَ المُترجمينَ ، وعُلماءِ القُرآنِ والسُّنَّةِ المتمكنينَ مِنَ اللغةِ العربيةِ ، بالإضافةِ لعلماءِ العلومِ الطبيعيةِ والاجتماعيةِ. ومِثلُ هذهِ اللجنةِ مِنْ شأنِها أنْ تُقَدِّمَ ترجماتٍ تفوقُ بكثيرٍ ، مِنْ حَيثُ دقتِها ، الترجماتِ الفرديةَ الحاليةَ ، لأنها تقدمُ للمترجمينَ تفسيراً لغوياً وعلمياً لآياتِ القرآنِ الكريمِ.

لقد حَانَ الوقتُ الذي ينبغي فيهِ توصيلُ رسالةَ اللهِ لآلافِ الملايينِ مِنَ البشرِ على هذهِ الأرضِ ، مُتَرْجَمَةً بِدِقَّةٍ ، مِنْ قِبَلِ خبراءٍ متخصصينَ في مُختلفِ العلومِ ، لِتَحِلَّ مَحِلَّ الجهودِ الفرديةِ للمترجمينَ الحاليينَ ، جزاهُم اللهُ خيراً عِنْ إسهاماتِهِم في نشرِ كلمةِ اللهِ بينَ الناسِ. هذهِ دعوةٌ مِنْ هذا المؤلِّفِ لكلِّ مُهتمٍ بهذا الأمرٍ ، للمبادرةِ بذلكَ ، وللإسهامِ في هذا العملِ الجليلِ.


 

مُلاحَظَاتٌ اسْتِطْرَادِيَّةٌ وَتَوْثيِقِيَّةٌ

***



مُلاحَظَاتٌ اسْتِطْرَادِيَّةٌ وَتَوْثِيقِيَّةٌ لِلْفَصْلِ السَّابِعِ

[1] التَّرْجَمَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ لوصفِ القُرآنِ الكريمِ لِرُسِلِ اللهِ ، سُبْحَانَهُ وتَعَالَى ، في 17 ترجمةً ، منشورةً في موقعِ شبكةِ تنزيل (www.tanzil.net):

يَصِفُ القُرآنُ الكريمُ رُسُلَ اللهِ ، عليهِمُ الصلاةُ والسلامُ ، بأنَّ كُلاً مِنهم هوَ "عَبْدُ" اللهِ. فعلى سبيلِ المِثالِ ، جاءَ ذلكَ في وصفِ عيسى بنِ مَرْيَمَ في الآيةِ الكريمةِ 4: 172 ، وفي وصفِ مُحَمَّدٍ في الآيةِ الكريمةِ 17: 1 ، ونُوحٍ في الآيةِ الكريمةِ 17: 3 ، وزكريا في الآيةِ الكريمةِ 19: 2 ، ودَاوُودَ في الآيةِ الكريمةِ 38: 17 ، وأيُّوبَ في الآيةِ الكريمةِ 38: 41.

وَتُفَسِّرُ لنا الآيةُ الكريمةُ 4: 172 أنَّ كلمةَ "عَبْدِ" اللهِ تَعني الذي يَعْبُدُ اللهَ ، أيْ أنَّ الرُّسُلَ هُم عِبَادُ اللهِ. ولا لَبْسَ في ذلكَ بالنسبةِ للقُراءِ الذينَ يُجيدونَ اللغةَ العربيةَ ، ويستطيعونَ فَهْمَ (أو البحثَ عَنْ) معانِي كلماتِ النُّسخةِ العربيةِ الأصليةِ للقُرآنِ الكريمِ ، المعروفةِ بِمُصْحَفِ عُثْمَانَ. لكنَّ الأمرَ يختلفُ عِندَ الترجمةِ إلى اللغاتِ الأُخرى ، مثلِ اللغةِ الإنكليزيةِ في هذهِ الحالةِ. فالترجمةُ الدقيقةُ تتطلبُ إجادةَ اللغتينِ معاً ، وليسَ واحدةً على حسابِ الأُخرى. كما أنَّ الترجمةَ الدقيقةَ لمعانِي آياتِ القرآنِ الكريمِ تحديداً ، تتطلبُ أنْ يكونَ المترجمُ على عِلمٍ بالقُرآنِ جُملةً وتفصيلاً.

وإذا لَمْ تتوفرْ هذهِ الشروطُ ، فإنَّ الترجمةَ رُبَّمَا تُسْفِرُ عَنْ تقديمِ معانٍ مختلفةٍ تماماً لكلماتِ الآياتِ الكريمةِ ، كما هوَ الحالُ في المثالِ المُشارِ إليهِ أعلاهُ. فَمِنْ بينِ سبعَ عشرةَ ترجمةً للقُرآنِ الكريمِ إلى اللغةِ الإنكليزيةِ ، توصلتْ ترجمتانِ فقطْ للمعنى الصحيحِ لكلمةِ "عَبْدٍ" ، أيْ الذي يَعْبُدُ اللهَ. كانتْ الأولى (worshipper) لقريبِ اللهِ ودرويش ، وكانتْ الثانيةُ (votary) لأحمد عَلِي ، وهيَ قديمةُ الاستعمالِ.

أمَّا الترجماتُ الأُخرى ، فلمْ يَكُنْ بعضُها دقيقاً ، ولَمْ يَثْبُتْ بعضُها الآخَرِ على استعمالِ المعنى الصحيحِ باستمرارٍ ، مِمَّا أدَّى بِأغلبِها أنْ تُتَرْجَمَ فيها كلمةُ "عَبْدٍ" بكلمةِ "خَادِمٍ" (servant) أو بكلمةٍ تَعني "عَبْداً مَمْلُوكَاً" (bondman) ، أو بكلمةٍ تَعني "عَبْدَاً رَقِيقَاً" (slave) ، كما يُوَضِّحُ الجدولُ الأولُ (المُلحقُ بهذهِ الملاحظةِ).

فَفِي ترجمةِ كلمةِ "عِبَادَتِهِ" في الآيةِ الكريمةِ 4: 172 ، التي تُقَدِّمُ لنا التفسيرَ القُرآنيَّ لمعنى كلمةِ "عَبْدٍ" ، أيْ الذي يَعْبُدُ اللهَ ، أظهرتْ سِتُّ ترجماتٍ فهماً صحيحاً لِمعناها ، باستخدامِ كلمةِ (worship). وكانتْ تلكَ ترجماتُ أحمد خان ، وهلالي وخان ، وقريبُ الله ودرويش ، وصحيح العالمي ، وساروار ، ويوسف علي. ولكنْ واحدةٌ منها فقطْ هيَ التي طَبَّقَتْ ذلكَ الفهمَ في ترجمةِ الكلمةِ المفردةِ "عَبْدٍ" بشكلٍ صحيحٍ ، وهيَ ترجمةُ قريبُ اللهِ ودرويش(worshipper)  ، حيثُ تَمَّ استعمالُ المعنى الصحيحِ في ترجمةِ هذهِ الكلمةِ ، في جميعِ الآياتِ الكريمةِ التي ذُكِرَتْ فيها.

أمَّا الترجماتُ الخمسُ الأُخرى التي أظهرتْ فهماً صحيحاً لمعنى كلمةِ "عِبَادَتِهِ" ، فإنها لَمْ تُطَبِّقْ ذلكَ الفهمَ في ترجمةِ الصفةِ المفردةِ "عَبْدٍ." فقد طَبَّقَ ساروار ذلكَ الفهمَ مَرَّةً واحدةً ولكنْ باستعمالِ الاسمِ (worship) ، بدلاً مِنَ الصفةِ المفردةِ (worshipper). كذلكَ فعلَ يوسف علي ، لكنَّهُ استعملَ الفعلينِ (to serve and worship) ، بدلاً مِنَ الصفةِ المفردةِ (worshipper). وتَرْجَمَهَا أحمد خان بكلمةِ (bondman) ، وترجمَها هلالي وخان بكلمةِ  (slave)، كما تُرْجِمَتْ بكلمةِ (servant) ، مِنْ قِبَلِ صحيح العالمي.

ولَمْ يُظْهِرْ أحمد علي فهماً صحيحاً للاسمِ ، "عِبَادَتِهِ" ، فترجمَهُ (to serve) ، لكنَّهُ أصابَ في الصفةِ المفردةِ (votary). وترجمَها داريابادي بكلمةِ(bondman)  ، كما تُرْجِمَتْ بكلمةِ (servant) مشنْ قِبَلِ آربِري وأسد ومودودي وشاكر. أما بِكثال ، فقد استخدمَ ثلاثَ ترجماتٍ مختلفةٍ للصفةِ المفردةِ "عَبْدٍ" ، هيَ: slave, servant, bondman ، وكذلكَ فعلَ يوسف علي ، الذي استعملَ ثلاثَ ترجماتٍ مختلفةٍ أيضاً ، هيَ: to worship, servant, devotee.

وبحلولِ شهرِ شوالٍ مِنْ عامِ 1439 للهجرةِ (يونيو 2018 للميلادِ) ، أضافَ نفسُ الموقعِ (www.tanzil.info)  ، أربعَ ترجماتٍ أُخرى للقُرآنِ الكريمِ ، مِنْ تأليفِ عيتاني ، ومبارك بوري ، وقراي ، ووحيد الدين. وقد أظهرتْ جميعُها فهماً صحيحاً لمعنى كلمةِ "عِبَادَتِهِ" ، فكانتْ ترجمتُها بكلمةِ (worship) . ومَع ذلكَ ، فإنها لَمْ تُطَبِّقْ ذلكَ الفهمَ على الصفةِ المفردةِ "عَبْدٍ" ، التي تُرْجِمَتْ فيها جميعاً بكلمةِ "خَادِمٍ" (servant) ، في الآياتِ السِّتِّ المذكورةِ في الجدولِ الأولِ. وكانَ الاستثناءُ الوحيدُ في ترجمةِ مبارك بوري ، الذي تَرجمَها بالكلمةِ التي تعني "عَبْدَاً رَقِيقَاً" في آيةٍ واحدةٍ فقطْ ، هِيَ 38: 17.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الْجَدْوَلُ الأوَّلُ

تَرْجَمَةُ كلمةِ "عَبْدٍ" ، التي تصفُ الرُّسُلَ ، عليهِمُ السلامُ ، في علاقةِ كُلٍ منهُم مَعَ اللهِ ،

كما وردتْ في 13 ترجمةً للقرآنِ الكريمِ ، منشورةً على موقعِwww.tanzil.info  (2010)

 

الْمُتَرْجِمُونَ

 

Translators

الآيةُ Verse

4: 172

عيسى

الآيةُ Verse

17: 1

محمد

الآيةُ Verse

3: 17

نوح

الآيةُ Verse

19: 2

زكريا

الآيةُ Verse

38: 17

داود

الآيةُ Verse

38: 41

أيوب

Ahmed Ali

أحمد علي

votary

عَابِدٌ وَرِعٌ

votary

عَابِدٌ وَرِعٌ

votary

عَابِدٌ وَرِعٌ

votary

عَابِدٌ وَرِعٌ

votary

عَابِدٌ وَرِعٌ

votary

عَابِدٌ وَرِعٌ

Ahmed Khan

أحمد خان

bondman

عَبْدٌ مَمْلُوكٌ

bondman

عَبْدٌ مَمْلُوكٌ

bondman

عَبْدٌ مَمْلُوكٌ

bondman

عَبْدٌ مَمْلُوكٌ

bondman

عَبْدٌ مَمْلُوكٌ

bondman

عَبْدٌ مَمْلُوكٌ

Arberry

آربَري

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

Asad

أسد

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

Servant

خَادِمٌ

Daryabadi

داريابادي

bondman

عبدٌ مملوك

bondman

عبدٌ مملوك

bondman

عبدٌ مملوك

bondman

عبدٌ مملوك

bondman

عبدٌ مملوك

bondman

عبدٌ مملوك

Hilali & Khan

هلالي و خان

slave

عَبْدٌ رَقِيقٌ

slave

عَبْدٌ رَقِيقٌ

slave

عَبْدٌ رَقِيقٌ

slave

عَبْدٌ رَقِيقٌ

slave

عَبْدٌ رَقِيقٌ

slave

عَبْدٌ رَقِيقٌ

Maududi

مودودي

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

Pickthall

بِكثال

slave

عَبْدٌ رَقِيقٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

bondman

عَبْدٌ مَمْلُوكٌ

bondman

عَبْدٌ مَمْلُوكٌ

Qaribullah & Darwish

قريبُ الله و درويش

worshiper

عَابِدٌ

worshiper

عَابِدٌ

worshiper

عَابِدٌ

worshiper

عَابِدٌ

worshiper

عَابِدٌ

worshiper

عَابِدٌ

Sahih Inte'l

صحيح العالمي

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

Sarwar

ساروار

worship

عَابِدٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

Shakir

شاكر

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

Yusuf Ali

يوسف علي

to serve & worship

يَخْدُمُ وَيَعْبُدُ

servant

خَادِمٌ

devotee

مُخْلِصٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

servant

خَادِمٌ

 

[2] يُوَضِّحُ الجدولُ الثانِي ، الملحقُ بهذهِ الملاحظةِ ، أنَّ الترجماتِ السبعَ عشرةَ للقُرآنِ الكريمِ كانتْ مُتَّسِقَةً في ترجمةِ الصفةِ الجمعيةِ "عِبَادٍ" مَعَ ترجمتِها للصفةِ الفرديةِ "عَبْدٍ" التي تَمَّتْ مُناقشتُها في الجدولِ الأولِ. وبصفةٍ عامةٍ ، كانتْ الترجمةُ غيرَ صحيحةٍ ، حيثُ تَمَّتْ ترجمةُ كلمةِ "عِبَادٍ" بالكلماتِ الثلاثِ (servants, bondmen, slaves) ، أي "خَدَمٍ ، وعَبِيدٍ مَمْلُوكِينَ ، وعَبِيدٍ أرِقَاءَ."

وكانتْ ترجمةُ أحمد علي هِيَ الأقلَّ التزاماً بالمعنى ، حيثُ أنَّهُ ترجمَ كلمةَ "عِبَادٍ" بأربعِ كلماتٍ مختلفةٍ هِيَ (creatures, votaries, devotees, men) ، أي "مخلوقاتٍ ، وعِبادٍ ، وورعينَ ، ومُخلصينَ ، ورجالٍ." وتَبِعَهُ في ذلكَ أسدُ ، الذي ترجمَها بثلاثِ كلماتٍ مُختلفةٍ ، هِيَ (servants, beings, men) ، أيْ "خَدَمٍ ، وكائناتٍ ، ورجالٍ." كذلكَ فعلَ بِكثال ، الذي ترجمَها بثلاثِ كلماتٍ مُختلفةٍ أيضاً ، هِيَ: bondmen, slaves, men ، أيْ "عبيدٍ مملوكينَ ، وعبيدٍ أرقاءَ ، ورجالٍ."

وكانَ قريبُ اللهِ ودرويشُ هُما الوحيدانِ اللذانِ قَدَّمَا الترجمةَ الصحيحةَ (worshippers) لصفةِ الجمعِ "عِبَادٍ" ، في جميعِ الآياتِ السِّتِّ ، التي هِيَ محل البحثِ. كما قَدَّمَ أحمدُ علي ترجمةً قريبةً مِنَ الصحةِ ، باستعمالِ كلمتَيِّ (votaries, devotees) ، أيْ "عِبَادٍ وَرِعِينَ" و "مُخْلِصينَ" ، ولكنْ في آيتينِ فقطْ. كذلكَ ، أتى يوسفُ علي بترجمةٍ قريبةٍ مِنَ الصحةِ ، هِيَ (devotees) ، أي "مُخْلِصِينَ" ، ولكنْ في آيةٍ واحدةٍ فقطْ. وفعلَ ساروار مثلَ ذلكَ ، في الإتيانِ بالترجمةِ الصحيحةِ (worshippers) ، ولكنْ في آيةٍ واحدةٍ أيضاً.

وكما تَمَّتْ ملاحظتُهُ في الجدولِ الأولِ ، فإنَّ أغربَ الترجماتِ كانتْ تلكَ التي تتعلقُ بوصفِ الملائكةِ الكرامِ. فالآيةُ الكريمةُ 43: 19 تصفُ الملائكةَ بأنهم "عِبَادُ الرَّحْمَـٰنِ" ، لكنها تُرْجِمَتْ بكلماتٍ وَصَفَتْهُم بأنهم "مخلوقاتٌ ، وعبيدٌ مملوكونَ ، وعبيدٌ أرِقَّاءَ ، وخدمٌ ، وكائناتٌ"!

وقد أتى كُلٌّ مِنْ أحمد خان وداريابادي بترجمةٍ غريبةٍ لوصفِ الملائكةِ الكرامِ ، وهِيَ (bondmen) ، أي "الرجالِ مِنَ العبيدِ المملوكينَ"! وتَبِعَهُمَا في ذلكَ كُلٌّ مِنْ بِكثال والهلالي وخان ، الذي وصفوا الملائكةَ بأنهم (slaves) ، أي "عَبِيدٌ"! فهلْ الملائكةُ الكرامُ رجالٌ ، مِنَ الناسِ؟ وهلْ هُمْ عبيدٌ يُباعونَ ويُشترونَ؟ حاشى للهِ أنْ يُوصَفَ ملائكتُهُ بتلكَ الصفاتِ ، وقد وَصَفَهُم رَبَّهُم ، في الآيةِ الكريمةِ 21: 26 ، بأنهم "عِبَادٌ مُكْرَمُونَ."!

وبحلولِ شهرِ شوالٍ مِنْ عامِ 1439 للهجرةِ (يونيو 2018 للميلادِ) ، أضافَ نفسُ الموقعِ (www.tanzil.info)  ، أربعَ ترجماتٍ أُخرى للقُرآنِ الكريم ِ، مِنْ تأليفِ عيتاني ، ومبارك بوري ، وقراي ، ووحيد الدين. وقد أظهرتْ جميعُها فهماً صحيحاً لمعنى كلمةِ "عِبَادَتِهِ" ، مِنْ خلالِ تقديمِ الترجمةِ الصحيحةِ (His worship) . ومَع ذلكَ ، فإنها لَمْ تُطَبِّقْ ذلكَ الفهمَ على الصفةِ الجمعيةِ "عِبَادٍ" ، التي تُرْجِمَتْ فيها جميعاً بكلمةِ "خَدَمٍ" (servants) ، في الآياتِ السِّتِّ المذكورةِ في الجدولِ الثانيِ. وكانتْ ترجمةُ وحيدِ الدينِ ،  (human beings)، أي "كائنات إنسانية" ، هِيَ الاستثناءَ ، حيثُ جاءتْ قريبةً مِنَ المعنى الصحيحِ ، ولكنْ في آيةٍ واحدةٍ فقطْ مِنَ الآياتِ السِّتِّ محل البحثِ ، وهِيَ الآية 50: 11.

 

 

 

 

الْجَدْوَلُ الثَّانِي

تَرْجَمَةُ كلمةِ "عِبَادٍ" ، كما وردتْ في 13 ترجمةً للقرآنِ الكريمِ

منشورةً على موقعِ www.tanzil.info (2010)

    

 المترجمونَ

Translators

الآيةُ Verse

2: 207

الآيةُ Verse

21: 26

الآيةُ Verse

25: 63

الآيةُ Verse

37: 40

الآيةُ Verse

43: 19

الآيةُ Verse

50: 11

Ahmed Ali

أحمد علي

creatures

مَخلوقاتٌ

votaries

عِبادٌ وَرِعُونَ

devotees

مُخلِصونَ

creatures

مَخلوقاتٌ

creatures

مَخلوقاتٌ

men

رِجالٌ

Ahmed Khan

أحمد خان

bondmen

عَبيدٌ مملوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مملوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مملوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مملوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مملوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مملوكونَ

Arberry

آربَري

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

Asad

أسد

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

beings

كائناتٌ

men

رِجَالٌ

Daryabadi

داريابادي

bondmen

عَبيدٌ مَمْلوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مَمْلوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مَمْلوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مَمْلوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مَمْلوكونَ

bondmen

عَبيدٌ مَمْلوكونَ

Hilali & Khan

هلالي وخان

slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

Maududi

مودودي

Servants

خَدَمٌ

Servants

خَدَمٌ

Servants

خَدَمٌ

Servants

خَدَمٌ

Servants

خَدَمٌ

Servants

خَدَمٌ

Pickthall

بِكثال

bondmen

عَبيدٌ مَمْلوكونَ

Slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

Slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

Slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

Slaves

عَبيدُ أرِّقَّاءٌ

men

رِجَالٌ

Qaribullah  &

Darwish

worshipers

عِبَادٌ

worshipers

عِبَادٌ

worshipers

عِبَادٌ

worshipers

عِبَادٌ

worshipers

عِبَادٌ

worshipers

عِبَادٌ

Sahih Inte'l

صحيح العالمي

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

Sarwar

ساروار

worshipers

عِبَادٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

Shakir

شاكر

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

Yusuf Ali

يوسف علي

devotees

مُخْلِصُونَ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

servants

خَدَمٌ

 

[3] نَصُّ الآياتِ الكريمةِ ، 33: 69 و5: 72-73 ، التي ذُكِرَتْ في هذا القِسمِ ، عن تطرفِ أتباعِ كُلٍّ من موسى وعيسى ، عليهما السلامِ ، في التعاملِ معهما ، كما يلي:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّـهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّـهِ وَجِيهًا (الأحْزَابُ ، 33: 69).

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ ﴿٧٢﴾ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّـهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۚ ﴿٧٣﴾ (الْمَائِدَةُ ، 5: 72-73).

[4] القائمةُ الكاملةُ لآياتِ القُرآنِ الكريمِ التي تشتملُ على الفعلِ "عَبَدَ" ومشتقاتِهِ موجودةٌ في الصفحاتِ 441-445 مِنَ "المعجمِ المفهرسِ لألفاظِ القرآنِ الكريمِ" ، مِنْ تأليفِ محمد فؤاد عبد الباقي ، الذي نَشَرَتْهُ دارُ الفكرِ بالقاهرةِ في عامِ 1406 للهجرةِ (1986 للميلادِ). وهناكَ العديدُ مِنْ مواقعِ الشبكةِ العالميةِ التي يُمْكِنُ مِنْ خلالِها البحثُ عَنْ أيَّةِ كلمةٍ وَرَدَتْ في القرآنِ الكريمِ ، مِثلِ موقعِ www.tanzil.net ، الذي استخدمَهُ هذا المؤلفُ.

ومِنَ المحتملِ لكلمةِ "عِبَادٍ" أنْ تُشيرَ إلى العبيدِ المملوكينَ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 24: 32 ، كما يلي:

 وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (النُّورُ ، 24: 32).

كما أنها مِنَ المحتملِ أنْ تُشيرَ إلى غيرِ المؤمنينَ ، كما هوَ الحالُ في أربعِ آياتٍ مِنْ سورةِ غَافِرٍ (40) ، وهيَ الآيةُ الكريمةُ 31: " مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّـهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ" ، والآيةُ الكريمةُ 44 ، التي تُشيرُ إلى آلِ فِرْعَوْنَ: "فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ۚ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّـهِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ" ، والآيةُ الكريمةُ 48 ، التي تَذْكُرُ مصيرَ المستكبرينَ في النارِ: "قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّـهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ" ، والآيةُ الكريمةُ 85 ، التي تُخبرُنا عَنْ مآلِ الكافرينَ: "لَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّـهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ."

[5] وَصَفَتْ الآيتانِ الكريمتانِ 2: 23 و8: 41 رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بكلمةِ "عَبْدِنَا" (بِالْجَرِّ). ووَصَفَتْهُ الآيةُ الكريمةُ 72: 19 بأنَّهُ "عَبْدُ اللهِ" (بِالضَّمِّ). كما أنَّهُ وُصِفَ بكلمةِ "عَبْدِهِ" في الآياتِ الكريمةِ 18: 1 ، 25: 1 ، 39: 36 ، 53: 10 ، 57: 9 (بِالْجَرِّ والنَّصْبِ).

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا (الْكَهْفُ ، 18: 1).

وكذا كانَ وصفُ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، للأنبياءِ والرُّسُلِ الآخَرِينَ ، عليهِم سلامُ اللهِ ورحمتُهُ. فَوُصِفَ زَكَرِيَّا بانَّهُ كانَ "عَبْدَهُ" في الآيةِ الكريمةِ 19: 2 ، وعيسى بأنَّهُ كانَ "عَبْدَاً لِّلَّـهِ" في الآيةِ الكريمةِ 4: 172 ، وبأنَّهُ "عَبْدُ اللَّـهِ" في الآيةِ الكريمةِ 19: 30 ، و "عَبْدٌ" في الآيةِ الكريمةِ 43: 59. وَوَصَفَ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، دَاوُدَ قائلاً: "وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ" في الآيةِ الكريمةِ 38: 17 ، وسُلَيْمَانَ بأنَّهُ "الْعَبْدُ" في الآيةِ الكريمةِ 38: 30. وَوَصَفَ أيْوبَ قائلاً: "وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ" في الآيةِ الكريمةِ 38: 41 و "الْعَبْدُ" في الآيةِ الكريمةِ 38: 44. ووصفَ نوحاً بأنَّهُ كانَ "عَبْدَاً" في الآيةِ الكريمةِ 3: 17 و "عَبْدِنَا" في الآيةِ الكريمةِ 54: 9 ، كما وَصَفَهُ مَعَ لوطٍ على أنهما كانا "عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ" في الآيةِ الكريمةِ 66: 10. ووصفَ الْخَضِرَ بأنَّهُ كانَ "عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا" في الآيةِ الكريمةِ 18: 65. ووصفَ المؤمنَ في الآيتينِ الكريمتينِ 34: 9 و50: 8 بكلمتي "عَبْدٍ مُّنِيبٍ" ، و "عَبْدَاً" في الآيةِ الكريمةِ 96: 10.

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (مَرْيَمُ ، 19: 2).

[6] يَصِفُ القرآنُ الكريمُ الكفارَ والعُصاةَ بأنهم ظَالِمُونَ لأنفسِهِم ولغيرِهِم ، وذلك لأنهم يَصدونَ الناسَ عَنْ سبيلِ اللهِ ، ويَتَّبِعُونَ السبلَ الملتويةَ المعوَجَّةَ ، ولا يؤمنونَ باليومِ الآخِرِ ، كما تُبَيِّنُ لنا الآيتانِ الكريمتانِ 7: 44-45.

  فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 44). 

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ  (الأعْرَافُ ، 7: 45). 

[7] نَصُّ الآياتِ الكريمةِ المشارِ إليها ، عَنْ تَدَخُّلِ اللهِ ، تباركَ وتعالى ، إنْ شاءَ ، لمساعدةِ الذينَ يسألونَهُ ، ولعقابِ مَنْ يرفضونَ الإيمانَ بِهِ ، ويَسْعَوْنَ في الأرضِ بالفسادِ ، كما يلي:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 186).

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر ، 40: 60).

وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (الْبَقَرَةُ ، 2: 205).

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (فُصِّلَتْ ، 41: 13).

[8] انظرْ الفصلَ الثالثَ منَ الكتابِ الخامسِ لهذا المؤلفِ عنْ الإسلامِ (الْقَدَرُ والْقَضَاءُ وَالْيَوْمُ الآخِرُ) ، بعنوانِ "دِقَّةُ قَدَرِ اللهِ وَعَدَالَةُ قَضَائِهِ" (الذي لم يكتملُ بعدُ ، ولم يَتُم نشرُهُ ورقياً ، على شبكةِ أمازون. لكنْ يُمكنُ قراءَةُ النسخةِ الإنكليزيةِ منْ الفصلينِ الثاني والثالثِ ، وتنزيلُهُما مجاناً على موقعي المؤلفِ: www.ccun.org  و  www.aljazeerah.info.

وقد ناقشَ الشيخُ يوسفُ القرضاوي موضوعَ التخييرِ والتسييرِ ، ضِمنَ حلقةٍ عَنْ الْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ ، في برنامجهِ الأسبوعيِّ: "الشريعةُ والحياةُ" ، الذي كانَ يَبثهُ تلفزيونُ الجزيرةِ. ويُمْكِنُ الاطلاعُ على نَصِّ هذهِ المناقشةِ على الرابطينِ التاليينِ:

Al-Qadha Wal Qadar By Shaikh Yousuf Al-Qaradawi  

http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=32&version=1&template_id=105&%20parent_id=16

[9] نَصُّ الحديثِ الشريفِ ، عَنْ عَدَمِ التعارُضِ بينَ الاختيارِ والْقَدَرِ ، أيْ رَدُّ القضاءِ بالقضاءِ ، كما يلي:

عَنْ أَبِي خُزَامَةَ السَّعْدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، يَعْمُرِ الْعُذْرِيِّ ، رضيَ اللهُ عنهما ، أنهُ قالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ رُقًىً نَسْتَرْقِيهَا ، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا ، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: "هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ" (أخرجَهُ التِرْمِذِيُّ ، في سُنَنِهِ: 2065 ، وقالَ أنهُ حسنٌ صحيحٌ ، وحَسَّنَهُ الألبانيُّ ، في تخريجِ مشكلةِ الفقرِ: 11 ، وفي التعليقاتِ الرَّضِيَّةِ: 152\3).

وقد أخرجَ ابنُ حَبَّانٍ روايةً أخرى للحديثِ ، في صحيحِهِ: 6100 ،  رواها كَعْبٌ بنُ مالكٍ ، وهيَ كما يلي:

يا رسولَ اللهِ ، أرأَيْتَ دواءً نتداوى بِهِ ، ورُقًى نَسترقِي بها ، وأشياءَ نفعَلُها ، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ ؟ قالَ: "يا كَعْبُ ، بَلْ هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ."

[10] نَصُّ وتخريجُ الحديثِ الشريفِ ، عنْ المؤمنِ القويِّ ، كما يلي:

 عنْ أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ قالَ ، قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "المُؤمِنُ القويُّ خيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ مِن المُؤمِنِ الضَّعيفِ ، وفي كلٍّ خيرٌ. احرِصْ على ما ينفَعُكَ ، ولا تَعجِزْ. فإنْ غلَبَكَ أمرٌ ، فقُلْ: قدَرُ اللهِ ، وما شاءَ فعَلَ. وإيَّاكَ واللَّوَّ ، فإنَّ اللَّوَّ تفتَحُ عمَلَ الشَّيطانِ" (صححهُ الألبانيُّ ، عَنْ صحيحِ ابنِ ماجه: 3379 ، وأخرجَهُ مُسْلِمُ في صحيحِهِ: 2664 ، وكذلكَ ابنُ ماجه: 79 و 4168 ، وأحمدُ: 2/370 ، 8777 ، والنسائي ، في السنن الكبرى: 10457).

وقد حَسَّنَ الألبانيُّ روايةً أخرى للحديثِ ، في صحيحِ الجامعِ: 6650 ، كما يلي:

عنْ أبي هُرَيْرَةَ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّهُ قالَ ، قالَ رسولُ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "المؤمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وأحَبُّ إلى اللهِ من المؤمِنِ الضَّعيفِ ، وفي كُلٍّ خَيرٌ ، احْرِصْ على ما يَنفَعُكَ ، واسْتَعِنْ بِاللهِ ولا تَعجَزْ ، وإنْ أصابَكَ شَيءٌ ، فَلا تَقُلْ : لو أنِّي فَعلتُ كان كَذا وكَذا ، ولَكِنْ قُلْ : قَدَّرَ اللهُ ، وما شاءَ فَعَلَ ، فإنَّ لو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيطانِ."

[11] نَصُّ ما قالَهُ أميرُ المؤمنينَ عُمَرُ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، عَنْ الفِرارِ مِنْ قَدَرِ اللهِ إلى قَدَرِ اللهِ ، عندما سُئِلَ عَنْ رُجوعِهِ عَنْ الذهابِ إلى بلادِ الشامِ التي انتشرَ فيها الوباءُ:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، رضي الله عنهما ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، رضي الله عنه ، خَرَجَ إِلَى الشَّامِ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّامِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: 

ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ ، فَاخْتَلَفُوا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ وَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاء.  

فَقَالَ عُمَرُ ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ ، فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ ، فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ.  

فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ، ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ. فَدَعَوْتُهُمْ ، فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمُ رَجُلَانِ ، فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. 

فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ.  

فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ 

قَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ!  

نَعَمْ ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ.  

أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ ، إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ، أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصِبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟  

فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَكَانَ غَائِبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ ، فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ

"إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدِمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ."  

قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ  (مُوَطَّأُ مالك: 687 ، صحيحُ مُسلم: 2219 ، صحيحُ البخاري: 5729. وقد صححَ الألبانيُّ الحديثَ الشريفَ ، بناءً على صحيحِ أبي داودَ: 3103).

http://hadith.al-islam.com/Loader.aspx?pageid=237&Words

[12] نَصُّ ما قالَهُ عبدُ القادرِ الجيلانيُّ عَنْ مُنَازَعَةِ الْقَدَرِ بِالْقَدَرِ:

"إنَّ كثيراً مِنَ الرِّجالِ ، إذا وصلوا إلى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ، أمْسَكُوا ، إلَّا أنا. فإنِّي فُتِحَتْ لي فيهِ روزَنَةٌ ، فَنَازَعْتُ أقْدَارَ الْحَقِّ بِالْحَقِّ لِلْحَقِّ ، والرَّجُلُ مَنْ يَكُونُ مُنَازِعَاً لِلْقَدَرِ ، لا مَنْ يَكُونُ مُوافِقَاً لِلْقَدَرِ."

https://taimiah.org/index.aspx?function=item&id=949&node=4137

وقد وَرَدَ قولُهُ هذا أيضاً في رسالةِ العبوديةِ لابنِ تيميةَ ، وفي شرحِها مِنْ تأليفِ عبد الرحيم السلمي ، الموجودِ على الرابطِ التالي:

http://shamela.ws/browse.php/book-36581/page-23

[13] في كتابِهِ عَنْ "الْعُبُودِيَّةِ" الذي كانَ جواباً لمتسائلٍ عَنْ معنى العبادةِ والعبوديةِ ، رَدَّ ابنُ تيميةَ على الْقَدَرِيَّةِ والْجَبْرِيَّةِ ، مُبيناً أخطاءَهُما وخروجَهُما عَنْ تعاليمِ الإسلامِ. والكتابُ منشورٌ على الرابطِ التالي:

http://www.islamicbook.ws/amma/alabwdit.pdf

أوْرَدَ صلاح نجيب الدق ، في مقالتِهِ عَنْ "الْقَدَرِيَّةِ والْجَبْرِيَّةِ" ، بأنَّ المتأخرينَ مِنَ الصحابةِ قد تبرأوا مِنَ الْقَدَرِيَّةِ. ومِنْ هؤلاءِ الصحابةِ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ وجابرُ بنُ عبدِ اللهِ وأبو هُرَيْرَةَ وابنُ عباسٍ وأنسُ بنُ مالكٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي أوفى وعُقبةُ بنُ عامرٍ الجهنيِّ ، وأقرانُهُم. لمزيدٍ مِنَ المعلوماتِ عَنْ هاتينِ الفرقتينِ الضالتينِ والرَّدِّ عليهِما ، أنظرْ مقالَتَهُ على الرابطِ التالي:

http://www.alukah.net/sharia/0/115029/#ixzz5LnnDY5dP

[14] مِنْ مَظاهرِ عدمِ الدِّقَّةِ لدى الكثيرِينَ مِنَ الكُتَّابِ العربِ أنْ يُترجِموا الحرفَ g   في اللغاتِ الأوربيةِ بحرفِ الجيمِ العربيِّ (ج). والصحيحُ أنَّ أقربَ أصواتِ الأبجديةِ العربيةِ لهذا الصوتِ الأوروبيِّ هيَ الغين (غ) والقاف (ق) والكاف (ك) ، والأخيرُ أخَفُّهَا نُطقاً. أمَّا صوتُ الجيمِ الْمُعَطَّشَةِ (لِسَانُ قُرَيْشٍ) ، فهوَ بعيدٌ تماماً عَنْ منطقةِ نُطقِ هذا الصوتِ الأوروبيِّ.

وهناكَ ثلاثُ لهجاتٍ عربيةٍ لا يُعَطَّشُ فيها صوتُ الجيمِ ، وهيَ المصريةُ ، باستثناءِ الصعيدِ ، وبعضُ أجزاءِ اليمنِ وعُمانُ. فكُتَّابُ هذهِ اللهجاتِ لا يجدونَ مُشكلةً في استعمالِ كلمتيِّ "اللغةِ الإنجليزيةِ" كترجمةٍ لكلمتيِّ (English language). لكنَّ ذلكَ يُجانبُهُ الصوابُ في باقِي أنحاءِ الوطنِ العربيِّ ، حيثُ تُنطَقُ الجيمُ مُعَطَّشَةً ، كما تُنطقُ في القرآنِ الكريمِ. وعلى ذلكَ ، فالصوابُ هوَ استعمالُ "اللغةَ الإنكليزيةَ" وليسَ "اللغةَ الإنجليزيةَ." أمَّا الأصوبُ ، فهوَ استحداثُ حُروفٍ جديدةٍ للأبجديةِ العربيةِ للتعبيرِ عَنْ حروفِ اللغاتِ الأُخرى ، مثلما هوَ الحالُ مَعَ الحروفِ الأوروبيةِg p v  ، خاصةً أننا نعيشُ في عَالَمٍ تَتَعايَشُ فيهِ الثقافاتُ المختلفةُ وتَتَفَاعَلُ باستمرارٍ.

***