الْكِتَابُ الأَوَّلُ

***

الإسْلَامُ:

رُؤْيَةٌ عِلْمِيَّةٌ لِرِسَالَةِ اللهِ لِلبَشَرِيَّةِ

تَأليف

حسن علي النجار

1445 ه \ 2024 م

***

الْفَصْلُ الرَابِعُ

***

الخَلْقُ وَالتَّطَوُّرُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ

***

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

***

 

 

مُقَدِّمَةٌ

بيَّنَ اللهُ ، سبحانه وتعالى ، لنا كيفَ بدأ خلقَ الكونِ ، بما فيهِ من سبعِ سماواتٍ وسبعِ أرضينَ ، وما فيها وما بينها مِن كائناتٍ ، كما تَمَّ استعراضُهُ مِن خلالِ الآياتِ العشرِ الأولى التي ذُكِرَتْ في الفصلِ الثالثِ مِن هذا الكتابِ. أمَّا هذا الفصلُ ، فإنهُ يركزُ على استعراضِ معاني 43 آيةً مِنَ الذكرِ الحكيمِ ، ذاتِ الصلةِ بخلقِ الحياةِ وتطورِها على الأرضِ ، خاصةً فيما يتعلقُ بخلقِ الإنسانِ وتطورِهِ.

وقد تَمَّ الرجوعُ للمفسرينَ الثلاثةِ الكبارِ (الطَّبَرِيِّ والْقُرْطُبِيِّ وابنِ كثيرٍ) لشرحِ معاني هذهِ الآياتِ الكريمةِ ، ثُمَّ تلا ذلكَ مقارنةَ هذهِ المعاني بالحقائقِ العلميةِ ، خاصةً تلكَ التي توصلَ إليها علماءُ تاريخِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) والأحياءِ والفلكِ. والهدفُ مِن ذلكَ هوَ التوصلُ إلى استعراضٍ لقصةِ خلقِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، للحياةِ وتطورِها على الأرضِ ، ليسَ فقطْ بالرجوعِ للمعاني اللغويةِ للآياتِ الكريمةِ ، وإنما أيضاً بالرجوعِ للحقائقِ العلميةِ المتصلةِ بتلكَ المعاني.

ويمكنُنا القولُ بأنَّ نظريةَ التطورِ ، التي تسودُ شتى العلومِ ، يُمكنُ أنْ تستمدَّ تأييداً لها مِن معانِي هذهِ الآياتِ الكريمةِ ، التي تشيرُ إلى أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قد بدأ بخلقِ الحياةِ على الأرضِ ، ثُمَّ تركَها لتتطورَ ، نتيجةً للتكيفِ مَعَ البيئاتِ المختلفةِ على هذا الكوكبِ ، مع تدخلهِ ، عزَّ وجلَّ ، لتحسينِ مخلوقاتِهِ ، مِن حينٍ إلى آخَرَ يُحَدِّدُهُ هُوَ.

والحقائقُ العلميةُ التي تتضمنُها معانِي هذهِ الآياتِ الكريمةِ لمْ تكنْ معروفةً لأهلِ العلمِ ، لا في زمنِ التنزيلِ ولا لأكثرَ مِن ثلاثةَ عشرَ قرناً بعدَ ذلكَ ، إلى أنْ بدأ تأسيسُ العلومِ الحديثةِ في القرنِ الثالثَ عشرَ للهجرةِ ، الموافقِ للقرنِ التاسعَ عشرَ للميلادِ. وعلى ذلكَ ، فإنَّ هذا الجُهدَ يهدفُ إلى التعريفِ بهذهِ الحقائقِ ، كإثباتاتٍ علميةٍ على وجودِ اللهِ ، سبحانهُ وتعالى ، وعلى أنَّ القرآنَ الكريمَ هوَ رسالتُهُ للبشريةِ.

***

الآيَاتُ الْكَرِيمَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِخَلْقِ الإنْسَانِ وَتَطَوُّرِهِ

1-2. يخبرُنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في الآيةِ 29: 19 أنَّهُ يُبْدِئُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ، وأنَّهُ قد فعلَ ذلكَ مِن قبلُ ، عندما انقرضَ الإنسانُ عَن وجهِ الأرضِ (76: 1) ، ثُمَّ أعادَ خلقَهُ مِن جديدٍ. ولذلكَ فإنهُ يأمرُنا في الآيةِ التاليةِ 29: 20 أنْ نسيرَ في الأرضِ ، لنرى كيفَ بدأ الخلقَ ، وذلكَ حتى نؤمنَ بأنهُ قادرٌ على النشأةِ الثانيةِ في اليومِ الآخِرِ ، فيقولُ ، جَلَّ وعَلا:

أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّـهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ)الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 19(.

هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (الإنْسَانُ ، 76: 1).

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّـهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 20(.  

وقد تَمَّ تنفيذُ هذا الآمرِ الإلهيِّ مِنْ خلالِ تأسيسِ العلومِ الحديثةِ التي تبحثُ في بدايةِ الحياةِ على الأرضِ ، مِثلِ علمِ تاريخِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) بفروعِهِ الأربعةِ (الآثارِ والأحياءِ واللغةِ والثقافةِ) ، والعلومِ الطبيعيةِ الأخرى ، كعلم ِالأحياءِ والفيزياءِ والكيمياءِ والجيولوجيا والجغرافيا الطبيعيةِ.

وبمقارنةِ ما توصلَ إليهِ العلماءُ مِن حقائقَ في هذهِ العلومِ ، عَن بدايةِ الخلقِ والتطورِ ، مَع ما تتضمنُهُ معاني آياتِ القرآنِ الكريمِ ، تَظهرُ حقيقةٌ ساطعةٌ للعيانِ ، وهيَ أنَّ تلكَ الآياتِ الكريمةِ ما هيَ إلا أدلةً على أنها مِن عندِ عَالِمِ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ ، حتى نؤمنَ بأنهُ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ ، ومِن ثَمَّ نتبعَ أوامرَهُ ، ونتجنبَ نواهيهِ ، فنفوزَ بسعادةِ الداريْنِ ، الدُّنيا والآخِرَةِ.

3. ثُمَّ يؤكدُ لنا رَبُّنَا هذا المعنى في الآيةِ الكريمةِ 50: 15 ، التي تشيرُ إلى أنهُ كانَ هناكَ خَلْقٌ أولٌ للحياةِ على الأرضِ ، فيقولُ:

أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (قَ ، 50: 15).

4. وتخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 21: 30 ، أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قد جعلَ الماءَ شرطاً لوجودِ الحياةِ ، فتقولُ:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (الأنْبِيَاءُ ، 21: 30). 

ولمْ يَثْبُتْ أبداً أنَّ هُناكَ كائناتٍ حيةً على الأرضِ لا تحتوي على الماءِ أو لا تحتاجُهُ. وحتى في محاولاتِ علماءِ الفلكِ لرصدِ وجودِ حياةٍ في الكواكبِ الأخرى ، فإنهم يبحثونَ عن وجودِ الماءِ فيها أولاً ، لعلمِهِم أنَّ لا حياةً بدونِ ماءٍ ، كما أخبرَنا رَبُّنَا ، سبحانهُ وتعالى ، في هذهِ الآيةِ الكريمةِ.

واللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، هُوَ الأوَّلُ والأخِرُ ، وهُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، الذي بدأَ الحياةَ في السماواتِ والأرضِ ، بمشيئتِهِ ، وكلامِهِ ، وبنفخِ روحِهِ في كائناتِهِ ، وبيديهِ أيضاً. فنحنُ نعلمُ مكوناتِ الخلايا الحيةِ في الكائناتِ البدائيةِ الوحيدةِ الخليةِ ، وفي الكائناتِ المتقدمةِ المعقدةِ ، ولكننا لا نعرفُ كيفَ بدأتْ الحياةُ في الخليةِ الأولى ، إلا مِنْ خلالِ ما أخبرَنا بهِ اللهُ عَن ذلكَ. فهوَ الذي أنزلَ أمرَهُ على الخليةِ الأولى لتدبَّ الحياةُ فيها ، فأصبحَ هذا الأمرُ بمثابةِ البرمجيةِ الأساسِ ، أيِ الصِّبغةِ الوراثيةِ الأولى ، المسؤولةِ عَن قيامِ أعضاءِ الجسمِ بوظائِفِها كما ينبغي لها أنْ تفعلَ ، فهذهِ هِيَ النفخةُ الأولى مِنْ رُوحِ اللهِ ، التي بدأتْ الحياةَ على الأرضِ ، واللهُ أعلمُ.

5. وتخبرُنا الآية الكريمة 30: 20 أنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، قد بدأَ خَلْقَ الإنسانِ مِنَ التُّرَابِ ، بالإضافةِ إلى الماءِ ، كما وَرَدَ في الآيةِ الكريمةِ 21: 30 ، السالفةِ الذكرِ:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (الرُّومُ ، 30: 20).

فالماءُ هوَ الشرطُ الأساسُ لوجودِ الحياةِ ، ولكنَّ هذهِ الآيةَ الكريمةَ قد أضافتْ التُّرَابَ إلى الماءِ ، في الإشارةِ للخلقِ الأولِ للحياةِ على هذا الكوكبِ ، بما في ذلكَ خلقِ الإنسانِ. وقد تكررَ ذِكْرُ الخلقِ الأولِ مِنَ التُّرَابِ في خمسِ آياتٍ أخرى ، في القرآنِ الكريمِ. [1]

6. ونقرأُ في الآيةِ الكريمةِ 32: 7 ، أنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، قد بدأَ خَلْقَ الإنسانِ مِنَ الطينِ:

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ (السَّجْدَةُ ، 32: 7).

والكلمةُ ذاتُ الصلةِ في هذهِ الآيةِ الكريمةِ هِيَ "بَدَأَ" ، والتي تُبينُ لنا بوضوحٍ أنَّ خَلْقَ الحياةِ على الأرضِ قد تّمَّ على مراحلَ ، أيْ أنَّهُ لمْ يحدثْ مَرَّةً واحدةً. وهكذا ، فإنَّ الخلقَ الأولَ للإنسانِ قد بدأَ مِنَ الطينِ.

وقد عَلِمْنَا مِنَ الآيةِ الكريمةِ 21: 30 أنَّ الماءَ هوَ الشرطُ الأساسُ لوجودِ الحياةِ ، ولكنَّ الترابَ قد ذُكِرَ كشرطٍ ثانٍ في الآيةِ الكريمةِ 30: 20 ، بالإضافةِ إلى الماءِ ، فيما يتعلقُ بخلقِ الإنسانِ. أمَّا هذهِ الآيةُ الكريمةُ (32: 7) ، فقد ذَكَرَتْ أنَّ خلقَ الإنسانِ قد بدأَ مِنَ الطينِ ، وفي ذلكَ تأكيدٌ للآيتينِ السابقتينِ ، لأنَّ الطينَ ما هوَ إلا ترابٌ مخلوطٌ بالماءِ. وما لدينا اليومَ مِنْ حقائقَ علميةٍ يؤكدُ على أنَّ الحياةَ قد بدأتْ في الطينِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ. [2]

7. الآيةُ الكريمةُ 37: 11 تصفُ لنا الطينَ الذي خُلِقَتْ فيهِ الحياةُ ، بأنهُ كانَ طيناً لازباً:

فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا ۚ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ (الصَّافَّاتُ ، 37: 11).

وقد أوْرَدَ المفسرونَ الثلاثةَ شرحَ الصحابةِ ، بما في ذلكَ ابنِ عباسٍ ، لمعنى "لازِبٍ" ، فذكروا بأنَّ اللازِبَ هوَ اللاصقُ ، أيْ الذي يلتصقُ بعضُهُ ببعضٍ ، أو بِما أصابَهُ.

8. وتُزودُنا الآيةُ الكريمةُ 15: 26 بصفةٍ أُخرى للطينِ الذي تَمَّ استخدامُهُ في خَلْقِ الحياةِ على الأرضِ ، فتقولُ:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (الْحِجْرُ ، 15: 26).

والصلصالُ هوَ الطينُ الجافُّ. أمَّا الْحَمَأُ المسنونُ ، فهوَ الطينُ الْمُنْتِنُ الْمُتَغَيِّرُ إلى سوادٍ ، كما ذَكَرَ المفسرونَ الثلاثةُ مِن بينَ ما ذكروا مِنَ المعاني.

وعلى ذلكَ ، يُمكنُ القولُ بأنَّهُ باختلاطِ الماءِ بذلكَ الطينِ الجافِّ ، فإنهُ أصبحَ رَطِباً ، لَزِجاً ، ولاصِقاً. ولأنهُ كانَ يحتوي على عناصرَ الأرضِ الأوليةِ ، مِثْلِ كبريتاتِ الهيدروجينِ ، كانتْ لهُ رائحةٌ منتنةٌ. وذلكَ يتفقُ تماماً مَع ما توصلَ إليهِ علماءُ الأحياءِ ، مِنْ أنَّ الحياةَ قد بدأتْ في المستنقعاتِ ، أو الأماكنَ التي يختلطُ فيها الماءُ بترابِ الأرضِ الذي يحتوي على العناصرَ الأوليةِ المختلفةِ ، بما في ذلكَ النتنةِ الرائحةِ منها ، مثلِ الكبريتِ ، مُكَوِّنَاً الطينِ المنتنِ اللزجِ (انظرْ المُلْحَقَ الأوَّلَ ، في نهايةِ هذا الفصلِ). [3]

9. وتؤكدُ لنا الآيةُ الكريمةُ 55: 14 وصفَ الطينِ المستخدمِ في الخلقِ الأولِ ، بأنهُ كانَ صلصالاً يشبهُ الفخارِ ، فتقولُ:

خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (الرَّحْمَـٰنِ ، 55: 14).

والصلصالُ هوَ الطينُ الجافُّ. أمَّا الفَخارُ ، فهوَ الطينُ المخبوزُ على النارِ للتخلصِ مِنَ المياهِ الموجودةِ فيهِ ، ليصبحَ قوياً وصلداً. ولكنهُ عندما اختلطَ بالماءِ ، فإنهُ قد أصبحَ جاهزاً لبدءِ الحياةِ فيهِ ، لأنَّ اللهَ ، سبحانهُ وتعالى ، جعلَ مِنَ الماءِ كُلَّ شيءٍ حَيٍّ ، واللهُ أعلمُ.

10. وتنصُّ الآيةُ الكريمةُ 71: 14 بوضوحٍ على أنَّ الخلقَ لمْ يحدثْ مَرَّةً واحدةً ، وإنما حدثَ على مراحلَ أو أطوارٍ متعددةٍ ، كما أشارَ إلى ذلكَ الفعلُ "بَدَأَ" ، في الآيةِ الكريمةِ 32: 7 ، السالفةِ الذكرِ ، والذي يُفيدُ بأنَّ خلقَ الإنسانِ مِنَ الطينِ كانَ المرحلةَ الأولى مِنَ الخلقِ الأولِ ، كما يلي:

 وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (نُوحُ ، 71: 14).

وتخبرُنا الآياتُ الكريمةُ التاليةُ عن أطوارِ خلقِ الإنسانِ. فقد اشتملَ الخلقُ الأولُ على خمسةِ أطوارٍ ، أو مراحلَ ، وهِيَ بَثُّ الحياةِ ، والتسويةُ ، والاعتدالُ ، والتصويرِ ، ونفخُ الروحِ ، كما سيلي بيانُهُ. أمَّا الخلقُ الثاني ، فهوَ في الرَّحِمِ ، ويشتملُ أيضاً على خمسةِ أطوارٍ ، أو مراحلَ ، هِيَ النطفةُ ، والعلقةُ ، والمضغةُ ، والعظامُ ، واللحمُ ، كما تُوَضِحُهُ الآيةُ الكريمةُ 23: 14 ، لاحقاً.  

11. وتخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 6: 2 أنَّ اللهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، بعدما انتهى مِنَ المرحلةِ الأولى مِنَ الخلقِ الأولِ ، أيْ مِنْ بدءِ الحياةِ في الطينِ ، شاءَ أنْ يَتركَ خَلْقَهُ لأجلٍ مُسَمَى عِنْدَهُ ، أيْ لوقتٍ محددٍ عندَهُ ، فتقولُ:

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (الأنْعَامُ ، 6: 2).

وهكذا ، شاءَ اللهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أنْ يقضي أجلاً ، بعدَ المرحلةِ الأولى مِنَ الخلقِ الأولِ ، تاركاً مخلوقاتِهِ وشأنِها ، وذلك قبلَ أنْ يعودَ لها بعدَ أجلٍ مسمى عندَهُ ، أيْ بعدَ وقتٍ حددَهُ هوَ. وبهذا ، فإنَّ هذهِ الآيةَ الكريمةَ تشيرُ إلى مفهومَيِّ الْخَلْقِ وَالتَّطَوِّرِ. فالخلقُ إشارةٌ إلى تَدَخُّلِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، في مخلوقاتِهِ بالتغييرِ والتحسينِ. أمَّا التطورُ فهوَ ما يحدثُ للمخلوقاتِ مِنْ تَغَيُّرٍ بعدَ ذلكَ ، نتيجةً للتفاعلِ والتكيفِ مَع بيئاتِها الطبيعيةِ والاجتماعيةِ ، وهذا هوَ جوهرُ نظريةِ التطورِ التي تسودُ كافةَ العلومِ الطبيعيةِ. 

12. يخبرُنا اللهُ ، سبحانهُ وتعالى ، في الآيةِ الكريمةِ 4: 1 ، أنهُ بدأَ الخلقَ الأولَ للحياةِ على الأرضِ مِنْ نفسٍ واحدةٍ ، وخلقَ منها زوجَها. أمَّا الخلقُ الثاني ، فهوَ في الرَّحِمِ ، نتيجةً لتزاوجِ سائلِ الذكرِ وبويضةِ الأنثى ، فيقولُ:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء (النِّسَاءُ ، 4: 1).

ويتفقُ علماءُ الطبيعياتِ على أنَّ بدايةَ الحياةِ على الأرضِ كانتْ على شكلِ كائناتٍ عضويةٍ وحيدةِ الخليةِ ، وكانتْ تتكاثرُ بالانشطارِ الثنائي أولاً ، أيْ بالانقسامِ إلى أزواجٍ متساويةٍ ، ثم بتزاوجِ الذكورِ والإناثِ بعدَ ذلكَ في الخلقِ الثاني ، داخلَ الرَّحِمِ (انظرْ مزيداً مِنَ التفصيلِ في الملحقِ رقم 1).

13. وتشيرُ الآيةُ الكريمةُ 82: 7 إلى المراحلِ الثلاثِ الأولى مِن خلقِ الإنسانِ ، ألا وهيَ بَثُّ الحياةِ في الخليةِ الأولى ، والتسويةُ ، والاعتدالُ ، فتقولُ: 

الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (الانْفِطَارُ ، 82: 7).

فالمرحلةُ الأولى مِنَ الخلقِ الأولِ تمثلتْ في بَثِّ اللهِ ، تَبَارَكَ وتعالى ، الحياةَ في الخليةِ الأولى في الطينِ. وهيَ مرحلةُ الكائناتِ البدائيةِ ، التي يشتركُ الإنسانُ فيها مَعَ المخلوقاتِ الحيةِ الأُخرى ، مِنْ خلالِ الصِّبغةِ الوراثيةِ الأولى ، أو البرمجيةِ الأولى للحياةِ.

وبعدَ ذلكَ ، كانتْ المرحلةُ الثانيةُ ، التي سَوَّى فيها خلقَهُ ، أي بتمكينِ أعضاءِ الجسمِ مِنَ القيامِ بوظائِفِها كما ينبغي ، تلقائياً. فأصبحتْ الكائناتُ أكثرَ تطوراً ، وصولاً إلى الحيواناتِ. ثُمَّ جاءتْ المرحلةُ الثالثةُ ، وهيَ خلقُ الإنسانِ ، بفصلهِ عَنْ عالَمِ الحيوانِ ، وذلكَ بتمكينِهِ مِنَ الاعتدالِ ، أيْ الوقوفِ على رجلينِ. وهذهِ المراحلُ الثلاثُ حقائقٌ علميةٌ تُدَرَّسُ الآنَ في كُتُبِ الأحياءِ. [4]

في تفسيرِهِ لكلمةِ "عَدَلَكَ" ، في هذهِ الآيةِ الكريمةِ ، أخذَ الطبريُّ بقراءةِ التشديدِ ، أيْ "عَدَّلَكَ" ، بمعنى "أَنَّهُ جَعَلَكَ مُعْتَدِلاً مُعَدَّلَ الْخَلْقِ مُقَوَّماً." وكذلكَ فعلَ القرطبيُّ ، فقالَ إنَّهُ "جَعَلَكَ مُعْتَدِلاً سَوِيّ الْخَلْقِ." أمَّا ابنُ كثيرٍ ، فكانَ أكثرُهم وضوحاً. فلمْ يذكرْ التشديدَ ، وإنما فَسَّرَ القراءةَ المخففةَ "عَدَلَكَ" بمعنى أنَّهُ "جَعَلَكَ سَوِيَّاً مُسْتَقِيماً مُعْتَدِلَ الْقَامَةِ مُنْتَصِبِهَا." وبناءً على تفسيرِ ابنِ كثيرٍ ، فالاعتدالُ يتمثلُ في اعتدالِ القامةِ وانتصابِها ، الذي لا يتأتى بالمشيِّ على أربعةِ أرجلٍ كالحيواناتِ ، وإنما بالمشيِّ على رجلينِ كالإنسانِ. وأضافَ ابنُ كثيرٍ في تفسيرَهُ لحديثَ النبيٍّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، الذي ذَكَرَ فيهِ كلمةَ "َعَدَلْتُكَ" ، كما يلي: 

" قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا اِبْنَ آدَمَ ، أَنَّى تُعْجِزنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْل هَذِهِ ، حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ ، وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ قُلْتَ أَتَصَدَّقُ وَأَنَّى أَوَانَ الصَّدَقَةِ؟" [5]

ومعنى كلمةُ "عَدَلْتُكَ" ، في هذا الحديثِ الشريفِ ، أنكَ ، أيها الإنسانُ قد أصبحتَ قادراً على المشيِّ بينَ البَردينِ ، نتيجةً لاعتدالِ قامتِكَ ومشيِكَ على رجلينِ ، وهوَ الأمرُ الذي مكنكَ مِنْ جمعِ الثرواتِ. وهذا المعنى يستقيمُ تماماً إذا كانتْ الباءُ مفتوحةً ، أي بَرْدَيْنِ. فالبَردانِ هُما الفجرُ والعصرُ ، أي للسعيِّ لطلبِ الرزقِ طيلةَ النهار ، مِنَ الفجرِ وحتى قبلَ غروبِ الشمسِ. وقد وردتْ كلمةُ "الْبَرْدَيْنِ" بمعنى الفجرِ والعصرِ ، في حديثٍ آخَرَ لِلنبيِّ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، قالَ فيهِ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ." [6]

أما إذا كانتْ الباءُ مضمومةً ، أيْ بُرْدَيْنِ ، فيصعبُ تفسيرُها. فالْبُرْدُ في اللغةِ هوَ الكساءُ المخططُ. فهلْ مَكَّنَ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، الإنسانَ مِنْ اعتدالِ القامةِ والمشيِّ على قدمينِ لكي يمشي بينَ كِساءينِ؟ والأصحُ في هذهِ الحالةِ هوَ فتحُ الباءِ ، واللهُ ورسولُهُ أعلمُ.

14. وتشيرُ الآيةُ الكريمةُ 64: 3 إلى المرحلةِ الرابعةِ مِنْ خَلْقِ الإنسانِ ، ألا وهِيَ جَعْلُهُ في أحسنِ صورةٍ ، وذلكَ كما يلي:

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (التَّغَابُنُ ، 64: 3).

وزيادةً في تكريمِ الإنسانِ ، فإنَّ الْخَالِقَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، شاءَ أنْ يُضِيفَ مرحلةً رابعةً مِنَ الخلقِ الأولِ ، صَوَّرَ فيها الإنسانَ السَّويَّ في أحسنِ الصورِ ، مِنْ حيثُ التناسقِ والرشاقةِ والجمالِ. والعجيبُ أنَّ كثيراً مِنَ الناسِ لا يحافظونَ على هذا التكريمِ الإلهيِّ لهم ، وذلكَ بتعاطيهِم للموادِ الضارةِ بالجسمِ أو بكثرةِ الأكلِ مَع قلةِ الحركةِ ، مِمَّا يؤدي إلى الإضرارِ بالجمالِ الإلهي ، الذي منحَهُ لهم أحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، ناهيكَ عَن الأمراضِ وما يَنتجُ عنها مِنْ آلامٍ (أنظرْ المزيدَ عَن هذهِ المرحلةِ الرابعةِ عِندَ عرضِ الآيةِ الكريمةِ 7: 11 لاحقاً).

15. وتخبرُنا الآيةُ الكريمةُ 82: 8 أنَّ التركيبةَ الوراثيةَ للمولودِ مِنَ البشرِ يُمكنُ أنْ تأخذَ أيةَ صورةٍ شاءَها اللهُ ، تبارَكَ وتعالي:

فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ (الانْفِطَارُ ، 82: 8).

وقد أوردَ الطبريُّ وابنُ كثيرٍ حديثاً منسوباً للنَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، نَصُّهُ: "إِنَّ النُّطْفَة إِذَا اِسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِم أَحْضَرَهَا اللَّه تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ." ووافقَ مَعَهُما القرطبيُّ في أنَّ الآيةَ والحديثَ يُشيرانِ إلى أنَّ الجنينَ الإنسانيَّ يُمكنُ أنْ يُظْهِرَ بعضاً مِنْ صفاتِ وملامحِ الأقاربِ وغيرِهِم مِنَ البشرِ ، وحتى بعضَ ملامحِ الحيواناتِ. [7]

والْمُلاحَظُ أنَّ الناسَ يختلفونَ في مظهرِهِم ، مِنْ حيثُ الطولِ والوزنِ ولونِ البشرةِ وملامحِ الوجهِ ، إلا إنهم يحملونَ نفسَ الصفاتِ الوراثيةِ منذُ المرحلةِ الأولى مِنَ الخلقِ الأولِ ، مروراً بِآدَمَ ، وحتى والديهِم. وهكذا ، فأكبرُ الاحتمالاتِ أنْ تكونَ صُوَرُهُم مشابهةً لصورِ الوالدينِ والأقربينَ ، ولكنْ هُناكَ احتمالاتٌ أخرى بألَّا تكونَ صورةُ إنسانٍ ما شبيهةً بالأقاربِ. بَلْ إنَّ بعضَ الناسِ رُبَما تَظهرُ في صورِهِم ملامحٌ مِنَ الحيواناتِ ، وخاصةً في الأذنينِ والأنفِ والفمِ والذقنِ والرقبةِ والعيونِ.

16. وتشيرُ الآيةُ الكريمةُ 15: 29 إلى المرحلةِ الخامسةِ مِنَ الخلقِ الأولِ للإنسانِ ، ألا وهِيَ نَفْخُ روحِ اللهِ فيهِ ، فتقولُ:

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (الْحِجْرُ ، 15: 29 ، ص ، 38: 72).

وهذهِ الآيةُ الكريمةُ ، التي تكررتْ نصاً في 38: 72 ، تَدُلُّ على أنَّ نفخَ روحِ اللهِ في الإنسانِ كانَ المرحلةَ الخامسةَ مِنَ الخلقِ الأولِ لَهُ ، والتي سبقتْ أمْرَ السجودِ لآدَمَ. والدليلُ على ذلكَ استخدامُ حرفُ الفاءِ في فعلِ الأمرِ "فَقَعُوا" ، والذي يُفيدُ الترتيبَ مَع التعقيبِ بِلا مُهلةٍ ، أي التتابعَ الزمنيِّ المتلاحمِ. أمَّا في الآيةِ الكريمةِ 7: 11 ، فإنَّ أمْرَ السجودِ لآدَمَ قد جاءَ بعدَ التصويرِ بوقتٍ طويلٍ ، كما يدلُّنا على ذلكَ استخدامُ كلمةِ "ثُمَّ" ، التي تُفيدُ الترتيبَ مَعَ التأخيرِ ، أيْ التتابعِ الزمنيَّ البعيدِ.

وبالنسبةِ لماهيةِ الرُّوحِ ، فما أوتينا مِنَ العلمِ عنها إلا قليلاً ، كما ذَكَرَ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، في الآية الكريمة 17: 85. وهُناكَ مناقشةٌ خفيفةٌ عَنْ ذلكَ ، في الفصلِ التاسعِ مِنْ هذا الكتابِ: " الرُّوحُ وَالْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ."                                 

وَنَفْخُ روحِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، في الإنسانِ إنما هوَ تكريمٌ لَهُ ورفعٌ لشأنِهِ. فهذا الجزءُ مِنَ الصِّبغةِ الوراثيةِ الإنسانيةِ هوَ الذي أدى لاكتسابِ الإنسانِ صفاتِهِ الكريمةِ العديدةِ ، مِثلِ القدرةِ على التمييزِ والاختيارِ ما بينَ الخيرِ والشرِّ ، والمنطقِ ، والقدرةِ على الامتناعِ عَنْ الرذائلِ ، والتخطيطِ ، والتعبيرِ ، والسعيِّ للعلمِ ، والعِمارةِ ، كما ستتمُّ مناقشتُهُ في الفصلِ الخامسِ مِنْ هذا الكتابِ: "الإنْسَانُ: خَلِيفَةُ اللهِ عَلَى ألأرْضِ."

17-20. تُشِيرُ الآيةُ الكريمةُ 7: 11 إلى الحدثِ الفارِقِ العظيمِ في تاريخِ الإنسانيةِ ، والذي تَمَّ ذِكْرُهُ أيضاً في الآيةِ الكريمةِ 15: 29 المذكورةِ أعلاهُ. فبعدما أتَمَّ اللهُ ، سُبْحَانَهُ وتعالى ، مراحلَ الخلقِ الخمسِ الأولى ، التي شمِلتْ بَثَّ الحياةِ في الخليةِ الأولى ، والتسويةَ ، والاعتدالَ ، وتحسينَ الصورةِ ، ونفخَ الروحِ ، فإنَّهُ شاءَ أنْ يرفعَ مكانةَ الإنسانِ ويُكَرِّمَهُ ، بأمرِهِ للملائكةِ أنْ يسجدوا لَهُ:

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (الأعْرَافُ ، 7: 11).

فقد وصلَ الإنسانُ إلى درجةٍ عقلانيةٍ وخُلُقِيَّةٍ متقدمةٍ ، أهلتهُ أنْ يكونَ عندَ حُسْنِ ظَنِّ خالقهِ بِهِ ، فأكرمَهُ بالاتصالِ بِهِ وحياً ، وجَعَلَهُ خليفةً لَهُ على الأرضِ. وكانَ مِنْ مظاهرِ هذهِ المرحلةِ العقلانيةِ المتقدمةِ قيامُ الإنسانِ باختراعِ وسائلَ الاتصالِ مِنْ بدنيةٍ ولغويةٍ ، مِمَّا مكنهُ مِنْ تبادلِ المعلوماتِ والأفكارِ مَعَ الآخرينَ. وبالتالي فإن ذلك قد ساعده على التكيف مع بيئته واستغلال مصادرها ، مما أدى لتقدمه وازدهاره.

وإذا ما قارنا قُدراتِ الإنسانِ العقليةِ والاتصالاتيةِ مَعَ قُدراتِ أقربَ الحيواناتِ إليهِ ، نَجِدُهُ قد تميزَ عنها بعدةِ صفاتٍ خِلْقِيَّةٍ أهلتهُ لذلكَ. ومِنْ أهمِّ هذهِ الصفاتِ أنَّ الإنسانَ يتميزُ بدرجةٍ مِنَ الذكاءِ وحفظِ المعلوماتِ هِيَ أعلى بكثيرٍ مِنْ أيِّ كائنٍ حيوانيٍّ آخَرَ على ظهرِ الأرضِ ، بحسبِ مقياسِ EQ ، الذي يُقَارِنُ حجمَ الدماغِ ووزنَهُ بالنسبةِ إلى الجسدِ ، وذلكَ داخلَ الجنسِ الواحدِ وبينَ مُختلفِ الأجناسِ أيضاً.

أضفْ إلى ذلكَ أنَّ الحنجرةَ موجودةٌ على زاويةٍ قائمةِ تُمَكِّنُ صندوقَ الصوتِ فيها بالتحكمِ الدقيقِ في دخولِ وخروجِ الهواءِ مِمَّا مكنَ الإنسانَ مِنْ إنتاجِ أصواتٍ محددةٍ أصبحتْ بمثابةِ الوحداتِ الأساسيةِ في اللغةِ. هذهِ هيَ الصفاتُ الأساسيةُ التي ميزتْ الإنسانَ ، وهيأتْهُ للتفكيرِ والاتصالِ بالآخرينَ مِنْ جنسهِ، وللقدرةِ على استقبالِ الوحيِّ مِنْ رّبِّهِ. [8]

وبالنسبةِ للتقدمِ الأخلاقيِّ للإنسانِ ، فأساسهُ البرمجيةُ الأخلاقيةُ التي وضعَها فيهِ خَالِقُهُ ، عَزَّ وّجَلَّ ، عندما نفخَ فيهِ مِنْ روحِهِ (الْحِجْرُ ، 15: 29 ، ص ، 38: 72) ، والذي أدى إلى أنَّ الإنسانَ أصبحَ مجبولاً على الخيرِ ، كما أنَّهُ قد أصبحَ قادراً على التمييزِ بينَ الخيرِ والشرِّ ، وأعطاهُ خالقهُ حريةَ الاختيارِ في قراراتِهِ وأفعالِهِ ، ولذلكَ حقتْ محاسبتُهُ بناءً على ذلكَ. وتتمركزُ الناحيةُ الأخلاقيةُ للنفسِ الإنسانيةِ في مقدمةِ الدماغِ ، فيما يُعرفُ بِالنَاصِيَةِ ، كما نعلمُ مِنْ دراساتِ العلماءِ المتخصصينَ في الدماغِ البشريِّ. والناصيةُ في القواميسِ اللغويةِ العربيةِ هيَ الجبهةُ ، وكذلكَ قال القرطبيُّ عنها في تفسيرِهِ للآيةِ الكريمةِ 11: 56 ، وزادَ بقولِهِ إنها ما بينَ العينينِ مِنَ الجبهةِ. وهذا بالضبطِ ما يقولُ بِهِ الباحثونَ في وظائفِ أجزاءِ الدماغِ البشريِّ. [9]

كذلكَ ، فإنَّ اللهَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، قد ذَكَرَ لنا الناصيةَ وخصائِصَها مِنْ قَبْلُ ، في الآياتِ الكريمةِ 11: 56 و96: 15-16 ، كما يلي: 

إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّـهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (هُودُ ، 11: 56).

أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّـهَ يَرَىٰ ﴿١٤﴾ كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴿١٥﴾ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴿١٦﴾ (الْعَلَقُ ، 96: 15-16).

وقد اصطفى اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، آدَمَ (آلُ عِمْرَانَ ، 3: 33) ، لِيُمَثِّلَ البشريةَ في سِجَالٍ مَهِيبٍ مَعَ الملائكةِ ، لكيْ يُثْبِتَ لهم استحقاقَ الإنسانِ لثقةِ خالِقِهِ بِهِ ، كيفَ لا وهوَ الذي خَلَقَهُ بيديهِ (صَ ، 38: 75). فبدأتْ الآيةُ الكريمةُ 7: 11 بذكرِ المرحلةِ الأولى مِنَ الخَلقِ الأولِ ، ثُمَّ ذَكَرَتْ المرحلةَ الرابعةَ على سبيلِ الاختصارِ ، وهيَ "أحسنُ التصويرِ" ، وذلكَ مِنْ خلالِ مخاطبةِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، لعبادِهِ مِنَ البشرِ ، بصيغةِ الجمعِ. وبعدَ ذلكَ ، ذكرتْ الآيةُ الكريمةُ آدَمَ ، عليهِ السلامُ ، بصيغةِ المفردِ ، إشارةً إلى أنَّهُ أحدُ البشرِ الذينَ خَلَقَهُم وسَوَّاهُم وعَدَّلَهُم وأحْسَنَ صُوَرَهُم ونَفَخَ فيهِم مِنْ رُوحِهِ. ولكنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، اصطفى آدَمَ مِنْ بينِهم ، كخيرِ ممثلٍ لهم في هذا الحدثِ العظيمِ.  

وقد جاءَ هذا التكريمُ لآدَمَ ونسلِهِ مِنْ بَعدِهِ بناءً على صفاتِهِم الكريمةِ السالفةِ الذكرِ ، وخاصةً عبادتِهِم للهِ بالاختيارِ (الْبَلَدُ ، 90: 10). كما أنَّ البشرَ قادرونَ على اكتسابِ المعرفةِ (الْبَقَرَةُ ، 2: 31) ، وهم أيضاً مُحِبُّونَ لعمارةِ الأرضِ (هُودُ ، 11: 61) ، مُندفعينَ إلى ذلكَ بعواملَ ذاتيةٍ فيهِم ، كما لاحظَ ذلكَ علماءُ تاريخِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) ، الذين أطلقوا عليهِم اسمَ "الإنسانِ العاقلِ الحكيمِ." [10]

وهكذا ، يُخبرُنا رَبُّنَا ، تبارَكَ وتعالى ، في هذهِ الآيةِ الكريمةِ (الأعْرَافُ ، 7: 11) ، أنَّهُ أمَرَ الملائكةَ بأنْ يسجدوا لآدَمَ اعترافاً منهم بِعُلُوِّ مكانتِهِ عليهِم ، هَو والمؤمنينَ مِنْ نسلهِ بعد َذلكَ. فسجدوا أجمعينَ ، إلا إبليسَ ، الذي عصى أمْرَ رَبِّهِ ، محتجاً بأنَّهُ أفضلُ مِنْ آدَمَ خَلْقاً ، إذْ خَلَقَهُ اللهُ مِنْ نارٍ بينما خَلَقَ آدَمَ مِنْ طينٍ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 7: 12.

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (الأعْرَافُ ، 7: 12)

وطلبَ إبليسُ مِنَ الْخَالِقِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، أنْ يُمْهِلَهُ وذريتَهُ ، لِيُثْبِتَ لَهُ أنَّ الإنسانَ لا يستحقُّ ذلكَ التكريمِ ، وأنَّ أغلبَ الناسِ لَنْ يكونوا شاكرينَ لِنِعَمِ اللهِ عليهِم. فَقَبِلَ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، ذلكَ التحدي مِنْ إبليسَ ، لِعِلْمِهِ بصفةِ الخيرِ التي وضعَها في البشرِ. فأجَّلَ عقابَهُ ، وعقابَ ذريتِهِ ومَنْ يَتْبَعُهُ ، سواءٌ كانوا بشراً أمْ مِنَ الْجِنِّ ، كما جاءَ في الآياتِ الكريمةِ 7: 12-18 و11: 119 ، وكما هوَ مُفَصَّلٌ في الفصلِ السادسِ مِنْ هذا الكتابِ: " امْتِحَانُ آدَمَ أَمَامَ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْجَنَّةِ."

21. وَتُخْبِرُنَا الآيةُ الكريمةُ 14: 19 إلى أنَّ اللهَ ، تَبَارَكَ وتَعَالَى ، إنْ شاءَ ، فهوَ قادرٌ على إهلاكِ البشرِ جميعاً ، ومحوهِم مِنَ الوجودِ على الأرضِ ، واستبدالِهِم بِخَلْقٍ جديدٍ ، كيفَ لا وهوَ الذي خَلَقَ السماواتِ والأرضَ مِنْ قَبْلُ ، ولَخَلْقَهُنَّ أكبرُ مِنْ خَلْقِ الإنسان ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 40: 57. 

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (إبْرَاهِيمُ ، 14: 19).

لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (غَافِرُ ، 40: 57).

وبإمكانِ علماءٍ الطبيعياتِ أنْ يجدوا سنداً مِنْ هذهِ الآيةِ الكريمةِ لنظرياتِهِم عَنْ انقراضِ كثيرٍ مِنْ أجناسِ الحيواناتِ التي سادتْ الأرضَ في العصورِ السابقةِ ، مِثْلِ الديناصوراتِ.

وهكذا ، فاللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، قد خَلَقَ السماواتِ والأرضَ بالحقِّ ، أيْ في نظامٍ مُتْقَنٍ ، خاصةً في العلاقاتِ التي تَرْبِطُ أجزاءَهُ. فالموقعُ المثاليُّ للأرضِ في بُعدِها عَنْ الشمسِ أدى لوجودِ الحياةِ وازدهارِها واستمرارِها على ظهرِها. كما أدى البعدُ والقربُ مِنْ خطِّ الاستواءِ ، الذي يُمَثِّلُ أقصرَ نقطةٍ في المسافةِ بينَ الشمسِ والأرضِ ، إلى تَكَوُّنِ الأقاليمِ المناخيةِ والبيئيةِ المختلفةِ ، وبالتالي إلى التنوعِ المدهشِ في أنواعِ النباتاتِ والحيواناتِ على سطحِها. ومِنْ مظاهرِ الإتقانِ أيضاً أنَّ نسبةَ المياهِ على الأرضِ (70%) تساوي نسبةَ المياهِ في جسمِ الإنسانِ أيضاً. وبالإضافةِ إلى ذلكَ ، فإنَّ التوازنَ ما بينَ الأكسجينِ وثاني أكسيدِ الكربونِ ، وتَكَوُّنَ طبقةِ الأوزونِ ، التي تَحمي الأرضَ مِنَ الأشعةِ الكونيةِ فوقَ البنفسجيةِ الضارةِ ، هُما مثالانِ آخَرَانِ على خَلْقِ السماواتِ والأرضِ بِالْحَقِّ ، كما تُشيرُ إليهِ الآيةُ الكريمةُ.

22. وتُخْبِرُنَا الآيةُ الكريمةُ 76: 11 ، بأنَّهُ كانَ هُناكَ زمنٌ اندثرَ فيهِ الإنسانُ وانقرضَ ، واختفى ذِكْرُهُ عَنْ وجهِ الأرضِ:

هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (الإنْسَانُ ، 76: 1).

وبإمكانِ علماءِ الأحياءِ وتاريخِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) ، على وجهِ الخصوصِ ، أنْ يجدوا سنداً لفرضياتِهِم عَنْ انقراضِ أجناسٍ إنسانيةٍ سابقةٍ ، فيما يُعَبِّرُونَ عنهُ بالحلقةِ المفقودةِ بينَها وبينَ الأجناسِ الأُخرى اللاحقةِ لها. وهذِه الآيةُ الكريمةُ تشيرُ أيضاً إلى قُدْرَةِ الْخَالِقِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، على إعادةِ خَلقِ الكائناتِ الحيةِ المنقرضةِ. وفي ذلكَ إشارةٌ لنا أيضاً بالتفكيرِ في قُدرتِهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، على إعادةِ الخَلقِ في اليومِ الآخِرِ ، تَوْطِئَةً للحسابِ ، كما تمتْ الإشارةُ إليهِ أنفاً )الْعَنْكَبُوتُ ، 29: 19-20(. [11]   

23. وَتُشِيرُ الآيةُ الكريمةُ 32: 8 إلى الخلقِ الثاني للإنسانِ ، أيْ في الرَّحِمِ ، الذي يَتُمُّ فيهِ التكاثرُ بتزاوجِ سائلِ الذكرِ وبويضةِ الأنثىِ ، بعدَ أنْ كانَ بانقسامِ الخلايا في المرحلةِ الأولى مِنَ الخَلقِ الأولِ ، حيثُ يقولُ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى:

ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (السَّجْدَةُ ، 32: 8).

هذهِ الآيةُ الكريمةُ تصفُ النسل َ، أيْ التكاثرَ ، بأنَّهُ نتيجةً لاتحادِ كميةٍ ضئيلةٍ جداً مِنَ الموادِ المائيةِ المنتَجةِ مِنَ الذَّكَرِ والأنثى ، وهذا وصفٌ في غايةِ الدِّقَةِ ، وهوَ سابقٌ لمعرفةِ الإنسانِ الحديثةِ لذلكَ ، وقبلَ اكتشافِ الكاميراتِ المجهريةِ واستعمالِها لهذا الغرضِ.

24. وَتُعَدِّدُ الآيةُ الكريمةُ 32: 9 أنْعُمَ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، على الإنسانِ ، فَتَذْكُرُ أنَّهُ بعدَ مراحلَ الخَلقِ الأولِ ، بما في ذلكَ التسويةِ ونفخِ الرُّوحِ ، أضافَ اللهُ ، تبارَكَ وتعالى ، أنْعُمَاً أُخرى على الإنسانِ تمثلتْ في السمعِ والبصرِ والفؤادِ ، وهِي نِعَمٌ عظيمةٌ مِنَ اللهِ لمخلوقاتِهِ ، ولكنْ قليلاً مِنَ الناسِ يشكرونَهُ على ذلكَ:

ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (السَّجْدَةُ ، 32: 9).

وهكذا ، فإنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، قد منحَ الحياةَ لمخلوقاتِهِ ، بما في ذلكَ الإنسانِ ، ثُمَّ سوى خَلْقَهُ ، بقيامِ أعضاءِ الجسمِ بأداءِ وظائِفِها تلقائياً. ولكنهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قد أكرمَ الإنسانَ بإضفاءِ جزءٍ آخَرَ مِنْ رُوحِهِ عليهِ ، مِمَّا ميزهُ عَنْ باقي مخلوقاتِهِ ، بأنْ مَكَّنَهُ مِنَ التمييزِ ما بينَ الخيرِ والشرِّ ، وبالتالي مِنَ القُدرةِ على الاختيارِ في قراراتِهِ وأفعالِهِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في شرحِ الآياتِ الكريمةِ 11: 56 و96: 15-16 (للمزيدِ عَنْ الرُّوحِ ، انظرْ الفصلَ التاسعَ مِنْ هذا الكتابِ: "الرُّوحُ وَالْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ").   

25. وَتُشِيرُ الآيةُ الكريمةُ 71: 17 ، إلى أوْجُهِ الشبهِ بينَ حياةِ الإنسانِ وحياةِ النباتِ ، فتقولُ:  

وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (نُوحُ ، 71: 17).

وتَذّكُرُ هذهِ الآيةُ الكريمةُ بأنَّ الإنسانَ يعودُ في أصلهِ إلى الخَلقِ الأولِ ، الذي كانَ تحتَ سطحِ الأرضِ ، في المستنقعاتِ المنتنةِ. ثُمَّ بعدَ ذلكَ ، تطورتْ الكائناتُ البدائيةُ ، فأخذتْ أشكالاً أُخرى مِنَ الحياةِ ، مِثلَ النباتِ والإنسانِ. فكلاهما خرجا مِنَ الأرضِ ، للحياةِ على سطحِها ، ثم يعودانِ إليها بعدَ الموتِ. وكما أنَّ الحياةَ تَدُبُّ مِنْ جديدٍ في بذرةِ النباتِ ، بعدَ موتهِ ، بتوفرِ الضوءِ والماءِ والهواءِ ، فإنَّ الحياةَ سَتَدُبُّ في الإنسانِ ، بمشيئةِ اللهِ ، حينَ بعثهِ ، في اليومِ الآخِرِ. [12]

26. وَتُفَصِّلُ الآيةُ الكريمةُ 18: 37 معنى الآيةِ الكريمةِ 71: 14 "وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا" ، بِذِكْرِهَا للخَلقِ الأولِ ثُمَّ لبعضِ أطوارِ الخَلقِ الثاني ، كما يلي:

 قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (الْكَهْفُ ، 18: 37).

فَذِكْرُ الترابِ هُنا إشارةٌ للخَلقِ الأولِ. أمَّا ذِكْرُ النُّطْفَةِ فهوَ إشارةٌ للمرحلةِ الأولى مِنَ الخَلقِ الثاني في الرَّحِمِ ، والذي يشتملُ على خمسةِ أطوارٍ ، أو مراحلَ ، كما ستوضحُهُ الآيةُ الكريمةُ 23: 14 لاحقاً. والنطفةُ هي بيضةُ المرأةِ التي تَمَّ تخصيبُها ، أو تلقيحُها ، بِمَنِيِّ الرَّجُلِ ، وهِيَ بدايةُ المخلوقِ الجديدِ.

وَذِكْرُ جنسِ الجنينِ ، أيْ تسويتِهِ رجلاً في هذهِ الحالةِ ، بعدَ ذِكْرِ النطفةِ ، هوَ إشارةٌ إلى ظهورِ العضوِ الجنسيِّ الخارجيِّ للجنينِ بعدَ التخصيبِ بحواليْ ستةِ أسابيعَ ، لكنَّ تمييزَ الذكورِ عَنْ الإناثِ يكونُ ممكناً ابتداءً مِنَ الأسبوعِ التاسعِ بعدَ التخصيبِ. [13]

27. وَتُؤَكِدُ الآيةُ الكريمةُ 35: 11 على المعاني التي تضمنتْها الآيةُ الكريمةُ 18: 37 ، وتضيفُ إليها معنىً آخَرَ ، هوَ التكاثرُ بالتزاوجِ بينَ البشرِ ، فتقولُ:

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا (فَاطِرُ ، 35: 11).

28. وَتُضِيفُ الآيةُ الكريمةُ 40: 67 المرحلةَ الثانيةَ للخَلقِ الثاني في الرَّحِمِ ، وهِيَ الْعَلَقَةُ:

 هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً (غَافِرُ ، 40: 67).

وَتَتَحَوَّلُ النطفةُ إلى علقةٍ ، التي تُشبهُ الْعَلَقَةَ في شكلِها وفي صفاتِها. حيثُ تتعلقُ بجدارِ الرَّحِمِ ، الذي تمتصُ منهُ الدمَ ، تماماً كالعلقةِ التي تتعلقُ بجسمِ الإنسانِ أو الحيوانِ وتمتصُ الدمَ منهُ.

29 -31. وَتَذْكُرُ الآياتُ الكريمةُ 23: 12-14 الخَلقَ الأولَ مِنْ طينٍ ، ثُمَّ تُجْمِلُ الأطوارَ الخمسةَ المتتاليةَ للخَلقِ الثاني ، في الرَّحِمٍ ، كما يلي:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ﴿١٢﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿١٣﴾ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴿١٤﴾  (الْمُؤْمِنُونَ ، 23: 12-14).

وهذهِ الآياتُ الكريمةُ تصفُ المراحلَ الخمسةَ للخَلقِ الثاني في الرَّحِمِ ، في غايةِ الدقةِ ، كما تذكرُها في تتابعٍ دقيقٍ أيضاً أيَدَتْهُ أبحاثُ علمِ الأجنةِ الحديثِ.  فالمرحلةُ الأولى هِيَ النُّطْفَةُ ، أيْ البويضةُ المخصَّبةُ التي تستمرُّ لمدةِ أسبوعٍ بعدَ التخصيبِ ، وتتكاثرُ خلاياها بالانقسامِ خلالَ هذهِ المدةِ.

ثُمَّ تتحولُ النطفةُ إلى عَلَقَةٍ خلالَ الأسبوعينِ الثاني والثالثِ ، وتلكَ هِيَ المرحلةُ الثانيةُ ، وهِيَ تشبهُ العلقةَ في شكلِها وفي صفاتِها ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ عَنْ معاني الآيةِ الكريمةِ 40: 67.

وفي بدايةِ الأسبوعِ الرابعِ ، وبالتحديدِ في اليومِ الثاني والعشرينَ ، يبدأُ القلبُ بالنبضِ ، وينتقلُ الجنينُ إلى المرحلةِ الثالثةِ مِنَ الخَلقِ في الرَّحِمِ ، وهِيَ الْمُضْغَةُ ، التي تشبهُ قطعةَ لحمٍ يمضغُها الماضغُ ، ولا يَظهرُ فيها شيءٌ مِنَ الأعضاءِ في البدايةِ ، ولكنها سَرعانَ ما تبدأُ في التَّخَلُّقِ ، فتظهرُ الأعضاءُ جليةً في الأسبوعينِ الرابعِ والخامسِ.

ثم تبدأُ المرحلةُ الرابعةُ للخَلقِ في الرَّحِمِ ، بِتَكَوُّنِ الْعِظَامِ قبلَ نهايةِ الأسبوعِ السادسِ بقليلٍ ، أيْ خلالَ اليومينِ الثامنِ والثلاثينَ والأربعينَ مِنْ تَكَوُّنِ الجنينِ. ومَع بدايةِ الأسبوعِ السابعِ ، يتخلقُ الهيكلُ العظميُّ الغضروفيُّ ، فيتصلبُ البدنُ ، ويتميزُ الرأسُ مِنَ الجذعِ ، وتَظهرُ الأطرافُ.

أمَّا المرحلةُ الخامسةُ ، فتبدأُ في نهايةِ الأسبوعِ السابعِ ، وتستمرُ خلالَ الأسبوعِ الثامنِ ، حيثُ تكتسي العظامُ بِالْلَّحْمِ ، أيْ بالعضلاتِ ، ويكتملُ خَلْقُ الأعضاءِ والأجهزةِ الداخليةِ والخارجيةِ للجنينِ ، والتي يستمرُّ حجمُها في النموِّ بعدَ ذلكَ. [14]

32. وهكذا ، بَيَّنَتْ لنا الآياتُ الكريمةُ السابقةُ الخلقَ الأولَ للحياةِ على هذا الكوكبِ ، ثُمَّ الخَلقَ الثاني في الرَّحِمِ ، بأطوارِهِما الخمسةِ في الحالتينِ. أمَّا الآياتُ الكريمةُ التاليةُ ، فإنها تُلفتُ نظرَ الناسِ إلى بعضِ الظواهرِ الطبيعيةِ والكونيةِ من حولِهِم ، ليتفكروا فيها ، فيؤمنوا باللهِ ، الْخَالِقِ الْعَظِيمِ. ومِنْ ذلكَ آياتٌ عَنْ كيفيةِ حدوثِ البعثِ ، وآياتٌ أخرى تدعوا إلى البحثِ في أسبابِ اختلافِ ألوانِ الناسِ ولغاتِهِم ، وفي طبيعةِ الأرضِ ، وفي العلاقةِ ما بينَ الأرضِ والقمرِ والشمسِ ، وما يعودُ ذلكَ عليهِم مِنْ فوائدَ.

فالآية الكريمةُ 10: 92 تخبرُنا أنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، شاءَ الحفاظَ على بَدَنِ (جَسَدِ) فرعونَ بعدَ أنْ أغرقَهُ ، كما وَرَدَ في الآيةِ الكريمةِ 10: 90 ، ليكونَ ذلكَ آيةً للناسِ ، ودليلاً على حدوثِ قصةِ خروجِ بني إسرائيلَ مِنْ مِصْرَ ، بما في ذلكَ معجزةِ فَلْقِ البحرِ بضربةٍ مِنْ عصا موسى ، عليهِ السلامُ:

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (يُونُسُ ، 10: 92).

وهذهِ الآيةُ الكريمةُ متعلقةٌ بالأمرِ الإلهيِّ الواردِ في الآيةِ الكريمةِ 29: 20 ، بالسيرِ في الأرضِ للتعرفِ على كيفيةِ بدءِ اللهِ للخَلقِ. وقد تّمَّ تنفيذُ هذا الآمرِ الإلهيِّ مِنْ خلالِ تأسيسِ العلومِ الحديثةِ ، بما في ذلكَ علمِ التنقيبِ عَنْ الآثارِ القديمةِ ، وهوَ الذي أدَّى إلى اكتشافِ الأجسادِ المحنطةِ للفراعنةِ (المومياواتِ) ، مِنْ ملوكِ مِصْرَ القدماءِ.

وقد أوردَ ابنُ كثيرٍ تفسيراً لهذهِ الآيةِ الكريمةِ ، مؤداهُ أنَّ بني إسرائيلَ طلبوا مِنْ موسى ، عليهِ السلامُ ، أنْ يُرِيَهُم جسدَ فرعونَ بعدَ غرقِهِ ، ليتأكدوا مِنْ موتِهِ. فأمرَ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، البحرَ بأنْ يُلقيَ بجسدِهِ إلى الشاطئِ ليروهُ ، وليتحققوا مِنْ موتِهِ.

وقد أغفلَ هذا التفسيرُ سببَ مشيئةِ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، في نجاةِ بدنِ فرعونَ ، ألا وهوَ أنْ يكونَ ذلكَ البدنُ الناجيُ آيةً لِمَنْ يأتي خلفَ فرعونَ ، أيْ بعدَهُ. ولا ينطبقُ ذلكَ على بني إسرائيلَ آنذاكَ ، وهم الذينَ عاصروا فرعونَ ، وإنما ينطبقُ على البشريةِ عامةً بعد ذلكَ.

والتفسيرُ الأقربُ لمعاني الآيةِ الكريمةِ أنَّ بني إسرائيلَ قد عبروا خليجَ السويسِ ، عند منطقةٍ ضيقةٍ مِنْ طرفِهِ الشماليِّ ، يبلغُ عرضُها حواليْ اثنا عشرَ ميلاً. وقد ألقى البحرُ بدنَ فرعونَ على الجانبِ الغربيِّ للخليجِ ، حتى يَجِدَهُ المصريونَ ويَرجعوا بِهِ ، وليسَ على الجانبِ الشرقيِّ ، حيثُ كانَ بنو إسرائيلَ. وهكذا ، أخذَهُ الجنودُ الذينَ لَمْ يَغرقوا في البحرِ ورجعوا بِهِ إلى مِصْرَ ، لِيَتِمَّ تحنيطُهُ ، جرياً على عادِةِ المصريينَ القدماءِ إزاءَ ملوكِهِم وكبرائِهِم. وبالتالي ، أصبح َجسدُهُ آيةً لِمَنْ أتى خلفَهُ (بَعْدَهُ) مِنَ البشرِ ، حتى يومِنا هذا.

ولا يوجدُ اتفاقٌ بينَ المؤرخينَ على مَنْ هوَ الفرعونُ الذي تشيرُ إليهِ الآيةُ ، وذلكَ لأنَّ الكتاباتِ المصريةَ القديمةَ لا تذكرُ ذلكَ الحدثِ تحديداً. كما أنَّ كُلاً مِنَ القرآنِ الكريمِ والعهدِ القديمِ مِنَ الكتابِ المقدسِ لَمْ يذكرْ اسمَهُ. ولذلكَ ، نَجِدُ آراءً عديدةً عَمَّنْ كانَ ذلكَ الفرعونُ وعَنْ زمانِ خروجِ بني إسرائيلَ مِنْ مِصْرَ. ولكنَّ دائرةَ المعارفِ البريطانيةِ تُرَجِّحُ الرأيَ الذي يتلخصُ في أنَّ الفرعونَ الذي رفضَ خروجَ بني إسرائيلَ مَعَ موسى ، عليهِ السلامُ ، كانَ رَمْسِيسُ الثاني (1279-1212 قَبْلَ الميلادِ). أمَّا الفرعونُ الذي تّمَّ خروجُهُم في عهدِهِ فهوَ ابنُهُ مِرِنْبْتاح ، الذي حَكَمَ في الفترة ما بينَ عامِ 1212 و عامِ 1202 ، قبلَ الميلادِ. ويَحظى هذا الرأيُ بتأييدِ جوشوا مارْك ، الذي يَنفي أنْ يكونَ رَمْسِيسُ الثاني هوَ الفرعونُ الغارقُ.

ومِنْ مؤيدي هذا الرأيِّ أيضاً موريس بوكاي ، الذي قالَ بأنَّ رَمْسِيسَ الثاني هوَ الذي كانَ يُعَذِّبُ بني إسرائيلَ ، ولكنهُ ماتَ أثناءَ لجوءِ موسى ، عليهِ السلامُ ، إلى مَدْيَنَ. وهذا يعنى أنْ ابنَهُ مِرِنْبْتَاح هوَ الذي لَحِقَ بهم وغَرِقَ في خليجِ السويسِ ، أثناءَ تعقبِهِ لهم فيهِ. وقد عُثِرَ على مومياءِ جثتِهِ المحنطةِ في وادي الملوكِ بطيبةٍ ، في عامِ 1898 ، مَعَ المومياواتِ الأُخرى لفراعنةِ مِصْرَ. وفي عامِ 1975 ، اشتركَ بوكاي مَعَ مجموعةٍ مِنَ الأطباءِ في فحصِ جُثَّةِ مِرِنْبْتَاح المحنطةِ ، فوجدوا أنَّهُ ماتَ غرقاً. وقد كانَ هذا الاكتشافُ وغيرُهُ مِنَ الحقائقِ العلميةِ الدقيقةِ في القرآنِ الكريمِ سبباً في إسلامِهِ ، كما عَبَّرَ عَنْ ذلكَ في كتبِهِ ومقالاتِهِ ومقابلاتِهِ. [15]

33-35. وَتُخْبِرُنَا الآياتُ الكريمةُ 17: 49 -51 عَنْ نبوءاتٍ قد حدثتْ وأُخرى لَمْ تَحدثْ بعدُ ، عَنْ قُدرةِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، على بعثِ الناسِ للحسابِ في اليومِ الآخِرِ ، كما يلي:                

وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (الإسْرَاءُ ، 17: 49).

قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (الإسْرَاءُ ، 17: 50).

 أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ (الإسْرَاءُ ، 17: 51). [16]

في تفسيرِهِم لهذهِ الآياتِ الكريمةِ ، ذَكَرَ الطبريُّ والقرطبيُّ وابنُ كثيرٍ ، جزاهم اللهُ خيراً ، أنَّ المشركينَ مِنْ قُرَيْشٍ قد تَحَدَوا الرسولَ ، عليهِ الصلاةُ والسلامُ ، متسائلينَ بصيغةٍ استنكاريةٍ عَنْ كيفيةِ قُدرةِ اللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، على بعثِ الناسِ مِنْ قبورِهِم للحسابِ في اليومِ الآخِرِ ، بعدما يتحولونَ إلى عظامٍ وتُرابٍ وغبارٍ. فأوحى اللهُ لرسولِهِ بأنْ يَرُدَّ على تساؤلِهِم بأنَّهُ قادرٌ على بعثِهِم ، ليسَ فقطْ بعدما يصبحونَ عظاماً ورفاتاً ، وإنما أيضاً حتى لو أصبحوا حجارةً أو حديداً أو أكبرَ مِنْ ذلكَ.

ولَمْ يَذْكُرْ المفسرونَ الثلاثةَ كيفَ يُمْكِنُ أنْ يُصبحَ الإنسانُ حَجَرَاً أو حَدِيدَاً أو أكْبَرَ مِنْ ذلكَ ، لأنَّ العلمَ بتلكَ الحالاتِ مِنَ التغيُّرِ لَمْ يَكُنْ مُتاحاً في القرونِ التي عاشوا فيها. أمَّا بالنسبةِ لزمانِنا هذا ، فهذهِ الآياتُ الكريمةُ تُشِيرُ إلى حقائقَ علميةٍ ونبوءاتٍ قد حدثتْ وأُخرى مستمرةٌ في الحدوثِ.

فالآيةُ الأولى ، (الإسْرَاءُ ، 17: 49) ، تُقَرِّرُ حقيقةً عُرفتْ منذُ زمنٍ بعيدٍ ، ألا وهِيَ تَحَوُّلُ الموتى إلى عظامٍ ورفاتٍ ، وتُرَابٍ. أمَّا الآيةُ الثانيةُ ، (الإسْرَاءُ ، 17: 50) ، فهيَ نبوءةٌ لَمْ تتحققْ إلا في القرنِ الثالثَ عشرَ للهجرةِ (التاسعَ عشرَ للميلادِ) ، بعدَ تأسيسِ العلومِ الحديثةِ ، خاصةً عِلْمَيِّ الأحياءِ وتاريخِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) ، بما في ذلكَ فرعِ التنقيبِ عَنْ الآثارِ التابعِ لَهُ.

فقد تمكنَ علماءُ الآثارِ مِنْ اكتشافِ الحفرياتِ النباتيةِ والحيوانيةِ المختلفةِ ، وصنفوها بناءً على أنواعِها وعلى الأزمنةِ التي عاشتْ فيها. ومِنْ ضمنِ ذلكَ ، تَمَّ اكتشافُ حفرياتٍ إنسانيةٍ عديدةٍ ، في صخورٍ مختلفةٍ ، معظمُها حجريةٌ وبعضُها حديديةٌ. وأدَّى ذلكَ إلى تمكنِ العلماءِ مِنْ وضعِ تسلسلٍ زمنيٍّ لتلكَ الحفرياتِ ، باستخدامِ وسائلَ تقديرِ الحفرياتِ التي تعودُ للأزمنةِ الغابرةِ ، مِثلِ وسيلةِ إشعاعِ الكربونِ-14 لقياسِ عُمُرِ الحفرياتِ خلالَ السبعينَ ألفِ سنةٍ الماضيةِ ، ووسيلةِ البوتاسيوم-أرغون لأقدمَ مِنْ ذلكَ.

وهكذا ، فإنَّ هذهِ الآيةَ الكريمةَ كانتْ بمثابةِ نبوءةٌ ، فحواها أنَّ الإنسانَ سيكتشفُ يوماً ما أنَّ الموتى يُمكنُ أنْ يُصبحوا حِجَارَةً أو حَدِيدَاً. عندَها ، سيعلمُ أنَّ ذلكَ هوَ كلامُ اللهِ ، سبحانَهُ وتعالى ، عَالِمُ الْغَيْبِ والشَّهَادَةِ ، الذي لا يَخفى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ. وعلى ذلكَ ، فالآيةُ الكريمةُ تَرُدُّ على كُفارِ قُرَيْشٍ بأنَّ اللهَ سيبعثُهُم للحسابِ بعدَ موتِهِم ، سواءً كانوا عِظاماً أو رُفاتاً ، وحتي إذا تحولوا إلى حفرياتٍ حجريةٍ أو حديديةٍ.

وَتُضِيفُ الآيةُ الكريمةُ الثالثةُ ، (الإسْرَاءُ ، 17: 51) ، احتمالاً خامساً لِتَحَوِّلِ جسمِ الإنسانِ (بالإضافةِ إلى العظامِ والرُّفاتِ والحجارةِ والحديدِ) ، وبأنَّ ذلكَ أيضاً لنْ يحولَ دونَ بعثِهِم للحسابِ في اليومِ الآخِرِ ، مهما كانتْ المادةُ التي يُمْكِنُ لأجسامِهِم أنْ تتحولَ إليها. ولَمْ يَكُنْ تَصَوُّرُ حدوثِ هذا الاحتمالِ ممكناً ، في القرونِ السابقةِ للقرنِ العشرينَ. فمنذُ عقودٍ قليلةٍ فقطٍ ، بدأَ استخدامُ موادَّ مختلفةً في جسمِ الإنسانِ ، بعضُها معدنيةٌ أقوى مِنَ الحديدِ ، لمساندَةِ العمودِ الفقريِّ والعظامِ والمفاصلِ والأسنانِ ، وبعضُها الآخَرُ شبيهٌ بالخلايا الإنسانيةِ لاستبدالِ خلايا الْفَتْقِ مثلاً. أضفْ إلى ذلكَ عملياتِ زرعِ الأعضاءِ ، وعملياتِ التجميلِ التي تؤدِّي إلى تغييرِ الملامحِ الخارجيةِ للإنسانِ. فهذهِ الآيةُ الكريمةُ تُشيرُ إلى هذهِ الاحتمالاتِ الحاليةِ والمستقبليةِ ، التي يُمْكِنُ أنْ تؤدِّي إلى تغيراتٍ في جسمِ الإنسانِ داخلياً وخارجياً ، وتقولُ للناسِ أنَّ اللهَ ، سبحانَهُ وتعالى ، سيبعثُهُم بعدَ موتِهِم للحسابِ ، مهما أدخلوا على أنفسِهِم مِنْ تغييراتٍ. [17]

36. وَتُلْفِتُ الآيةُ الكريمةُ 30: 22 انتباهَ أهلِ العلْمِ إلى دراسةِ ومحاولةِ فَهْمِ اختلافِ ألوانِ الناسِ ولغاتِهِم ،  وذلكَ بالتفكرِ في تأثيرِ علاقةِ السماواتِ والأرضِ في ذلكَ الاختلافِ ، فتقولُ:       

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (الرُّومُ ، 30: 22).

تُخاطبُ هذهِ الآيةُ الكريمةُ العلماءَ ، في شَتَّى العلومِ الاجتماعيةِ والطبيعيةِ ، وتدعوهم إلى الإيمانِ باللهِ. فهيَ تدعو علماءَ الطبيعياتِ ، خاصةً المتخصصينَ منهم في دراسةِ بدايةِ الكونِ ، للنظرِ إلى آياتِ القرآنِ الكريمِ ، التي تُخبرُ الإنسانَ عَنْ كيفيةِ حدوثِ ذلكَ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ في الفصلِ الثالثِ. وبمقارنةِ معرفتِهِم عَنْ بدايةِ الكونِ مَعْ ما أنزلَهُ اللهُ في كتابِهِ العزيزِ عَنْ ذلكَ ، يتبينُ لهم أنَّ ذلكَ الكتابَ لا يُمكنُ أنْ يكونَ صادراً عَنْ أحدٍ مِنَ البشرِ ، وإنما هوَ كلامُ اللهِ ، الذي "لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (فُصِّلَتْ ، 41: 42) ، وهوَ بذلكَ رسالةُ اللهِ للبشريةِ.

فالآيةُ الكريمةُ تخبرُنا بأنَّ اختلافَ ألوانِ البشرِ وألسنتِهِم (لغاتِهِم) لَهُ علاقةٌ بِخَلْقِ السماواتِ والأرضِ ، وهذا بالضبطِ ما نَعْرِفُهُ اليومَ. فالشكلُ البيضاويُّ (الشِّبْهِ - كرويِّ) للأرضِ يجعُل أشعةَ الشمسِ تصلُ أطرافَها بمسافاتٍ مختلفةٍ ، أقصرَها ما بينَ الشمسِ وخطِّ الاستواءِ ، وأبعدَها ما بينَها وبينَ القطبينِ. ولذلكَ ، فإنَّ المنطقةَ الاستوائيةَ هيَ أكثرُ المناطقِ الجغرافيةِ حرارةً ، بينما تشكلُ المنطقتينِ القطبيتينِ أكثرَ المناطقِ الجغرافيةِ برودةً على الأرضِ.

ويُشِيرُ السجلُّ العالميُّ للمكتشفاتِ الأثريةِ إلى أنَّ أقدمَ الحفرياتِ الإنسانيةِ عُثِرَ عليها في أفريقيا ، ثُمَّ في آسيا ، وبعدَ ذلكَ في أوروبا ، وأخيراً في قارتيِّ العالَمِ الجديدِ وجُزُرِهِ. وهذا التسلسلُ الزمنيُّ لأعْمَارِ الحفرياتِ إنما يعكسُ الهجرةَ الإنسانيةَ داخلَ أفريقيا أولاً ، إلى شمالِ وجنوبِ خَطِّ الاستواءِ ، ثُمَّ مِنْ أفريقيا بعدَ ذلكَ ، إلى آسيا ، فأوروبا ، وأخيراً إلى الأميركيتينِ وباقي أنحاءِ الأرضِ.

وبما أنَّ المنطقةَ الاستوائيةَ هيَ الأقربُ للشمسِ والأجرامِ السماويةِ الأُخرى ، فإنها أكثرُ عُرضةٍ لوصولِ الأشعةِ فوقَ البنفسجيةِ المركزةِ ، والضارةِ للكائناتِ الحيةِ. وقد تكيفَ جسمُ الإنسانِ ، الذي يعيشُ في هذهِ المنطقةِ ، مَع هذهِ الظاهرةِ بإحداثِ صِبغةٍ داكنةٍ على الجلدِ ، تمنعُ تلكَ الأشعةَ مِنْ اختراقِ الجلدِ إلى جسمِ الإنسانِ. وهكذا ، فإنَّ درجةَ تَلَوِّنِ الجلدِ تَزيدُ أو تَنقصُ بالاقترابِ أو الابتعادِ عَنْ خط ِّالاستواءِ ، وفي ذلكَ تفسيرٌ لاختلافِ ألوانِ البشرِ ، مِنْ منطقةٍ جغرافيةٍ إلى أُخرى.

وهناكَ فائدةٌ هامةٌ أُخرى لتكيفِ جسمِ الإنسانِ مَع هذهِ الظاهرةِ الكونيةِ. ففي المنطقةِ الاستوائيةِ ، يَتُمُّ الحصولُ على الكمياتِ الضروريةِ مِنْ فيتامين دال بسهولةٍ ، وذلكَ لِتَوَفُّرِ أشعةِ الشمسِ القويةِ طيلةَ العامِ. لكنَّ قوةَ تلكَ الأشعةِ تَقِلُّ كلما ابتعدنا عَنْ خطِّ الاستواءِ ، ويتبعُ ذلكَ أنَّ قُدْرَةَ الإنسانِ على تكوينِ فيتامين دال منها تقلُّ أيضاً. ولذلكَ ، تَكَيَّفَ جسمُ الإنسانِ مَعَ هذهِ الظاهرة ، في المناطقِ البعيدةِ عَنْ خطِّ الاستواءِ ، بالتخلصِ مِنْ تَلَوُّنِ الجلدِ ما أمكنَ ، حتى يستطيعَ الجسمُ أنْ يمتصَ أكبرَ كميةٍ ممكنةٍ مِنْ أشعةِ الشمسِ ، مُكَوِّنَاً ما يحتاجُهُ مِنْ هذا الفيتامينِ الضروريِّ لنموِّ العظامِ.  

ونتيجةً للهجراتِ الإنسانيةِ المتعاقبةِ ، للاستقرارِ بعيداً عَنْ المنطقةِ الاستوائيةِ ، شمالاً وجنوباً ، أخذتْ درجةُ تَلَوِّنِ الجلدِ تقلُّ بنسبةِ البعدِ عَنْ خطِّ الاستواءِ ، حتى وصلتْ إلى أقلِّ درجاتِهِا شمالاً ، كما هوَ الحالُ في شِبْهِ الجزيرةِ الإسكندنافيةِ وفنلندا وشمالِ روسيا ، التي تَحُدُّ القارةَ القطبيةَ الشماليةَ. ولو أنَّ اليابسةَ الأفريقيةَ ممتدةٌ لتصلَ إلى القارةِ القطبيةِ الجنوبيةِ ، لكانَ سكانُ جنوبِ أفريقيا شُقُرَاً وبعيونٍ زرقاءَ ، كَسُكَّانِ إسكندنافيا. ولا ينطبقُ ذلكَ على الإنسانِ فقطْ ، وإنما على أقربَ الحيواناتِ إليهِ أيضاً. فقرودُ الشمبانزي ، مِنْ فصيلةِ ماكَك ، الموجودةُ في شمالِ اليابانَ ، شُقُرُ الوجوهِ والشَّعرِ ، وكذلكَ زُرقُ العيونِ. أمَّا قرودُ المنطقةِ الاستوائيةِ الأفريقيةِ ، سواءٌ ِمَن الشمبانزي أو الغوريلا ، فهيَ داكنةُ الجلدِ والشعرِ والعيونِ. [18]   

واختلافُ لُغَاتِ الْبَشَرِ أيضاً مَرَدُّهُ للتكيفِ مَعَ البيئاتِ المختلفةِ على الأرضِ. فقد أدَّتْ الهجراتُ الإنسانيةُ المتعاقبةُ ، بحثاً عَنْ مصادرَ غذائيةٍ وحيويةٍ جديدةٍ ، إلى الاستيطانِ في مناطقَ جغرافيةٍ تَزْخَرُ بمصادرَ نباتيةٍ وحيوانيةٍ ومعدنيةٍ لَمْ تكنْ معروفةً مِنْ قبلُ. وأدى ذلكَ إلى قيامِ القادمينَ الجددَ لهذهِ المناطقِ باستحداثِ كلماتٍ جديدةٍ لوصفِ تلكَ المصادرِ.

وكُلَّما استوطنتْ مجموعةٌ سكانيةٌ في منطقةٍ ما ، فإنها تأخذُ في توسيعِ حجمِ مفرداتِ لغتِها ، لتشملَ ما تُعَبِّرُ بِهِ عِنْ تجارِبَ أفرادِها وعَنْ تعابيرِهِم الثقافيةِ المختلفةِ ، سواءً كانَ ذلكَ في الجانبِ الماديِّ للثقافةِ مِثلِ الأشياءِ الملموسةِ والأدواتِ المستعمَلةِ ، أو في الجانبِ اللاماديِّ (المعنويِّ) لها ، مِثلِ الأفكارِ والفنونِ والآدابِ.

وتبدأُ اللغةُ بشكلٍ مبسطٍ جداً ، تتمثلُ في رَطَانَةٍ لا يفهمُها إلَّا المتحدثينَ بها ، لأنها لا تضمُّ إلَّا عدداً صغيراً مِنَ الكلماتِ التي تصلُ إلى حواليْ ألفيِّ كلمةٍ ، وغالباً ما تكونُ هجيناً مِنْ كلماتٍ معروفةٍ سابقةٍ وأُخرى مستحدَثةٍ. وبذلكَ ، فإنها تُمَكِّنُ المتحدثينَ بِها مِنَ التعبيرِ عَنْ أنفسِهِم ، مستخدِمينَ أبسطِ وأقلِّ مكوناتِ ثقافتِهِم. وعندما تستوطنُ جماعةٌ سكانيةٌ منطقةً جغرافيةً محددةَ المعالمِ ، فإنها عادةً تنعزلُ عَنْ الجماعاتِ الأُخرى ، ويساعدُها في ذلكَ وجودُ أيَّةِ عوائقَ طبيعيةٍ كالصحاري والجبالِ والمياهِ والغاباتِ. وبمرورِ الزمنِ ، فإنَّ رطينَ أهلِ تلكَ الجماعةِ يتحولُ إلى لُغَةٍ كَامِلَةٍ تدريجياً ، وذلكَ بازديادِ عددِ السكانِ وبتوسعِ ثقافتِهِم الماديةِ والمعنويةِ.

وعندما يزدادُ عددُ السكانِ في منطقةٍ جغرافيةٍ ، بينما تَبقى مصادرُ الغذاءِ على حالِها أو تَقِلُّ ، تُصبحُ الهجرةُ حلاً لازماً ، سواءً كانَ ذلكَ قسرياً أمْ اختيارياً. وبعدَ حدوثِ ذلكَ ، فإنَّ المهاجرينَ يستمرونَ باستعمالِ لغتِهِم الأصليةِ ، ولكنَّهُم يُدخلونَ عليها تعديلاتٍ مختلفةٍ مَع مِرورِ الزمنِ ، سواءً في كيفيةِ نُطقِ الكلماتِ ، أو في استحداثِ مُفرداتٍ جديدةٍ. وهكذا ، تَظهرُ الْلَّهَجَاتُ المختلفةُ للغةِ الواحدةِ ، مِثلِ اللهجاتِ السوريةِ والعراقيةِ والمصريةِ والمغاربيةِ للغةِ العربيةِ ، واللهجاتِ الأميركيةِ والأستراليةِ للغةِ الإنكليزيةِ. وليسَ ذلكَ نهايةُ المَطافِ بالنسبةِ للَّهجاتِ ، حيثُ مِنَ المحتملِ أنْ تتطورَ لهجةٌ ما إلى لُغَةٍ جَدِيدَةٍ نتيجةً للعُزلةِ التامةِ عَنْ اللغةِ الأمِّ. مثلما حدثَ للهجةِ الأنكلو- سكسون ، الذينَ هاجروا مِنْ ألمانيا للجزرِ البريطانيةِ منذُ حواليْ 1500 سنهٍ ، وانقطعتْ صِلاتُهُم باللغةِ الألمانيةِ الأمِّ ، فأصبحتْ لهجتُهُم بمرورِ الزمنِ لغةً جديدةً ، هيَ اللغةَ الإنكليزيةَ ، التي تختلفُ عَنْ أصلِها الألمانيِّ. ومثالُ ذلكَ أيضاً ، ظهورُ اللغةِ الأمازيغيةِ ، بعدَ استيطانِ الْحِمْيَرِيينَ والْكَنْعَانِيينَ لبلادِ المغربِ ، وانعزالِهم عَنْ أصولِهِم العربيةِ المشرقيةِ. [19]      

وعندما تَلتقي جماعاتٌ مِنَ المتحدثينَ بلغاتٍ مختلفةٍ في مكانٍ واحدٍ ، كمدينةٍ أو ميناءَ ، وتحتمُ الظروفُ على أفرادِها أنْ يتواصلوا لغوياً مَع بعضِهِم البعضِ ، فإنهم يلجئونَ إلى استحداثِ لغةٍ خاصةٍ جديدةٍ ، هِيَ خَلِيطٌ مِنَ الْلُغَاتِ التي يتحدثونَ بها. ومثالُ ذلكَ ، اللغاتُ المستحدَثةَ مِنْ خَلطِ اللغاتِ الفرنسيةِ والإنكليزيةِ والإسبانيةِ في البحرِ الكاريبي ، واللغاتُ التي تَخْلِطُ العربيةَ باللغاتِ الأفريقيةِ ، مِثلُ النوبيةِ والجوبيةِ ، أو التي تَخْلِطُ العربيةَ باللغاتِ الأوروبيةِ ، مثلُ اللغةِ المالطيةِ. وفيما بَعْدُ ، يتطورُ هذا الخليطُ اللغويُّ إلى لُغَةٍ قَوْمِيَّةٍ كاملةٍ ، يَتُمُّ تعليمُها للطلابِ في المدارسِ ، وتستعملُها الحكوماتُ ووسائلُ الإعلامِ فيما يَصْدُرُ عنها مِنْ وثائقَ وأخبارٍ مكتوبةٍ ومسموعةٍ ومرئيةٍ.

وقد أدَّى الغزوُّ الاستعماريُّ الأوروبيُّ لباقي قارَّاتِ العالَمِ إلى فرضِ اللغاتِ الأوروبيةِ على شعوبِ المستعمراتِ ، فطغتْ اللغاتُ الأوروبيةُ على اللغاتِ المحليةِ وحلَّتْ محلَّها نهائياً ، كما حدثَ في الأميركيتينِ وأُستراليا ، حيثُ حَلَّتْ اللغاتُ الإنكليزيةُ والفرنسيةُ والإسبانيةُ والبرتغاليةُ نهائياً محلَّ اللغاتِ المحليةِ. أمَّا في أفريقيا وآسيا ، فقد بَقِيَتْ اللغاتُ الأوروبيةُ كلُغاتٍ رسميةٍ لكثيرٍ مِنَ الدولِ حتى بعدَ استقلالِها عَنْ المستعمرينَ الأوروبيينَ. ومثالُ ذلكَ في آسيا ، أنَّ اللغةَ الإنكليزيةَ بقيتْ كلغةٍ رسميةٍ في الهندِ وباكستانَ وسنغافورةَ وماليزيا. ومثالُ ذلكَ في أفريقيا ، أنَّ الإنكليزيةَ بقيتْ كذلكَ في نيجيريا وجنوبِ أفريقيا ، والفرنسيةَ في تشادَ والنيجرَ ، والبرتغاليةَ في موزمبيقَ. ويعودُ السببُ الرئيسُ في ذلكَ إلى أنَّ الأوروبيينَ قد أوجدوا نُخَبَاً متعلمةً مِنْ أهالي المستعمراتِ تتواصلُ باللغاتِ الأوروبيةِ في إدارةِ الدولةِ وفي الإعلامِ والتعليمِ. وبعدَ الاستقلالِ ، استمرتْ تلكَ النُّخَبُ في استخدامِ اللغاتِ الأوربيةِ. وساعدَ في ذلكَ أحياناً وجودُ عدةِ لغاتٍ قوميةٍ في البلدِ الواحدِ ، كما هوَ الحالُ في الهندِ ونيجيريا. فكانَ استخدامُ اللغاتِ الأوروبيةِ بمثابةِ لُغَةٍ مُشْتَرَكَةْ بينَ المتحدثينَ بلغاتٍ محليةٍ مختلفةٍ. وباستمرارِ تعليمِ اللغاتِ الأوروبيةِ في المدارسِ واستعمالِها في الإعلامِ وفي أجهزةِ الدولةِ المختلفةِ ، استقرتْ وتجذرتْ في تلكَ الدولِ. [20]

والْخُلاصَةُ أنَّ الآيةَ الكريمةَ 30: 22 تُشِيرُ إلى أنَّ اختلافَ الناسِ في ألوانِهِم ولُغاتِهِم لَهُ علاقةٌ باختلافِ البيئاتِ الطبيعيةِ التي يعيشونَ فيها لزمنٍ طويلٍ ، في أجيالٍ متعاقبةٍ. كما أنها تُشيرُ إلى أنَّ الاختلافَ في تلكَ البيئاتِ مَرَدُّهُ إلى الشكلِ البيضاويِّ للأرضِ ، وإلى علاقةِ الأرضِ بالشمسِ والأجرامِ السماويةِ الأُخرى.

37-39. وَتُشِيرُ الآياتُ الكريمةُ التاليةُ أيضاً إلى بعضِ الحقائقِ العلميةِ عَنْ الأرضِ والقمرِ والشمسِ ، وعَنْ العلاقةِ بينَها ، وعَنْ كيفيةِ تأثيرِ تلكَ العلاقةِ على الإنسانِ:

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى (الزُّمَرُ ، 39: 5).

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (الإسْرَاءُ ، 17: 12).

لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (يَسِ ، 36: 40).

فالآيةُ الكريمةُ 39: 5 تخبرُنا عَنْ تتابعِ الليلِ والنهارِ وعَنْ علاقةِ الأرضِ بالشمسِ والقمرِ ، التي تحكمُها دوراتٌ زمنيةٌ محددةٌ. فتتابَعُ الليلِ والنهارِ يحدثُ نتيجةً لدورانِ الأرضِ حولَ نفسِها وأمامَ شمسِها ، ويؤدي ذلكَ إلى تنظيمِ أنشطةِ الكائناتِ الحيةِ ما بينَ عملٍ وراحةٍ ، اعتماداً على ذلكَ التتابعِ المنتظمِ. كما أنَّ دورانَ الأرضِ حولَ الشمسِ ، ينتجُ عنهُ تنوعُ الفصولِ السنويةِ مِنْ صيفٍ وخريفٍ وشتاءٍ وربيعٍ ، مِمَّا يؤدي إلى التنوعِ المعروفِ في أنشطةِ الكائناتِ الحيةِ ، بما في ذلكَ الإنسانِ ، على الأرضِ.

أمَّا وصفُ خلقِ السماواتِ والأرضِ "بِالْحَقِّ" ، فإنَّهُ إشارةٌ إلى البعدِ المثاليِّ للأرضِ عَنْ الشمسِ. فلو كانتْ بعيدةً جداً عَنها ، لكانتْ في ليلٍ بدونِ نهارٍ ، ولكانتْ في غايةِ البرودةِ أيضاً ، مِمَّا يجعلُها غيرَ ملائمةٍ لحياةِ الكثيرِ مِنَ الكائناتِ ، وخاصةً الإنسانِ. ولو كانتْ صغيرةَ الحجمِ وقريبةً مِنَ الشمسِ ، كعطاردَ والزُّهرةَ ، لَما كانتْ صالحةً للحياةِ ، نظراً لحرارتِها الشديدةِ. لكنَّ اللهَ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، جعلَها في موقعٍ مثاليٍّ مِنَ الشمسِ ، حتى تكونَ معتدلةَ الحرارةِ ومتوازنةً التتابعِ والتداولِ ما بينَ الليلِ والنهارِ ، وما بينَ الفصولِ أيضاً.

وكما أنَّ للشمسِ تأثيرٌ على حياةِ الكائناتِ على الأرضِ ، فإنَّ للقمرِ فوائدَ عديدةٍ أيضاً. فهوَ ضياءٌ في الليلِ ، وهوَ مسببٌ لِمَدِّ البحارِ وجَزْرِهَا ، وملاحظةُ ظهورِهِ وأفولِهِ حسابٌ للأيامِ والشهورِ والسنينَ. ولكونِ الشمسِ والقمرِ يجريانِ لأجلٍ مسمىً ، أيْ لدوراتٍ زمنيةٍ محدَدةٍ لكلٍ منهما ، فإنَّ ذلكَ قد ساعدَ الإنسانَ في اكتشافِ التقويمِ الزمنيِّ لتنظيمِ حياتِهِ وأنشطتِهِ المختلفةٍ خلالَ السنةِ ، وأدَّى أيضاً إلى ظهورِ علمِ الحسابِ ، كما تخبرُنا الآيةُ الكريمة ُ17: 12.

وَتُشِيرُ الآيةُ الكريمةُ 36: 38 إلى حقيقةِ أنَّ الأرضَ والقمرَ والشمسَ لها أفلاكٌ محددةٌ تدورُ فيها. فمنذُ آلافِ السنينَ ، لاحظَ الأنسانُ التغيراتِ الشهريةِ التي تَحْدُثُ على الأرضِ نتيجةً لدورانِ القمرِ حولَ الأرضِ وعلاقتِهِ معها. كما لاحظَ التغيراتِ الفصليةِ ، نتيجةً لدورانِ الأرضِ حولَ الشمسِ. لكنهُ لَمْ يكنْ بمقدورِهِ معرفةُ دورانِ الشمسِ حولَ مركزِ مَجَرَّتِنَا ، دَرْبِ التَّبَّانَةِ ، إلا حديثاً جداً. فقد أصبحَ مِنَ المعروفِ علمياً الآنَ ، ومنذُ عقودٍ قليلةٍ فقطْ ، أنَّ الشمسَ تدورُ حولَ مركزِ المجرةِ مَرَّةً كُلَّ حواليْ 225 مليونَ سنةٍ ، وهذا يعني أنها قد أكملتْ حوالي 22 دورةً خلالَ الخمسةِ بلايينَ سنةٍ السابقةِ مِنْ عُمُرِها. وقد أشارتْ هذهِ الآيةُ الكريمةُ لتلكَ الحقيقةِ العلميةِ قبلَ أربعةَ عشرَ قرناً مِنْ اكتشافِ الإنسانِ لها ، فسبحانَ اللهِ ، عَلَّامِ الْغُيُوبِ ، الذي لا يَخفى عَنْ عِلْمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ. [21]

40. وَتُشِيرُ الآيةُ الكريمةُ 79: 30 إلى حقيقةِ أنَّ الأرضَ تشبهُ الدَّحْيَةَ (الْبَيْضَةَ)في شكلِها ، أيْ أنها ليستْ مُرَبَّعَةُ أو مستطيلةً ، كما اعتقدَ كثيرٌ مِنَ الناسِ في الأزمنةِ الماضيةِ ، كما أنها ليستْ دائريةً تماماً:

وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (النَّازِعَاتُ ، 79: 30).

وقد فَسَّرَ الطَّبَرِيُّ كلمةَ "دحاها" بمعنى بسَطَها للرزقِ ، وأضافَ الآيةَ التاليةَ لها: "أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا" (النازعات ، 79: 31) ، كشرحٍ لها. وتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيُّ في ذلكَ الشرحِ والمعنى. وشَرَحَهَا ابنُ كَثِيرٍ بالمِثلِ ، لكنهُ لَمْ يتطرقْ إلى الشرحِ اللغويِّ للكلمةِ.

وهناكَ معنىً آخَرَ أكثرَ دقةٍ وصلةٍ لكلمةِ "دَحَاهَا" في هذهِ الآيةِ الكريمة ِ، وهوَ أنَّهُ ، سبحانهُ وتعالى ، جعلَها على شكلِ الْبَيْضَةِ ، أيْ أقربَ ما تكونُ إلى شكلِ الدائرةِ. ولَمْ يَسْمَعْ مؤلِفُ هذا الكتابِ تلكَ الكلمةَ في بلادِ المشرقِ العربيِّ ، ولكنهُ سَمِعَ الاسمَ المشتقَ منها أثناءَ وجودِهِ في ليبيا (1972-1976). فالليبيونَ يقولونَ عَنْ بيضةِ الدجاجِ والطيورِ بأنها "دَحْيَةٌ" ، وكذلكَ يُقَالُ لها في باقي بلادِ المغربِ العربيِّ.

وهذا المعنى يُؤيُدُهُ ما جاءَ في مُعجمِ المعاني الجامعِ ، عَنْ تعريفِ ومعنى كلمةِ "دَحْيَةُ." فقد عَرَّفَها المُعجمُ الجامعُ بأنها "الْبَيْضَةُ" ، وحتى أنَّهُ شَرَحَها بإيرادِ الآيةِ الكريمةِ 79: 30 ، التي تصفُ الأرضَ بأنها تُشبهُ البيضةَ في شكلِها: "دحَى اللهُ الأرضَ ، دَحَاها ، بسَطَها ومدَّها ووسَّعَها ، على هيئةِ بيضةٍ للسُّكنى والإعمارِ." [22]

وتشبيهُ شكلِ الأرضِ بالبيضةِ (الدَّحْيَةِ) هوَ أدَقُّ ما يُمكنُ استخدامُهُ لوصفِها ، وذلكَ ليسَ فقطْ لتصحيحِ اعتقادِ الناسِ في الأزمنةِ السابقةِ ، وإنما أيضاً لأنها ليستْ دائريةَ الشكلِ تماماً. فقد أثبتتْ القياساتُ الدقيقةُ أنها كذلكَ. وهكذا ، كانَ تشبيهُ شكلِها بالبيضةِ أكثرَ دٍقَّةٍ مِنْ تشبيهِها بالدائرةِ الكاملةِ.

وقد أدَّى الشكلُ البيضاويُّ للأرضِ أنْ يصلَها ضوءُ الشمسِ بمسافاتٍ مختلفةٍ ، أقصرَها على خَطِّ الاستواءِ وأطولَها على القطبينِ. وهكذا ، أصبحتْ المنطقةُ الاستوائيةُ هيَ الأعلى حرارةً لأنها أقربُ مناطقَ الأرضِ إلى الشمسِ ، بينما أصبحَ القطبانِ ، الشماليِّ والجنوبيِّ ، الأكثرَ برودةً على الأرضِ ، لأنهما الأبعدُ عَنْ الشمسِ. وتمتعتْ المناطقُ الجغرافيةُ الواقعةُ فيما بينَ القطبينِ وخَطِّ الاستواءِ شمالاً وجنوباً بتدرجٍ في الطقسِ حتى الاعتدالِ.

وقد أدَّى التنوعُ المناخيُّ الناتجُ عَنْ ذلكَ إلى تَكَوُّنِ الأقاليمِ النباتيةِ ، مِثلِ الأقاليمِ الاستوائيةِ ذاتِ الغاباتِ المطيرةِ ، والأقاليمِ الجافةِ شمالاً وجنوباً بَعدَ ذلكَ ، لقلةِ الأمطارِ فيها ، ثُمَّ الأقاليمِ الرطبةِ لكونِها أكثرَ مطراً ، وأخيراً الأقاليمِ القطبيةِ التي تنعدمُ الحياةُ النباتيةُ فيها نظراً لأنها مُغطاةٌ بالجليدِ طيلةَ العامِ. [23]

41. وَتُفَسِّرُ لنا الآيةُ الكريمةُ 13: 41 السببَ في أنَّ الأرضَ بيضاويةُ الشكلِ ، وليستْ دائريةً تماماً ، فتقولُ:

 أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا (الرَّعْدُ ، 13: 41).

والمعنى أنَّ أطرافَ الأرضِ الخارجيةِ تتناقصُ بفعلِ عواملِ الطقسِ المختلفةِ ، مِنْ رياحٍ وأمطارٍ وسيولٍ وعواصفَ وأعاصيرَ ، الأمرُ الذي يؤدي لنقصانِ شكلِها عَنْ أنْ يكونَ دائرةً كاملةً. وقد انتبهَ لذلكَ بعضُ الباحثينَ ، الذينَ دَلَّتْ حساباتُهم على أنَّ الأرضَ ليستْ على شكلِ دائرةٍ تامةٍ. [24]

42. وَتُشِيرُ الآيةُ الكريمةُ 79: 31 إلى ما يَنْتُجُ عَنْ كَوْنِ الأرضِ بيضاويةِ الشكلِ ، فتقولُ:

أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (النَّازِعَاتُ ، 79: 31).

وذلكَ يعني أنَّ الشكلَ البيضاويَّ للأرضِ قد أدَّى إلى تنوعِ أقاليمِها المناخيةِ ، وما نتجَ عَنْ ذلكَ مِنْ تنوعٍ في كمياتِ الأمطارِ ، وفي الحياةِ النباتيةِ. وشجعَ ذلكَ التنوعُ على هجرةِ الجماعاتِ الإنسانيةِ إلى الأقاليمِ الغنيةِ بالمياهِ والحياةِ النباتيةِ ، بحثاً عَنْ المراعي والأراضي الخصبةِ ، وبالتالي إلى تعميرِ الأرضِ بِسُكْنَى أقاليمِها المختلفةِ. كما أدَّى ذلكَ أيضاً إلى التنوعِ في ألوانِ الناسِ وفي ثقافاتِهِم ، بما في ذلكَ لغاتِهِم ، كما تقدمَ ذِكْرُهُ.

43. وَتُذَكِّرُنَا الآيةُ الكريمةُ 24: 45 بأنَّ الخَلقَ الأولَ كانَ مِنَ الماءِ ، وأنَّ الخَلقَ الثانيَ في الرَّحِمِ هوَ أيضاً مِنْ ماءِ الذَّكَرِ وبويضةِ الأُنثى ، ثُمَّ تُخبرُنا عَنْ كيفيةِ تحركِ الدوابِ على الأرضِ بالزحفِ على البطنِ أو بالمشيِّ على رجلينِ أو بالمشيِّ على أربعٍ ، فتقولُ:

وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (النُّورُ ، 24: 45).

وهذا التنوعُ في حركةِ الدوابِّ على الأرضِ إنما جاءَ بما يتناسبُ مَعَ قُدُرَاتِ كُلٍّ منها على التكيفِ مع بيئتِها ورزقِها. فالزواحفُ تمشي على بطونها ، كما تفعلُ الثعابينُ. ويمشي الإنسانٌ على رِجلينِ ، وكذلكَ تفعلُ الطيورُ. وتمشي الحيواناتُ على أربعةِ أرجلٍ ، فيما عدا الكنغرِ ، الذي يمشي على رجلينِ. ولم يَكُنْ سكانُ أفريقيا وآسيا وأوروبا ، أي العالمِ القديمِ ، على درايةٍ بوجودِ مثلِ ذلكَ الحيوانِ الذي يمشي على رجلينِ ، في أستراليا ، التي لَمْ تُكتشفْ إلا بعدَ أكثرَ مِنْ تسعِمائةَ سنةٍ من التنزيلِ. لكنَّ اللهَ تبارَكَ وتعالى ، قد أخبرَنا أنَّ مِنَ الدوابِ مَنْ يمشي على رِجلينِ ، كدليلٍ على أنَّ القرآنَ الكريمَ مِنْ عِنْدِهِ ، فَسُبْحَانَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، أحْسَنَ الخالقينَ.

***

الْخُلاصَةُ

بدأَ اللهُ ، سبحانَهُ وتعالى ، بخَلقِ الحياةِ على الأرضِ ، ثُمَّ تركَها لتتطورَ ، نتيجةً للتكيفِ مَعَ البيئاتِ المختلفةِ على هذا الكوكبِ ، مَع تدخلِهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، لتحسينِ مخلوقاتِهِ ، مِنْ حينٍ إلى آخَرَ ، يُحَدِّدُهُ هُوَ. وكانَ الخَلقُ الأولُ بالنسبةِ للإنسانِ في خمسةِ أطوارٍ رئيسةٍ هيَ بَثُّ الحياةِ والتسويةُ والاعتدالُ وتحسينُ الصورةِ ونفخُ الرُّوح. ويعادلُ ذلكَ خمسةُ أطوارٍ أُخرى مِنَ الخَلقِ الثاني في الرَّحِمِ ، وهيَ النطفةُ والعلقةُ والمضغةُ والعظامُ   واللحمُ.

وَتُثْبِتُ الحقائقُ العلميةُ التي تتضمنُها الآياتُ الكريمةُ التي ذُكِرَتْ في هذا الفصلِ أنَّ القرآنَ الكريمَ هوَ كتابُ اللهِ ورسالتُهُ للبشريةِ. فلمْ تكنْ هذهِ الحقائقُ معروفةً لأهلِ العلمِ ، لا في زمنِ التنزيلِ ولا لأكثرَ مِنْ ثلاثةَ عشرَ قرناً بعدَ ذلكَ ، إلى أنْ بدأَ تأسيسُ العلومِ الحديثةِ في القرنِ الثالثَ عشرَ للهجرةِ ، الموافقِ للقرنِ التاسعَ عشرَ للميلادِ.

ومِمَّا يَزِيدُ في أهميةِ موضوعِ هذا الفصلِ ، أيْ الْخَلْقِ وَالتَّطَوُّرِ ، أنَّهُ إسهامٌ في توضيحِ العلاقةِ بينَ الدينِ والعلمِ. والحقيقةُ أنَّ دِينَ اللهِ الْحَقَّ ، الإسْلامَ ، هوَ الْعِلْمُ الْحَقُّ ، لأنَّهُ أتى مِنَ الْحَقِّ ، جَلَّ وَعَلا. وكما بينتْ الآياتُ الكريمةُ في هذا الفصلِ ، فإنَّهُ لا يُوجَدُ تناقضٌ بينَ الدِّينِ والْعِلْمِ ، ولا بينَ خَلْقِ الإنسانِ وَتَطَوُّرِهِ. فكلاهُما تمَّا بِعِلْمِ اللهِ وبمشيئتِهِ. [25]


 

المُلْحَقُ الأوَّلُ

بِدَايَةُ الْحَيَاةِ عَلَى الأرْضِ

قِصَّةُ الحياةِ على الأرضِ ، كما يَكْتُبُهَا علماءُ الطبيعياتِ ، تكادُ تكونُ متطابقةً مَع ما أشارتْ إليهِ الآياتُ الكريمةُ التي تَمَّ استعراضُها في هذا الفصلِ مِنَ الكتابِ. وخلاصةُ ذلكَ أنَّ الحياةَ قد بدأتْ في الطينِ الدفءِ الرَّطِبِ والمنتنِ ، حيثُ يختلطُ الماءُ بالعناصرِ الأساسيةِ للأرضِ. وبعدَ ذلكَ ، أصبحَ الأكسجينُ وضوءُ الشمسِ ضروريانِ لاستمرارِ الحياةِ وتطورِها على هذا الكوكبِ. ولَمْ يعرفْ العلماءُ حتى الآنَ تفسيراً قاطعاً لبدايةِ الحياةِ في الخليةِ ، كما عجِزوا عَنْ تفسيرِ حدوثِ التغيراتِ الفُجائيةِ الهامةِ ، التي أشاروا إليها بالطفراتِ. لكنَّ ذِكْرَ القرآنِ الكريمِ لجوهرِ الحقائقِ العلميةِ ، التي توصلَ إليها العلماءُ حديثاً ، هوَ الدليلُ على أنَّ هذا الذِّكْرَ مِنْ عندِ اللهِ ، الذي خَلَقَ الخليةَ الأولى وبَثَّ الحياةَ فيها ، وكانَ تَدَخُّلُهُ مِنْ آنٍ إلى آخَرَ هوَ سببُ التغيراتِ الفُجائيةِ الهامةِ ، أيْ الطفراتِ ، كما سمَّاها علماءُ الأحياءِ.

وفي تقديرِ علماءِ الطبيعياتِ أنَّ الحياةَ قد بدأتْ على الأرضِ منذُ حوالي 3.8 بليونَ سنةٍ. وكانتْ البدايةُ عبارةً عَنْ الكائناتِ وحيدةِ الخليةِ ، البدائيةِ النواةِ (unicellular prokaryotic cells) ، والتي كانتْ تتكاثرُ بالانقسامِ إلى أزواجٍ متساويةٍ ، في عمليةٍ تُعْرَفُ بالانشطارِ الثنائيِّ (binary fission). ثُمَّ ظهرتْ الكائناتُ وحيدةُ الخليةِ ، المعقدةِ النواةِ (eukaryotes).

وكانَ جَوُّ الأرضِ يحتوي على ثاني أكسيدِ الكربونِ ، وبخارِ الماءِ ، وأولِ أكسيدِ الكربونِ ، والهيدروجينِ ، والنيتروجينِ ، بالإضافةِ إلى عناصرَ أُخرى. وكانتْ الحياةُ نتاجَ تفاعلاتٍ كيميائيةٍ بينَ عناصرَ الأرضِ والطاقةِ المنبعثةِ مِنَ الشمسِ والبراكينِ وعواصفَ الرياحِ والبرقِ. فأدتْ تلكَ التفاعلاتُ إلى إنتاجِ الجزيئاتِ العضويةِ (organic molecules) ، التي تُعتبرُ المكوناتِ الأساسيةِ الضروريةِ للحياةِ.

ومنذُ حوالي 630 مليونَ سنةٍ ، ظهرتْ الكائناتُ المتعددةُ الخلايا والمعقدةُ النواةِ (eukaryotes) ، أيْ الحيواناتُ ذاتُ الأجسامِ الطريةِ ، أولَ الأمرِ في المحيطاتِ. وأهَمُّ ما في الأمْرِ ، أنَّ الحقيقةَ العلميةَ التي تقولُ بأنَّ الحياةَ قد بدأتْ في الماءِ ، كانتْ نتيجةَ أبحاثٍ أجراها في القرنِ العشرينِ الميلاديِّ كُلًّ مِنَ العالِمِ الروسيِّ أ. إ. أوبارين ، والإسكتلنديِّ ج ب س هالدين ، والأميركيَيْنِ ستانلي مللر وهارولد يوري.

وهناكَ باحثونَ آخرونَ قالوا بفرضيةِ أنَّ التفاعلاتِ الكيميائيةِ الأولى ، أيْ البلمراتِ (polymerizations) التي أدَّتْ لبدايةِ الحياةِ ، يُمكنُ أنْ تكونَ قد حدثتْ في الشقوقِ الموجودةِ على أرضيةِ المحيطاتِ العميقةِ ، التي تخرجُ منها المياهُ الساخنةُ وأولُ أكسيدِ الكربونِ والمعادنُ الأُخرى ، مثلُ كبريتاتُ (sulfides) الحديدِ والنيكلِ. فتلكَ البيئةُ كانتْ أفضلَ لحمايةِ تلكَ التفاعلاتِ مِنْ سطحِ الأرضِ ، الذي كانَ دائمَ التعرضِ لضرباتِ النيازكِ ، الكارثيةِ التدميرِ. وفي هذهِ الأيامِ ، تُنتجُ العيونُ الساخنةُ سلائفَ (precursors) الجزيئاتِ الحيةِ والغذاءَ الغنيَّ بالطاقةِ ، بما في ذلكَ المركَّباتِ العاليةَ التخفيضِ ، وكبريتيدَ الهيدروجينِ ، والميثانَ.

وَتُشِيرُ فرضيةٌ أُخرى ، حولَ كيفيةِ بدايةِ الحياةِ على الأرضِ ، إلى أنَّ التفاعلاتِ العضويةَ (organic polymers) ، التي تشكلُ أحجارَ البناءِ الكيميائيةِ الأساسيةِ ، يُمكنُ أنْ تكونَ قد تكونتْ على أسطحِ الصخورِ والطينِ ، وليسَ على قيعانِ المحيطاتِ والبحارِ البدائيةِ. فالطينُ ، الذي يتألفُ مِنْ جزيئاتِ الصخورِ المفككةِ ، هو احتمالٌ واعدٌ لكونِهِ الموقعَ المناسبَ للتفاعلاتِ الكيميائياتِ الأولى (polymerizations) لأنَّهُ يضمُّ الأحادياتِ العضويةَ (organic monomers) وأيوناتِ الزنكِ والحديدِ ، التي يُمكنُ أنْ تكونَ قد سهلتْ تلكَ التفاعلاتِ. وأكدتْ التجاربُ المخبريةُ أنَّ التفاعلاتِ العضويةِ تتكونُ مِنَ الأحادياتِ بطريقةٍ عفويةٍ ، على أسطحِ الصخورِ والطينِ (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 385-387). **

وقد أدَّى تراكمُ الجزيئاتِ العضويةِ إلى تَكَوُّنِ دُهنياتِ (protobiont) ما قبلَ الخليةِ. لكنَّ تطورَ ما قبلَ الخليةِ إلى خليةٍ حيةٍ يبقى لُغزاً لَمْ يَحُلُّهُ العلماءُ ، ورُبما يؤدي فهمُ تكاثرَ الجزيئاتِ إلى تزويدِهِم ببعضِ المعلوماتِ اللازمةِ لحلِّ ذلكَ اللغزِ. وقد وجدَ علماءُ الأحياءِ أنَّ المعلوماتِ الوراثيةِ للخلايا الحيةِ مُخزنةٌ في الأحماضِ النوويةِ (DNA) ، والتي يُمكنُ فهمُها على أنها حاملةٌ لرسالةِ RNA ، أيْ مسلسلِ الأحماضِ الأمينيةِ في البروتيناتِ. وهناكَ حقيقةٌ لها أهميةٌ خاصةٌ ، وهيَ أنَّ DNA وRNA يُمْكِنُهُما التكوُّنُ عفوياً على الطينِ ، وأنهما قادرتانِ على تكرارِ نفسيهِما. ويَفترضُ علماءُ الأحياءِ أنَّ RNA قد وُجِدَتْ على الأرضِ قبلَ DNA. لذلكَ ، فإنَّ الشِفرةَ الوراثيةَ القادرةَ على تكرارِ نفسِها ، والتي تتكونُ على الطينِ ، كانتْ صلةَ الوصلِ بينَ الجزيئاتِ العضويةِ والخليةِ الحيةِ (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 388-389).

وبعدَ ذلكَ ، أصبحتْ المعلوماتُ الوراثيةُ المخزنةُ في جزيئاتِ الحمضِ النوويِّ (DNA)  قادرةً على تكرارِ نفسِها وعلى الانتقالِ للخلايا الجديدةِ ، خلالَ عمليةِ انقسامِ الخلايا (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 2 ، 66). ويُعتبرُ الانشطارُ الثنائيُّ للتكاثرِ في الكائناتِ وحيدةِ الخليةِ ، البدائيةِ النواةِ (unicellular prokaryotic cells) مثالاً على انقسامِ الخلايا (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 466).

وعلى الرغمِ مِنْ أنَّ العلماءَ يتفقونَ على أنَّ أقدمَ الخلايا الْمُحَفَّرَةَ تعودُ تاريخياً إلى أكثرَ مِنْ بليونيِّ سنةٍ مضتْ ، إلا أنَّهُ قد تَمَّ اكتشافُ حفرياتٍ دقيقةٍ في غرينلاند تفيدُ بأنَّهُ كانَ هناكَ خلايا لكائناتٍ وحيدةِ الخليةِ ، بدائيةِ النواةِ ، قبلَ حوالي 3.8 بليونَ سنةٍ. وكانتْ هذهِ الخلايا تَحْصُلُ على ما تحتاجُهُ مِنَ الطاقةِ مِنَ الجزيئاتِ العضويةِ المتاحةِ. وتطورتْ تلكَ الكائناتُ بحدوثِ طَفْرَةٍ لها ، مَكَّنَتْهَا مِنَ الحصولِ على الطاقةِ مِنْ ضوءِ الشمسِ ، وطفرةٍ أُخرى بعدَ وقتٍ أطولَ ، مكنتها مِنَ الحصولِ على الهيدروجينِ ، بانقسامِ الماءِ ، مثلما حدثَ مَعَ البكتيريا الزرقاءِ (cyanobacteria). وكانتْ تلكَ هيَ الكائناتِ الحيةَ الضوئيةَ (photosynthetic) ، التي كانتْ موجودةً على الأرضِ منذُ حوالي 3.1 إلى حوالي 3.5 بليونَ سنةٍ مضتْ.

ومنذُ حوالي بليونيِّ سنةٍ ، كانتْ البكتريا الزرقاءُ قد تمكنتْ مِنْ إنتاجِ كميةٍ كافيةٍ مِنَ الأكسجينِ ، الأمرُ الذي أدَّى إلى تغييرِ الغلافِ الجويِّ للأرضِ بطريقتينِ. فأولاً ، ظهرتْ كائناتٌ هوائيةٌ (aerobes) حيةٌ جديدةٌ ، تمكنتْ مِنَ التكيفِ مَع توفرِ الأكسجينِ ، فاستخدمتْهُ في إنتاجِ الطاقةِ بطريقةٍ فعالةٍ. فقد كانتْ تلكَ الكائناتُ الحيةُ تُنتجُ الأكسجينَ وثاني أكسيدِ الكربونِ بشكلْ منتظمْ ، مِمَّا أدَّى إلى السماحِ للأكسجينِ بالاستمرارِ كعنصرٍ ثابتِ الوجودِ ، نتيجةً لاستمرارِ إنتاجِهِ. وهذا بدورِهِ أدَّى إلى إنتاجِ الطاقةِ بفعاليةٍ في المُحيطِ الحيويِّ للأرضِ  (biosphere). وثانياً ، أدَّى تَكَوُّنُ طبقاتٍ متراكمةٍ مِنَ الأكسجينِ في الجزءِ الأعلى مِنَ الغلافِ الجويِّ للأرضِ إلى تَكَوُّنِ طبقةِ الأوزونِ (ozone) ، التي تَحمِي سكانَ الأرضِ مِنْ إشعاعاتِ الشمسِ فوقَ البنفسجيةِ الضارةِ (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 389-391). [26]


 

المُلْحَقُ الثَّانِي

مَرَاحِلُ تَطَوُّرِ الإنْسَانِ ،

بِنَاءً عَلَى الأحَافِيرِ المُكْتَشَفَةِ

لا يُوجَدُ اتفاقٌ بينَ علماءِ تاريخِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) ، المتخصصينَ في حَفرياتِ الإنسانِ القديمِ ، على نظريةٍ واحدةٍ بشأنِ تَطَوُّرِهِ ، وانسلاخِهِ عَنْ أقربَ الحيواناتِ إليهِ ، الشِّمبانزي ، الذي يشتركُ مَعَهُ في 99% مِنْ صفاتِهِ الوراثيةِ ، الموجودةِ في أحماضِهِ النوويةِ (DNA). لكنَّ الفرَضياتِ البحثيةِ المتنافسةِ تتفقُ على أغلبَ الحقائقِ ، التي تَمَّ الوصولُ إليها بناءً على سِجِلِّ الآثارِ المُكتشَفِ ، وخاصةً الحفرياتِ. وفيما يلي أهَمُّ مَعَالِمَ مكوناتِ هذهِ الفرضياتِ البحثيةِ ، التي تًقَسِّمُ الحفرياتِ الإنسانيةَ المكتشفةَ إلى تسعةِ مراحلَ زمنيةٍ مِنَ التَّطَوُّرِ:

أَوَّلاً ، إنْسَانُ السَّاحِلِ التْشَادِيِّ (Sahelanthropus Tchadensis) ، الذي تَمَّ اكتشافُهُ في عامِ 2002 ، ويُشيرُ إلى إنسانٍ قديمٍ كانَ يعيشُ في أفريقيا ، مُنْذُ حوالي 7 إلى 6 مليونَ سنةٍ مضتْ. وكانَ يَختلفُ عَنْ الشِّمبانزيِّ في صفاتٍ رئيسةٍ. فكانَ وجهُهُ أكثرَ تَسَطُّحَاً (أيْ أقلَّ تَمَدُّدَاً للأمامِ) ، واختلفَ عنهُ في الأسنانِ ، وكانَ حجمُ دماغِهِ أكبرَ. لكنْ ، لَمْ يكنْ هناكَ أيُّ دليلٍ على أنَّهُ كانَ يمشي مُعتدلاً ، أيْ مُنتصبَ القامةِ ، وهيَ الصفةُ الرئيسةُ لاختلافِ الإنسانِ القديمِ عَنْ الشِّمبانزي ، التي ذُكِرَتْ في الآيةِ الكريمةِ ، التي تَمَّ تقديمُها مِنْ قبلُ: "الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ" (الانْفِطَارُ ، 82: 7).

ثَانِيَاً ، الإنْسَانُ الأسْتُرَالِيُّ الْقَدِيمُ (Australopithecus) ، كانَ يعيشُ في أفريقيا. أمَّا التسميةُ ، فهيَ نسبةٌ إلى الباحثِ الأُستراليِّ الذي اكتشفَهُ ، ويشملُ سبعةَ أجناسٍ رئيسةٍ ، هيَ:

1. الأرْضِيُّ (Ardipithecus Ramidus) ، الذي كانَ موجوداً في منطقةِ عَفارٍ الصوماليةِ (التي احتلتْها إثيوبيا) ، في الفترةِ مِنْ حوالي 5.8 إلى 4.4 مليونَ سنةٍ مضتْ.

2. الأنَامُ (Anamesnsis) ، الذي كانَ موجوداً بالقربِ مِنْ بحيرةِ تُرْكانا ، في كينيا ، مِنْ حوالي 4.2 إلى 3.9 مليونَ سنةٍ مضتْ ، والذي كانتْ لَهُ ملامحُ إنسانيةٌ وأخرى شبيهةٌ بالقرودِ. وكانتْ أسنانُهُ الخلفيةِ وفكاهُ أكبرَ مِنْ تلكَ الخاصةِ بالشِّمبانزي. وكانتْ الأسنانُ الأماميةُ أصغرَ. كما أنَّهُ كانَ يَمشي مُنتصبَ القامةِ ، على قدمينِ ، فكانتْ تلكَ الصفةُ أولَ انسلاخٍ ملحوظٍ لَهُ عَنْ الشِّمبانزي.

3. الْعَفَارِيُّ (Afaresnsis) ، الذي كانَ موجوداً في منطقةِ عَفَارٍ الصوماليةِ ، في الفترةِ مِنْ حوالي 4 إلى 3 مليونَ سنةٍ مضتْ. ويُعتبرُ السلفُ لِكُلٍّ مِنَ الجنسينِ الرابعِ والسادسِ (الأفْرِيقِيُّ وعَظِيمُ الْوَجْهِ). وكانَ حجمُ دِماغِهِ صغيراً نسبياً. وكانتْ عظمتا حاجبيهِ بارزتينِ ، وفكاهُ عريضينِ ، وناباهُ كبيرينِ. ولا يُوجَدُ دليلٌ على أنَّهُ كانَ يَصنعُ الأدواتِ أو يَتحكمُ بالنارِ.

4. الأفْرِيقِيُّ (Africanus) ، الذي عاشَ في جنوبِ أفريقيا مِنْ حوالي 3 إلى حوالي 2.4 مليونَ سنةٍ مضتْ ، وكانَ يمشي معتدلَ القامةِ ، وكانَ يشبهُ الإنسانَ في شكلِ يديهِ وأسنانِهِ. وكانَ يأكلُ النباتاتِ والحيواناتِ. أمَّا حجمُ دِماغِهِ فكانَ مُمَاثلِاً لأسلافِهِ ، أيْ أصغرَ مِنْ حجمِ دِماغِ الإنسانِ الحاليِّ.

5. الإثْيُوبِيُّ (Aetheopicus) ، الذي عاشَ في إثيوبيا ، مِنْ حوالي 2.5 إلى حوالي 2.2 مليون سنة مضتْ ، وهوَ سَلَفُ الجنسين المنقرضين ، السادسِ والسابعِ (عظيمِ الوجهِ وعريضِ الخدِّ).

 6. عَظِيمُ الْوَجْهِ (Robustus) ، الذي عاشَ في جنوبِ أفريقيا ، مِنْ حوالي 2 إلى حوالي 1.4 مليونَ سنةٍ مضتْ ، ويصنفُهُ بعضُ الباحثينَ على أنَّهُ جنسٌ مُنْقَرِضٌ لفرعٍ آخَرَ ، هو بارَنْثروبُس (Paranthropus). وكانَ عريضَ الوجهِ لقوةِ عضلاتِهِ ، نتيجةً للمضغِ المستمرِّ للطعامِ.

7. عَرِيضُ الْخَدِّ (Boisie) ، الذي عاشَ في شرقِ أفريقيا ، مِنْ حوالي 2.2 إلى حوالي 1.1 مليونَ سنةٍ مضتْ ، وكانَ عريضَ الْخَدِّ والوجْهِ عموماً ، لقوةِ عضلاتِ الوجْهِ ، نتيجةً للمضغِ المستمرِّ للطعامِ.

الصِّفَاتُ الرَّئِيسَةُ لِلأجْنَاسِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ (الإثْيُوبِيُّ وَعَظِيمُ الْوَجْهِ وَعَظِيمُ الْخَدِّ):

كانَ لهذهِ الأجناسِ الإنسانيةِ القديمةِ الثلاثةِ أضراسٌ كبيرةٌ جداً ، وفَكَّانِ قويانِ جداً أيضاً ، ولكنَّ حجمَ الدِّماغِ كانَ صغيراً نسبياً ، مَع وُجودِ قِمَّةٍ قويةٍ لجماجمَ الرجالِ. ولَمْ ينطبقْ ذلكَ على مُعظمِ النساءِ ، اللاتي كانَ لَهُنَّ فَكَّانِ صغيرانِ ، وهُما مثالانِ على الفروقِ الجسديةِ بينَ الذكورِ والإناثِ في الأجناسِ الإنسانيةِ المبكرةِ. ويُشيرُ شكلُ الأسنانِ والفكَّينِ إلى نوعيةِ الطعامِ ، الذي رُبَّما كانَ يتكونُ مِنَ الجذورِ القاسيةِ والدَّرَنَاتِ (مِثلِ الجزرِ والبطاطسِ) ، التي تتطلبُ قوةَ طحنٍ كبيرةٍ (سولومون ، بيرغ ، مارتن ، 2006: 412).

ثَالِثَاً ، الإنْسَانُ الْمَاهِرُ(Homo Habilis) ، الذي عاشَ مِنْ حوالي 2.3 إلى حوالي 1.6 مليونَ سنةٍ مضتْ ، في تنزانيا وشرقِ أفريقيا عموماً. وكانَ أولُ جنسٍ إنسانيٍّ لَهُ الكثيرَ مِنْ ملامحَ الإنسانِ الحديثِ. فبالمقارنةِ مَع سابقيهِ ، كانَ صغيرَ الحجمِ عموماً ، وأكبرَ في حجمِ الدماغِ والأضراسِ الأماميةِ والخلفيةِ. وقد تركَ وراءَهُ مواقعَ أثريةً عُثِرَ فيها على أدواتٍ بدائيةٍ ، وأحجارٍ لها حوافَّ حادةٍ للقطعِ والكشطِ ، ورقائقَ وقطَّاعاتٍ حجريةٍ. وهُناكَ باحثونَ يقولونَ بأنَّهُ ينتمي للإنسانِ الأُسْتُرَاليِّ القديمِ أكثرَ مِنْ انتمائِهِ لأجناسِ الإنسانِ اللاحقةِ.

رَابِعَاً ، الإنْسَانُ الْعَامِلُ (Homo Ergaster) ، الذي عاشَ من حوالي 2 إلى حوالي 1.4 مليونَ سنةٍ مضتْ ، في شرقِ وجنوبِ أفريقيا. وهوَ السَّلَفُ الأفريقيُّ لِكُلٍّ مِنَ الإنسانِ الْمُعْتَدِلِ القامةِ وإنسانِ هايدلبرغ. وبهذا يكونُ هوَ سَلَفُ الإنسانِ المعاصِرِ.

خَامِسَاً ، الإنْسَانُ الْمُعْتَدِلُ الْقَامَةُ (Homo Erectus) ، الذي عاشَ مِنْ حوالي 1.7 مليونَ سنةٍ إلى حوالي 200 ألفَ سنةٍ مضتْ ، في أفريقيا وآسيا وأوراسيا (أرمينيا وجورجيا). ويَعتقدُ بعضُ الباحثينَ أنَّهُ فرعُ شرقِ آسيا ، المنفصلُ عَنْ الإنسانِ الْعَامِلِ. ويبدو للكثيرِ مِنَ الباحثينَ أنَّهُ قد تَطَوَّرَ عَنْ الإنسانِ الْمَاهِرِ ، لكنَّهُ كانَ أطولَ مِنْهُ. وكانَ حجمُ دِماغِهِ أكبرَ ، واستمَرَّ في الكبرِ.

ومَع ذلكَ ، فإنَّهُ قد احتفظَ ببعضِ صفاتِ القرودِ ، مِثلِ الحافةِ العظميةِ البارزةِ التي تعلو الحاجبينِ ، كما أنَّ وجْهَهُ كانَ ممدوداً للأمامِ. وكانَ الإنسانُ المعتدلُ القامةِ هوَ أولَ جنسٍ إنسانيٍّ بفروقٍ قليلةٍ بينَ الذكورِ والإناثِ. وكانَ يَصنعُ أدواتٍ حجريةٍ متقدمةٍ ، معروفةٍ لدى الباحثينَ باسمِ الأدواتِ الأخيليةِ (Acheulean) ، مِثلِ الفؤوسِ والقطَّاعاتِ والمثاقيبَ والقشاطاتِ. وقد عاشَ في المناطقِ الشماليةِ مِنَ الكُرةِ الأرضيةِ ، وكانَ يصطادُ الحيواناتِ ، ويرتدي الملابسَ ، ويُوقدُ النارَ ، ويَعيشُ في الكهوفِ والملاجئِ ، ويَستعملُ الحِرابِ كأسلحةٍ لَهُ. ويَعتقدُ بعضُ الباحثينَ بأنَّهُ انقرضَ في شرقِ آسيا ، عندما وصلَ جنسٌ إنسانيٌّ آخَرَ إلى هُناكَ ، لكنَّ هذا الرأيَ لا يَحظى بالإجماعِ.

سَادِسَاً ، إنْسَانُ هَايْدِلْبِرْغْ (Homo Heidelbergensis) ، الذي عاشَ مِنْ حوالي 800 ألفَ سنةٍ إلى حوالي 100الفَ سنةٍ مضتْ ، في أفريقيا وآسيا وأوروبا. وقد سُمِيَ بهذا الاسمِ نسبةً إلى مدينةِ هايدلبرغ الألمانيةِ التي تَمَّ اكتشافُ إحدى حفرياتِهِ فيها. ويُعتبرُ السَّلَفُ لِكُلٍّ مِنَ النياندرتال والأنسانِ العاقلِ (الحديثِ).

سَابِعَاً ، إنْسَانُ نِيانْدَرتَال (Homo Neanderthalensis) ، الذي عاشَ مِنْ حوالي 230 ألف سنة إلى حوالي 30 ألفَ سنةٍ مضتْ. وقد سُمِيَ بهذا الاسمِ نسبةً إلى وادي نِيانْدَر ، قربَ مدينةِ دوسيلْدورْف الألمانيةِ ، حيثُ اكتُشِفَتْ أولى حفرياتِهِ. وقد عاشَ هذا الجنسُ البشريُّ في غربِ آسيا ، ثُمَّ أخذَ يتقدمُ إلى أوروبا كُلَما سمحَ لَهُ ذوبانُ ثلوجِها بذلكَ. وكانَ قصيراً ، قويَ البُنيةِ ، ووجهُهُ ممدوداً للأمامِ قليلاً ، وكانَ الذقنُ والجبهةُ مائلينِ للوراءِ. وكانتْ عظامُ الفكينِ والحاجبينِ بارزةً ، وكانَ حجمُ الدِّماغِ والأسنانِ الأماميةِ أكبرَ مِنْ تلكَ التي للإنسانِ الحديثِ. وكانتْ الجيوبُ الأنفيةُ كبيرةً ، نتيجةً للتكيفِ مَعَ العصرِ الجليديِّ في أوروبا ، وكانتْ عِظامُ الخدينِ منحسرةً.

ولا يُوجَدُ إجماعٌ بينَ الباحثينَ على أنَّ إنسانَ نياندرتال كانَ جنساً بشرياً منفصلاً عَنْ الإنسانِ الحديثِ. فقد صنعَ واستعملَ أدواتٍ أكثرَ تَطَوُّرَاً مِنَ التي كانتْ للإنسانِ المعتدلِ القامةِ ، والمعروفةِ لدى الباحثينَ باسمِ الأدواتِ الماوستريةِ (Mousterian) ، مِثلِ الحرابِ الحادةِ ، التي كانَ يستعملُها في صيدِ الحيواناتِ الكبيرةِ. وكانَ يَعيشُ في جماعاتٍ تتميزُ بالتعاونِ الاجتماعيِّ ، والتي كانَ لها شعائرُها ومعتقداتُها الدينيةِ ، كما يتبينُ ذلكَ مِمَّا احتوتهُ قبورُ أفرادِها.

ومنذُ حوالي 30 ألفَ سنةٍ ، اختفى إنسانُ نياندرتال مِنْ سِجِلِّ الآثارِ البشريةِ. ويَعتقدُ بعضُ الباحثينَ بأنَّ السببَ في ذلكَ يعودُ إلى أنَّهُ لَمْ يكنْ قادراً على التنافسِ مَعَ الإنسانِ "العاقلِ الحكيمِ" (homo sapien sapiens) ، أو أنَّ الأخيرَ قد قضى عليهِ تماماً. وهذهِ الفرضيةُ البحثيةُ يؤيدُها تحليلُ المادةِ المختصةِ بالطاقةِ في الحِمضِ النوويِّ (mitochondrial DNA) ، لعظامِ نياندرتال المكتشَفَةِ ، والذي أظهرَ أنَّهُ قد وصلَ إلى نهايةِ تَطَوُّرِهِ ، وأنَّ أفرادَهُ لَمْ يتزاوجوا مَعَ أفرادِ الإنسانِ "العاقلِ الحكيمِ."

وهُناكَ فرضيةٌ بحثيةٌ أُخرى منافسةٌ ، مبنيةٌ على اكتشافِ هيكلٍ عظميٍّ في البُرتغالِ ، لطفلٍ يبلُعُ مِنَ الْعُمُرِ أربعَ سنواتٍ ، يعودُ تاريخُهُ إلى 24.5 ألفَ سنةٍ مضتْ. ويُظْهِرُ ذلكَ الهيكلُ العظميُّ صفاتٍ مشترَكةً ما بينَ إنسانِ نياندرتال والإنسانِ "العاقل الحكيم" ، مِثلَ قِصَرِ عظامِ الأطرافِ السُّفْلَى. ويقولُ الباحثونَ الذينَ أتوْا بهذهِ الفرضيةِ بأنَّ ذلكَ دليلٌ على أنَّهُ كانَ هُناكَ تزاوجٌ بينَ أفرادِ الجنسينِ البشريينِ. ويَرُدُّ أصحابُ الفرضيةِ الأولى بأنَّ ذلكَ الطفلَ كانَ يُمَثِّلُ تنوعاً عادياً في أفرادِ جنسِ الإنسانِ "العاقلِ الحكيمِ" ، لا أكثرَ.

ثَامِنَاً ، الإنْسَانُ "الْعَاقِلُ" (Homo Sapiens) ، الذي يتميزُ بدرجاتٍ أعلى مِنَ الذكاءِ والرشاقةِ والجمالِ عَمَّنْ سبقوهُ في المراحلِ السابقةِ ، كما يتضحُ مِنْ حجمِ الجمجمةِ وملامحِ الوجهِ وتناسقِ أجزاءِ الجسمِ. وَيُقَدَّرُ ظهورُهُ على الأرضِ ابتداءً مِنْ حواليْ ثلاثمائةِ ألفِ سنةٍ مضتْ ، كما جاءَ في أحدثِ الاكتشافاتِ مِنَ المغربِ. وأكثرُ التقديراتِ أنَّ ذلكَ قد حدثَ قبلَ مائتي ألفِ سنةٍ. وهناكَ تقديراتٌ أُخرى تقولُ بظهورِهِ ابتداءً مِنْ آخَرَ مائةِ ألفِ سنةٍ. ومنذُ حوالي 30 ألفَ سنةٍ ، لم يبق على الأرض جنسٌ بَشَرِيٌّ غيرُهُ. وأهَمُّ ما يُمَيِّزُ مَظْهَرَهُ عَنْ سابقيهِ اختفاءُ العظمةِ البارزةِ فوقَ الحاجبينِ ووضوحُ الذقنِ. [27]

وهُناكَ فرضيتانِ بحثيتانِ متنافستانِ عن أصلِ الإنسانِ العاقلِ. وهما مبنيتانِ على أبحاثِ دراسةِ الحفرياتِ (fossils) ، وعلمِ أحياءِ الجزيئاتِ (molecular biology) ، وعلمِ الصفاتِ الوراثيةِ للسكانِ (population genetics).

وَتُعْرَفُ الفرضيةُ الأولى "بالهجرةِ إلى خارجِ أفريقيا" ، التي تقولُ بأنَّ الإنسانَ العاقلَ قد ظَهَرَ في أفريقيا منذُ حوالي 200 ألف سنة إلى حوالي 100 ألفَ سنةٍ مضتْ ، ثُمَّ انتشرَ مُهاجراً إلى الشرقِ الأوسطِ ، فآسيا ، ثُمَّ أخيراً إلى أوروبا.

وَتُعْرَفُ الفرضيةُ الثانيةُ "بالتطورِ المستقلِّ في الأقاليمِ الجغرافيةِ المختلفةِ" ، وذلكَ بعدَ خروجِ الإنسانِ المعتدلِ القامةِ مِنْ أفريقيا مُهاجراً إلى باقي بقاعِ الأرضِ. وقد ساعدَهُ الانعزالُ الجغرافيُّ للتطورِ المستقلِ ، وصولاً إلى الإنسانِ العاقلِ الحكيمِ. وحدثَ التجانسُ تدريجياً بالتفاعلِ والتزاوجِ بينَ الجماعاتِ الإنسانيةِ المختلفةِ ، الأمرُ الذي حالَ دونَ حدوثِ عزلةٍ تكاثريةٍ كاملةٍ لأيِّ منها ، ولكنْ بَقِيَتْ بعضُ الفروقِ الإقليميةِ الحاليةِ ، نتيجةً للتكيفِ مَع بيئاتِ العالَمِ المختلفةِ

 تَاسِعَاً ، الإنْسَانُ الْعَاقِلُ الْحَكِيمُ (homo sapien sapiens) ، وهوَ إنسانُ المرحلةِ الحاليةِ للبشريةِ ، أيْ المرحلةِ الخامسةِ مِنَ الْخَلْقِ ، والتي بدأتْ بنفخِ رُوحِ اللهِ فيهِ ، كما مَرَّ ذِكْرُهُ مِنْ قبلُ. وهناكَ دراساتٌ تقولُ بأنَّهُ قد تَطَوَّرَ كثيراً عَنْ سَلَفِهِ "العاقلِ" مَع بدايةِ الثلاثينَ ألفِ سنةٍ الأخيرةِ ، ولذلكَ تَمَّ تمييزُ اسمِهِ بتكرارِ صِفتيْ العقلِ والحكمةِ فيهِ ، فأصبحَ يُعْرَفُ بأنَّهُ "الإنسانُ الحكيمُ-الحكيمُ" أو "الإنسانُ العاقلُ-العاقلُ" (homo sapien sapiens). والأفضلُ مَزْجُ هاتينِ الصفتينِ ، بوصفِهِ أنَّهُ "الإنسانُ العاقلُ الحكيمُ" ، بالمقارنةِ مَع مَنْ سبقوهُ. ولا ضَيْرَ في أنَّ بعضَ الناسِ لا يتصفونَ بالعقلانيةِ والحكمةِ ، اللتيْنِ وضعَهُما اللهُ في هذا الجنسِ البشريِّ ، سواءً كانَ ذلكَ جبراً أم اختياراً ، لأنَّ الكثيرينَ يتصفونَ بهما.  وكانَ جُلُّ هذا التطورِ في الدماغِ ،  وبالذاتِ في منطقةِ القشرةِ الجديدةِ (neocortex) ، المسؤولةِ عَنْ قُدْرَةِ الإنسانِ على التفكيرِ المُعقدِ ، والتي لا يوجدُ مثيلٌ لها عندَ الحيواناتِ الثدييةِ. وقد أدى ذلكَ إلى التطورِ الكبيرِ في التفكيرِ ، والذي تّمَّ التعبيرُ عنهُ ثقافياً. وشواهدُ ذلكَ ما تركَهُ لنا مِنْ رسوماتٍ رائعةٍ للحيواناتِ والنباتاتِ على جدرانِ الكهوفِ ، ثُمَّ ما تَبِعَ ذلكَ مِنْ صُنْعِهِ واستعمالِهِ لِلْحِلِيِّ والأسلحةِ والأدواتِ. [28]

وإنْ كانَ لنا أنْ نُفَكِّرَ في احتمالِ وقتِ ظهورِ آدّمَ ، عليهِ السلامُ ، فذلكَ رُبما كانَ خلالَ هذهِ الفترةِ الأخيرةِ ، التي شهدتْ ذلكَ التطورَ الثقافيَّ الإنسانيَّ ، أيْ خلالَ الثلاثينَ ألفِ سنةٍ الأخيرةِ ، ولكنْ قبلَ وصولِ الإنسانِ إلى فجرِ الحضارةِ مَعَ العصرِ الزراعيِّ ، الذي بدأَ منذُ ثمانيةَ آلافِ سنةٍ ، وما صاحبَ ذلكَ مِنْ بدءِ الكتابةِ باللغاتِ المختلفةِ ، لوصفِ كافةِ مجالاتِ الحياةِ ، والتأريخِ للأحداثِ ، ثُمَّ ما تلا ذلكَ مِنْ تشييدِ المباني والرموزِ الضخمةِ ، التي لا زالتْ قائمةً إلى اليومِ ، مِثلِ المعابدِ والأهراماتِ.


 

مُلاحَظَاتٌ اسْتِطْرَادِيَّةٌ وَتَوْثيِقِيَّةٌ

***



[1] الآياتُ الكريمةُ السِّتُّ ، التي تذكرُ خَلْقَ الإنسانِ مِن تُرَابٍ ، هي: 3: 59 ، 18: 37 ، 22: 5 ، 30: 20 ، 35: 11 ، 40: 67.

[2] هُناكَ دراساتٌ عديدةٌ توصلتْ إلى أنَّ الحياةَ قد بدأتْ في بيئةٍ شبيهةٍ بالمستنقعاتِ ، والتي تتكونُ بصفةٍ أساسيةٍ مِنَ الماءِ والترابِ ، أيْ مِنَ الطينِ ، كما جاءَ في الآيةِ الكريمةِ 32: 7. ويُمكنُ الاطلاعُ على بعضِها على الروابطِ التاليةِ:

Clay may have been birthplace of life on Earth, new study suggests

https://www.sciencedaily.com/releases/2013/11/131105132027.htm

http://www.natureworldnews.com/articles/4784/20131106/life-evolved-clay-researchers-find.htm

http://www.nytimes.com/1985/04/03/us/new-finding-backs-idea-that-life-started-in-clay-rather-than-sea.html

[3] وهذا الوصفُ الذي تقدمهُ لنا الآيةُ ألكريمةُ 15: 26 ينطبقُ على الحياةِ في المستنقعاتِ ، التي يختلطُ فيها الماءُ الراكدُ بترابِ الأرضِ ، الذي يحتوي على العناصرِ الأوليةِ المختلفةِ ، بما في ذلكَ النتنةِ الرائحةِ منها مثلِ الكبريتِ ، مكوناً الطينِ المنتنِ الملسِ.

والكبريتُ عنصرٌ أساسيٌّ لأشكالِ الحياةِ المختلفةِ ، ولكنْ تنبعثُ منهُ رائحةٌ كريهةٌ منتنةٌ ، وذلكَ نتيجةً لِمُرَكَّبَاتِهِ العضويةِ ، مِثلِ كبريتاتِ الهيدروجينِ ، التي لها رائحةُ البيضِ الفاسدِ ورائحةُ المستنقعاتِ وحيوانِ الظربانِ الأميركي (skunk).

http://undergroundhealthreporter.com/swamp-gas-hydrogen-sulfide/

https://en.wikipedia.org/wiki/Sulfur

http://www.water-research.net/index.php/sulfur

[4] يُشيرُ علماءُ الأحياءِ إلى كائناتِ المرحلةِ الأولى للحياةِ بأنها وحيدةُ الخليةِ (prokaryotes) ، وإلى كائناتِ المرحلةِ الثانيةِ بأنها متعددةُ الخلايا (eukaryotes) ، وهيَ المرحلةُ الحيوانيةُ. أمَّا المرحلةُ الثالثةُ فهيَ مرحلةُ الإنسانِ المعتدلِ (homo erectus) ، التي انفصلَ الإنسانُ فيها عَن الحيواناتِ باعتدالِهِ ، نتيجةً لوقوفِهِ على رجلينِ ، وهوَ الأمرُ الذي وَسَّعَ مدى رؤيتِهِ ، وأتاحَ له الإلمامَ بمعلوماتٍ أكثرَ عَن بيئتِهِ.

أنظرْ مثلاً الكتابَ الدراسيَّ الجامعيَّ الذي ذَكَرَ مثلَ هذهِ المعلوماتِ ، مِن تأليفِ سولومون وآخرينَ:

Solomon, Eldra P., Linda R. Berg, and Diana W. Martin. 2006. "Biology." 7th Edition. Belmont, CA: Books/Cole-Thomson

[5] حديثُ " يَا اِبْنَ آدَمَ ، أَنَّى تُعْجِزُنِي" رواهُ بسر بن جحاش القرشي ، رضيَ اللهُ عنهُ ، وصححهُ الألبانيُّ ، في السلسلةِ الصحيحةِ:  1143 ، وأخرجَهُ أحمدُ: 17842 ، وابنُ أبي عاصمٍ ، في "الآحادِ والمثاني": 869 ، وابنُ أبي الدُّنيا ، في "التواضعِ والخمولِ": 245 ، باختلاف يسير.

[6] حديثُ "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ" رواهُ أبو موسى الأشعريِّ ، رضيَ اللهُ عنهُ ، وهوَ في صحيحِ البخاري: 574 ، وصحيحِ مسلم: 635 ، وصححهُ الألبانيُّ ، في صحيحِ الجامعِ: 6337.

[7] على الرغمِ مِنْ أنَّ المفسرينَ الثلاثةَ قد ذكروا هذا الحديثِ في تفاسيرِهم لمعاني الآيةِ الكريمةِ 82: 2 ، إلَّا أنَّهُ قد قيلَ عنهُ أنَّهُ غريبٌ ومتروكٌ ولا يثبتُ.

فقد رواهُ رباحٌ اللخميِّ بنُ قصيرٍ ، جَدُّ موسى بن علي ، رضيَ اللهُ عنهُ. وقد أوردَهُ الألبانيُّ ، في السلسلةِ الصحيحةِ: 7\988 ، لكنهُ قالَ عنهُ أنَّ فيهِ مطهر بن الهيثم ، قالَ الهيثميُّ وابنُ حَجَرٍ هوَ متروكٌ. وأوردَهُ ابنُ منده في تاريخِ دمشقَ: 30\18 ، وقالَ عنهُ أنهُ غريبٌ ، تَفَرَّدَ بهِ مطهرُ ، وعنهُ مشهورٌ. وذكَرَهُ ابنُ كثيرٍ: 8\365 ، في تفسيرِهِ لهذهِ الآيةِ الكريمةِ ، لكنهُ قالَ أنَّ إسنادَهُ لا يثبتُ.

نَصُّ هذا الحديثِ "الغريبِ" ، المنسوبِ لرسولِ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، كما يلي:

عنْ رباحٌ اللخميِّ بنُ قصيرٍ ، جَدُّ موسى بن علي ، رضيَ اللهُ عنهُ ، أنَّ رسولَ اللهِ ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، قالَ: "إنَّ النُّطفةَ إذا استقرَّتْ في الرَّحِمِ أحضرها اللهُ كلَّ نسبٍ بينها وبين آدمَ فرُكِّبَ خلقُه في صورةٍ من تلك الصُّورِ أمَا قرأتَ هذه الآيةَ في كتاب اللهِ (فِي أَيِّ صُورةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) من نسلكَ ما بينك وبين آدمَ."

[8] التفوقُ العقليُّ للإنسانِ ، بالمقارنةِ مَعَ الحيوانِ ، ناتجٌ عَنْ فُروقٍ في حجمِ الدماغِ ومكوناتِهِ ، مكنتْ الإنسانَ مِنْ اختراعِ أساليبَ متقدمةٍ مِنَ الاتصالاتِ اللغويةِ والبدنيةِ. فمثلاً ، يبلغُ متوسطُ وزنِ دماغِ الشمبانزي البالغِ 384 غراماً ، بينما يصلُ متوسطُ وزنِ دماغِ الإنسانِ المُعاصرِ إلى 1352 غراماً. والسببُ الرئيسُ لذلكَ أنَّ حجمَ دماغِ الشمبانزي لا يزيدُ بعدَ الولادةِ ، بينما حجمُ دماغِ الإنسانِ يستمرُّ في النموِّ بعدَ الولادةِ بعقدٍ أو عقدينِ أو ثلاثةِ عقودٍ مِنَ السنينَ ، تِبعاً لتوفرِ عواملَ النموِّ المختلفةِ ، مِنْ وراثيةٍ ، وبيئيةٍ ، وغذائيةٍ.

https://www.npr.org/templates/story/story.php?storyId=141164708

 ويُمكنُ الاطلاعُ على المزيدِ عَنْ هذا الموضوعِ ككلٍ على الرابطِ التالي:

http://humanorigins.si.edu/human-characteristics/brains

وقامتْ مجموعةٌ مِنَ الباحثينَ ، برئاسةِ ألِنْ ، بدراسةِ 46 شخصاً بالغاً ، تتراوحُ أعمارُهُم بينَ 22 و49 عاماً ، غالبيتُهُم مِنَ الأوروبيينَ. فوجدوا أنَّ متوسطَ حجمِ دماغِ الرجالِ كانَ 1273.6 سنتمتراً مكعباً ، وباختلافٍ يتراوحُ ما بينَ 1052.9 سنتمتراً مكعباً و1498.5 سنتمتراً مكعباً. كما وجدوا أنَّ متوسطَ حجمِ دماغِ النساءِ كانَ 1131.1 سنتمتراً مكعباً ، وباختلافٍ يتراوحُ ما بينَ 974 سنتمتراً مكعباً و1398.1 سنتمتراً مكعباً. وللمزيد مِنَ التفصيلِ عَنْ هذا الموضوعِ ، أنظرْ: (Allen, 2002) ، المذكورِ معَ مصادرَ أُخرى ، في نهايةِ هذا الفصلِ.

وقد ازدادَ حجمُ دماغِ الإنسانِ عبرَ التاريخِ ، وخاصةً خلالَ المليوني سنةٍ الماضيةِ. فكانَ حجمُ دماغِ الإنسانِ الماهرِ ، الذي عاشَ قبلَ 2.3 – 1.6 مليونَ سنةٍ ، حواليْ 550-687 سنتمتراً مكعباً. أمَّا لإنسانُ المعتدلُ القامةُ ، الذي عاشَ قبلَ 1.7 – 0.2 مليونَ سنةٍ ، فقد وصلَ حجمُ دماغِهِ حواليْ 600-1250 سنتمتراً مكعباً. ووصلَ حجمُ دماغِ إنسانِ هايدلبرغ ، الذي عاشَ قبلَ 800 – 100 ألفَ سنةٍ ، حواليْ 1100-1400 سنتمتراً مكعباً. وبالنسبة إلى إنسان نياندرتال ، الذي عاشَ قبلَ 230 – 30 ألفَ سنة ، فقد وصلَ حجمُ دماغِهِ حواليْ 1200-1750 سنتمتراً مكعباً. وأخيراً ، فإنَّ حجمَ دماغِ الإنسانِ "العاقلِ الحكيمِ" ، الذي ظهرَ على الأرضِ منذُ حواليْ مائةَ ألفِ سنةٍ ، قد وصلَ إلى حواليْ 1400 سنتمتراً مكعباً في المتوسطِ. 

http://tolweb.org/treehouses/?treehouse_id=3710

في قياسِهِم لذكاءِ الحيواناتِ المختلفةِ ، لا يستعملُ الباحثونَ حجمَ الدماغِ ولا نسبتَهُ إلى حجمِ الجسمِ. وبدلاً مِنْ ذلكَ ، فإنهم يستخدمونَ مقياسَ EQ ، الذي هوَ عبارةٌ عَنْ مقياسٍ نسبيٍّ لحجمِ الدماغِ ، أيْ أنَّهُ نسبةٌ محسوبةٌ مِنْ مقارنةِ دماغِ حيوانٍ ما مَعَ ما هوَ متوقعٌ مِنْ حجمِ دماغِ حيوانٍ آخَرَ ، لَهُ نفسُ حجمِ الجسمِ.

https://io9.gizmodo.com/5890414/the-4-biggest-myths-about-the-human-brain

بالإضافةِ إلى مقياسِ EQ ، فإنَّ ذكاءَ حيوانٍ ما لَهُ علاقةٌ بمكوناتِ الدماغِ المختلفةِ. وينفردُ الإنسانُ عَنْ جميعِ الثديياتِ بأكبرَ مساحةٍ نسبيةٍ للقشرةِ المُخيةِ (cerebral cortex). ويشتملُ هذا الجزءُ مِنْ دماغِ الإنسانِ على نصفيْ المخِ المقسميْنِ إلى مناطقَ مختصةٍ بالوظائفِ العاليةِ ، مِثلِ الذاكرةِ واللغةِ والتواصلِ والتفكيرِ والتعبيرِ والأخلاقِ والمنطقِ.

http://tdlc.ucsd.edu/educators/educators_myths_biggest_brain.html  

[9] نَصُّ تفسيرِ الْقُرْطُبِيِّ للآيةِ الكريمةِ 11: 56 ، كما يلي:

"وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ نَاصِيَة لِأَنَّ الْأَعْمَال قَدْ نُصَّتْ وَبَرَزَتْ مِنْ غَيْب الْغَيْب فَصَارَتْ مَنْصُوصَة فِي الْمَقَادِيرِ. قَدْ نَفَذَ بَصَرُ الْخَالِقِ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِ الْخَلْقِ بِقُدْرَةٍ ، ثُمَّ وُضِعَتْ حَرَكَاتُ كُلِّ مَنْ دَبَّ عَلَى الْأَرْضِ حَيًّا فِي جَبْهَتِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْهُ نَاصِيَةً ، لِأَنَّهَا تَنُصُّ حَرَكَاتِ الْعِبَادِ بِمَا قَدَّرَ. فَالنَّاصِيَةُ مَأْخُوذَةٌ بِمَنْصُوصِ الْحَرَكَاتِ الَّتِي نَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقهَا ، وَوَصَفَ نَاصِيَةَ أَبِي جَهْلٍ ، فَقَالَ: "نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ" (الْعَلَق ، 96 : 16) ، يُخْبِرُ أَنَّ النَّوَاصِيَ فِيهَا كَاذِبَةٌ خَاطِئَةٌ."

وهكذا ، فإنَّ التفوقَ الأخلاقيَّ للإنسانِ بالمقارنةِ مَعَ الحيوانِ مَرَدُّهُ إلى تَطَوُّرِ الجزءِ الأخلاقيِّ للدماغِ ، وهوَ الموجودُ في الناصيةِ ، أيْ خلفَ الجبهةِ مباشرةً ، وخاصةً فيما بينَ العينينِ ، كما تَبينَ مِنَ الأبحاثِ العلميةِ أيضاً.

***

مَوْقِعُ النَّاصِيَةِ وَوَظَائِفُهَا:

تَقَعُ قشرةُ الدماغِ المداريةِ الأماميةِ (orbital frontal cortex) ، التي تُسَمَّى الْمُخُّ ، في الجزءِ الأسفلِ مِنْ سطحِ المقطعِ الأماميِّ للدماغِ ، مباشرةً خلفَ العينينِ. ومِنْ وظائفِ هذا المقطعِ التحكمُ في التنفيذِ ، وتأخيرُ المُتعةِ ، والتخطيط ُالبعيدُ المدى. وهوَ متصلٌ بكلِّ جزءٍ آخَرَ مِنْ دماغِ الإنسانِ. وهكذا ، فعندما تحصلُ المقاطعُ الأماميةُ لِلْمُخِّ على المعلوماتِ الصحيحةِ مِنَ الأجزاءِ الأُخرى ، فإنها تصلُ إلى الاستنتاجاتِ الصحيحةِ أيضاً.

أمَّا قشرةُ المخِّ الأماميةِ الملاصقةِ للجبهةِ ، أيْ النَّاصِيَةُ (prefrontal cortex) ، فإنها المركزُ المسؤولُ عَنْ التركيزِ والمنطقِ والإبداعِ والمنعِ وتأخيرِ المتعةِ والتخطيطِ والحُكمِ والتنفيذِ والتعبيرِ. أيْ أنَّ الناصيةَ هيَ المسؤولةُ عَنْ قراراتِ الإنسانِ التي يُمْكِنُ أنْ تكونَ خَيِّرَةً أو شِرْيرَةً. ومِنْ هُنا جاءتْ الإشارةُ لتلكَ المسؤوليةِ في الآياتِ الكريمةِ. وللمزيدِ مِنَ التفصيلِ عَنْ هذا الموضوعِ ، أنظرْ: (Sapolsky, 2005) و (Allman, 2000) ، في نهايةِ هذا الفصلِ.

***

تَطَوُّرُ الدِّمَاغِ الْبَشَرِيِّ:

تَطَوَّرَ الدِّمَاغُ البشريُّ في ثلاثِ مراحلَ تاريخيةٍ أساسيةٍ. تتمثلُ المرحلةُ الأولى في الجزءِ الداخليِّ والأسفلِ مِنَ الدماغِ (protoreptalian) ، الذي يشتركُ فيهِ الإنسانُ مَعَ الزواحفِ البدائيةِ. ويشتملُ هذا الجزءُ مِنَ الدماغِ على النُوى القاعديةِ ، والدماغِ الأوسطِ ، والجذعِ الدماغيِّ الذي يتصلُ بالرقبةِ. ويقومُ هذا الجزءُ بتأديةِ الوظائفِ الأساسيةِ الْمُشَفَّرَةِ وراثياً ، والمتعلقةِ بخططِ الأعمالِ الغريزيةِ ، المتصلةِ بأمورِ البقاءِ البدائيةِ ، مِثلِ الاستكشافِ والطعامِ والعدوانِ والهيمنةِ والجنسِ.

وَتَتَمَثَّلُ المرحلةُ الثانيةُ مِنْ تطورِ الدماغِ البشريِّ في الجزءِ الثاني الذي يحيطُ بالجزءِ الداخليِّ والأسفلِ (protomammalian) ، والذي يشتركُ فيهِ الإنسانُ مَعَ الثديياتِ البدائيةِ. ويشتملُ هذا الجزءُ مِنَ الدماغِ على اللوزةِ وقرنِ آمونَ والمهادِ السفلي (amygdala, hippocampus, hypothalamus) ، وغيرِ ذلكَ مِنْ مكوناتِ ما يُسَمَّى بالنظامِ الطرفيِّ (limbic system). وأهَمُّ وظائفِ هذا الجزءِ الثاني مِنَ الدماغِ أنَّهُ المسؤولُ عَنْ أنظمةِ التحفيزِ والعواطفِ الفطريةِ ، وعَنْ تشكيلِ الردودِ السلوكيةِ على المحفِزاتِ القادمةِ ، بناءً على الغرائزِ والتجاربِ السابقةِ ، وهوَ بذلك يقومُ بالتوسط ِما بينَ العواطفِ الاجتماعيةِ والتسليةِ وحنانِ الأمومةِ.

وتتمثلُ المرحلةُ الثالثةُ مِنْ تطورِ الدماغِ البشريِّ في الجزءِ الثالثِ الذي يحيطُ بالجزءِ الثاني ، وهو ما يُعْرَفُ بالقشرةِ الجديدةِ (neocortex) ، أو بِمُكَوِّنِ الثديياتِ الجديدةِ (neomammalian) ، وهوَ أكبرُ الأجزاءِ الثلاثةِ. ومِنْ أهَمِّ وظائفِهِ أنَّهُ يقومُ بتكوينِ المعرفةِ الناتجةِ عَنْ الإدراكِ البصريِّ والسمعيِّ والحسيِّ للبيئةِ التي يعيشُ الإنسانُ فيها ، ويتعاملُ معها. ويختلفُ حجمُ القشرةِ الجديدةِ (والتي يُسميها الباحثونَ بِالْمُخِّ) اختلافاً كبيراً بينَ أجناسِ الثديياتِ. فهوَ صغيرٌ جداً في القوارضِ ، ولكنهُ يصلُ إلى مساحةٍ كبيرةٍ في الحيتانِ وأجناسِ القرودِ الأربعةِ (الغيبون ، وإنسان الغاب ، والغوريلا ، والشمبانزي). أمَّا في الإنسانِ ، فإنَّهُ يصلُ إلى القمةِ في حجمهِ بالمقارنةِ مَعَ الجزئينِ الأوليينِ ، فهوَ بحقٍ مخزنُ المهاراتِ الإدراكيةِ الإنسانيةِ. وللمزيدِ مِنَ التفصيلِ عَنْ هذا الموضوعِ ، أنظرْ: (MacLean, 1990) ، في نهايةِ هذا الفصلِ.

***

دِمَاغُ الإنْسَانُ يَخْتَلِفُ فِي تَرْكِيبِهِ عَنْ دِمَاغِ الْحَيَوَانِ:

بَيَّنَتْ إحدى الدراساتِ المجهريةِ الحديثةِ للدماغِ الإنسانيِّ أنَّهُ يحتوي على هياكلَ عصبيةٍ ، وشبكةِ اتصالاتٍ معززةٍ ، وأشكالٍ أُخرى مِنَ الاتصالِ بينَ الخلايا العصبيةِ غيرِ موجودةٍ في أيِّ حيوانٍ. وهذا يعني أنَّ الدماغَ الإنسانيَّ يختلفُ في مكوناتِهِ عَنْ دماغِ الحيوانِ ، بما في ذلكَ دماغِ الشمبانزي ، أيْ أنَّهُ ليسَ فقطْ أكبرُ منهُ حجماً وإنما يختلفُ عنهُ في مكوناتِهِ. وقد فَحصتْ الدراسةُ ثمانيَ حالاتٍ إدراكيةٍ تشملُ التعليمَ ، والذاكرةَ القصيرةَ المدى ، والمنطقَ السببيَّ ، والتخطيطَ ، والخداعَ ، والاستدلالَ المتعديَ ، ونظريةَ العقلِ ، واللغةَ. وقد تبينَ مِنَ الدراسةِ أنَّ أوجَه التشابهِ كانتْ صغيرةً بينَ القدراتِ الإنسانيةِ والحيوانيةِ في جميعِ هذهِ الحالاتِ. أمَّا الاختلافاتُ ، فكانتْ كبيرةً. وهذا يعني أيضاً أنَّ هناكَ توافقاً بينَ العقلِ ومكوناتِ الدماغِ ، أيْ أنَّ الإدراكَ العقليَّ هوَ انعكاسٌ للقدراتِ الماديةِ للدماغِ. (Premack, 2007).

[10] الإنسانُ العاقلُ الحكيمُ

 يُطْلِقُ علماءُ تاريخِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) اسمَ هومو سابْيَن (homo sapiens) على الإنسانِ السابقِ للمرحلةِ الحاليةِ للبشريةِ ، أيْ في بداياتِ المرحلةِ الخامسةِ مِنَ الْخَلْقِ ، والتي بدأتْ بنفخِ رُوحِ اللهِ فيهِ. ويُمْكِنُ ترجمةُ هذا الاسمَ إلى "الإنسانِ العاقلِ." وهوَ يتميزُ بدرجاتٍ أعلى مِنَ الذكاءِ والرشاقةِ والجمالِ عَمَّنْ سبقوهُ في المراحلِ السابقةِ ، كما يتضحُ مِنْ حجمِ الجمجمةِ وملامحِ الوجهِ وتناسقِ أجزاءِ الجسمِ. وَقُدِّرَ ظهورُهُ على الأرضِ ابتداءً مِنْ حواليْ ثلاثمائةِ ألفِ سنةٍ مضتْ ، كما جاءَ في أحدثِ الاكتشافاتِ مِنَ المغربِ. وأكثرُ التقديراتِ أنَّ ذلكَ قد حدثَ قبلَ مائتي ألفِ سنةٍ. وهناكَ تقديراتٌ أُخرى تقولُ بظهورِهِ ابتداءً مِنْ آخَرَ مائةِ ألفِ سنةٍ ، وكانَ ذلكَ الظهورُ في أفريقيا أولاً ، ثُمَّ انتشرَ إلى غربِ آسيا فشرقِها ، وأخيراً إلى أوروبا (للمزيدِ مِنَ التفصيلِ عَنْ ذلكَ ، أنظرْ الملحقَ رقم 2). 

وهناكَ دراساتٌ تقولُ بأنَّ الإنسانَ الحاليَّ قد تَطَوَّرَ كثيراً عَنْ سَلَفِهِ "العاقلِ" مَع بدايةِ الثلاثينَ ألفِ سنةٍ الأخيرةِ ، ولذلكَ تَمَّ تمييزُ اسمِهِ بتكرارِ صِفةِ العقلِ فيهِ ، فأصبحَ يُعْرَفُ بأنَّهُ "الإنسانُ العاقلُ-العاقلُ" (homo sapien sapiens) ، أو "الإنسانُ الحكيمُ-الحكيمُ." والأفضلُ مَزْجُ هاتينِ الصفتينِ ، بوصفِهِ أنَّهُ "الإنسانُ العاقلُ الحكيمُ" ، بالمقارنةِ مَع مَنْ سبقوهُ. ولا ضَيْرَ في أنَّ بعضَ الناسِ لا يتصفونَ بالعقلانيةِ والحكمةِ ، اللتيْنِ وضعَهُما اللهُ في هذا الجنسِ البشريِّ ، سواءً كانَ ذلكَ جبراً أم اختياراً ، لأنَّ الكثيرينَ يتصفونَ بهما.  وكانَ جُلُّ هذا التطورِ في الدماغِ ،  وبالذاتِ في منطقةِ القشرةِ الجديدةِ (neocortex) ، المسؤولةِ عَنْ قُدْرَةِ الإنسانِ على التفكيرِ المُعقدِ ، والتي لا يوجدُ مثيلٌ لها عندَ الحيواناتِ الثدييةِ. وقد أدى ذلكَ إلى التطورِ الكبيرِ في التفكيرِ ، والذي تّمَّ التعبيرُ عنهُ ثقافياً. وشواهدُ ذلكَ ما تركَهُ لنا مِنْ رسوماتٍ رائعةٍ للحيواناتِ والنباتاتِ على جدرانِ الكهوفِ ، ثُمَّ ما تَبِعَ ذلكَ مِنْ صُنْعِهِ واستعمالِهِ لِلْحِلِيِّ والأسلحةِ والأدواتِ.

وإنْ كانَ لنا أنْ نُفَكِّرَ في احتمالِ وقتِ ظهورِ آدّمَ ، عليهِ السلامُ ، فذلكَ رُبما كانَ خلالَ هذهِ الفترةِ الأخيرةِ ، التي شهدتْ ذلكَ التطورَ الثقافيَّ الإنسانيَّ ، أيْ خلالَ الثلاثينَ ألفِ سنةٍ الأخيرةِ ، ولكنْ قبلَ وصولِ الإنسانِ إلى فجرِ الحضارةِ مَعَ العصرِ الزراعيِّ ، الذي بدأَ منذُ ثمانيةَ آلافِ سنةٍ ، وما صاحبَ ذلكَ مِنْ بدءِ الكتابةِ باللغاتِ المختلفةِ ، لوصفِ كافةِ مجالاتِ الحياةِ ، والتأريخِ للأحداثِ ، ثُمَّ ما تلا ذلكَ مِنْ تشييدِ المباني والرموزِ الضخمةِ ، التي لا زالتْ قائمةً إلى اليومِ ، مِثلِ المعابدِ والأهراماتِ.

وفيما يلي بعضُ الروابطِ عَنْ اكتشافِ حفرياتِ المغربِ وعَنْ اختلافِ "الإنسانِ العاقل الحكيمِ" عَنْ سَلَفِهِ:

https://www.npr.org/sections/health-shots/2017/06/07/531804528/315-000-year-old-fossils-from-morocco-could-be-earliest-recorded-homo-sapiens

http://www.columbia.edu/itc/cerc/danoff-burg/invasion_bio/inv_spp_summ/homo_sapiens_sapiens.html

https://earlyhumansdiv1.wikispaces.com/Homo+Sapien+Sapien+Clothes

[11] يَذْكُرُ علماءُ الأحياءِ وتاريخِ الإنسانِ (الأنثروبولوجيا) العديدَ مِنَ الأجناسِ الإنسانيةِ المنقرضةِ ، مِثلِ الإنسانِ المعتدلِ القامةِ والنياندرتال. انظرْ التفصيلَ الموجودَ في الملحقِ الثاني ، للفصلِ الرابعِ من هذا الكتابِ ، الذي يُلَخِّصُ مراحلَ الخَلقِ والتطورِ الإنسانيِّ ، بناءً على الحفرياتِ المكتشَفةِ.

[12] أنظر الفصلِ الثاني مِنَ الكتابِ الخامسِ للمؤلفِ عن الإسلامِ (الْقَدَرُ والْقَضَاءُ وَالْيَوْمُ الآخِرُ) ، بعنوانِ: "الْيَوْمُ الآخِرُ وَأَحْدَاثُهُ الْأَرْبَعَةُ الْكُبْرَى: السَّاعَةُ ، وَالْبَعْثُ ، وَالْحِسَابُ ، والْحُكْمُ بِالثَّوَابِ أو بِالْعِقَابِ."

[13] انظرْ الرابطَ التالي الذي يصفُ تطورَ الأعضاءِ الجنسيةِ الخارجيةِ للجنينِ ، بالكلماتِ والصِّوَرِ: 

http://www.baby2see.com/gender/external_genitals.html

[14] أنظرْ الجزءَ الأولَ مِنْ الفصلِ الأولِ مِنْ كتابِ: "تعريفٌ توضيحيٌّ مختصرٌ لفهمِ الإسلامِ" ، عَنْ تفسيرِ الآياتِ الكريمةِ 23: 12-14 ، من تأليف إ. أ. إبراهيم وآخرينَ ، باللغة الإنكليزيةِ. ويتضمنُ رسوماً توضيحيةً وحقائقَ علميةً عَنْ المراحلِ الثلاثِ الأولى للخَلقِ الثاني في الرَّحِمِ ، أيْ النطفةِ والعلقةِ والمضغةِ. وهوَ منشورٌ على الرابطِ التالي:

https://www.islam-guide.com/frm-ch1-1-a.htm

وانظرْ أيضاً البحثَ الذي كتبَهُ الدكتور عبد الجواد الصاوي ، بعنوانِ: "أطوارُ الجنينِ ونفخُ الرُّوحِ" ، والذي يصفُ فيهِ الأطوارَ الخمسةَ للجنينِ في الرَّحِمِ ، وهِيَ النطفةُ والعلقةُ والمضغةُ والعظامُ واللحمُ ، مَع رسومٍ وصور توضيحيةٍ. وقد فَسَّرَ الآياتِ الكريمةِ بالرجوعِ إلى حقائقَ علمِ الأجنةِ الحديثِ وإلى ما قالَهُ المفسرونَ القدامىٍ ، وخاصةً ابنُ كثيرٍ. والبحثُ منشور على موقعِ الهيئةِ العالميةِ للقرآنِ والسُّنةِ ، التابعِ لرابطةِ العالَمِ الإسلاميِّ ، على الرابطِ التالي:

https://www.eajaz.org/index.php/component/content/article/66-Issue-VIII/542-Phases-of-the-fetus-and-breathed

مزيدٌ مِنَ الرسومِ التوضيحيةِ بالفيديو لمراحلَ تطورِ الجنينِ ، مَعَ تعريفاتٍ مختصرةٍ ، يُمْكِنُ رؤيتُها على الرابطِ التالي:

https://www.babycentre.co.uk/1-week-conception

[15] الرأيُ الذي ذَكَرَتْهُ دائرةُ المعارفِ البريطانيةِ ، والذي يتلخصُ في أنَّ الفرعونَ الذي تَمَّ خروجُ بني إسرائيلَ في عهِدِه ، أيْ مِرِنْبْتَاح (1212-1202 قبل الميلاد) ، موجودٌ على الرابطِ التالي:

https://www.britannica.com/topic/biblical-literature/Non-European-versions#ref597585

أمَّا كتابا موريس بوكاي المنشورانِ عَنْ الموضوعِ: "أبحاثٌ طبيةٌ حديثةٌ عَنْ مومياواتِ الفراعنةِ" و "الكتابُ المقدسُ والقرآنُ والعلمُ" ، فهما موجودانِ على الرابطينِ التاليينِ:

Mummies of the Pharaohs: Modern Medical Investigations  

(about examining the mummies of Pharaohs, including Mernepta’h)

https://www.amazon.com/Mummies-Pharaohs-Modern-Medical-Investigations/dp/031205131X

The Bible, The Quran and Science By Maurice Bucaille

Translated from French by Alastair D. Pannell and the Author

https://archive.org/stream/TheBibletheQuranScienceByDr.mauriceBucaille/TheBibletheQuranScienceByDr.mauriceBucaille_djvu.txt

The Jushua Mark 1250-1200 BC opinion about entry of the Israelites to Palestine is mentioned at:

https://www.ancient.eu/canaan/

خلالَ القرنِ الثالثَ عشرَ قبلَ الميلادٍ ، الذي يٌرَجَّحُ حدوثُ خروجِ بني إسرائيلَ خلالَهُ ، حَكَمَ مصرَ ستةٌ مِنَ الملوكِ (الفراعنةِ) ، هُم رمسيسُ الأولُ (1295-1294) ، سيتي الأولُ (1294-1279) ، رمسيسُ الثاني (1279-1212) ، مرنبتاح (1212-1202) ، أمين ميسا (1202-1200) ، وسيتي الثاني  (1200-1194).

 أنظرْ أيضاً المقالاتِ الموسوعيةَ عَنْ تاريخِ مِصْرَ القديمِ ، التي كتبها جوشوا مارك ، والتي نفى فيها أنْ يكونَ رمسيسُ الثاني هوُ الفرعونُ الغارقِ ، في مطبوعته ، على الرابطِ التالي:  

Joshua J. Mark is a co-founder, editor, and a director of Ancient History Encyclopedia.

https://www.ancient.eu/timeline/pharaoh/

[16]  انظرْ الفصلَ العاشرَ مِنْ هذا الكتابِ (الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ) ، والذي تَمَّ فيهِ استعراضٌ لبعضِ الأبحاثِ العلميةِ التي بينتْ أنَّهُ كما للدماغِ عقلٌ يفكرُ مِنْ خلالهِ ، فإنَّ للقلبِ عقلٌ أيضاً ، له ذاكرةٌ وتفكيرٌ ، وخاصةً فيما يتعلقُ بالعواطفِ والرغباتِ. وهكذا ، فإنَّ كلمةَ "صُدُورِكُمْ" ، الموجودةِ في الآيةِ الكريمةِ 17: 51 ، إشارةٌ للقلوبِ التي في الصدورِ ، والتي يُمكنها أنْ تفكرَ في أشكالٍ أخرى مِنَ الخلقِ ، التي يُمكنُ للإنسانِ أنْ يتخيلها.

[17] انظرْ المقالةَ التاليةَ عَنْ الأحافيرِ الحديديةِ ، المتكونةِ في منطقةِ ميزون كريك ، بولايةِ إلينوي الأميركيةِ ، والمحفوظةِ في متحفِ الولايةِ:

www.museum.state.il.us/exhibits/mazon_creek/about_mazon_creek.html

وانظرْ أيضاً إلى صورِ حفرياتٍ إنسانيةٍ في صخورٍ مختلفةٍ على الرابطينِ التاليينِ:

http://humanorigins.si.edu/evidence/human-fossils   

https://www.google.com/search?q=fossilized+human+skeleton&biw0%3B336

للمزيدِ عَنْ البعثِ للحسابِ في اليومِ الآخِرِ ، وكيفيةِ حدوثِهِ ، أنظرْ الفصلَ التاسعَ: "الْعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَالرُّوحُ وَالسَّعَادةُ ، مِنْ مَنْظُورٍ إسْلامِيٍ" ، والفصلَ الثاني ، مِنَ الكتابِ الخامسِ عنْ الإسلامِ ، لهذا المؤلِّفِ ، بعنوانِ: "اليومُ الآخِرُ وَأَحْدَاثُهُ الأَرْبَعَةُ الْكُبْرَى: السَّاعَةُ ، وَالبَعْثُ ، وَالحِسَابُ ، والحُكْمُ بِالثَّوَابِ أو بِالعِقَابِ."

[18] لمزيدٍ مِنَ المعلوماتِ عَنْ العلاقةِ ما بينَ لونِ البشرةِ والهجراتِ الإنسانيةِ بعيداً عِنْ خَطِّ الاستواءِ ، أنظرْ كتابَ سكوبن (2008) ، الصفحاتِ: 43-45 ، 412-439.

يُمْكِنُ الحصولُ على صورٍ ومقالاتٍ عَنْ قرودِ الماكك ، الشقراءِ وذاتِ العيونِ الملونةِ والزرقاءِ ، التي تعيشُ في شمالِ اليابانَ على مواقعَ عديدةٍ في الشبكةِ المعلوماتيةِ العالَميةِ ، بما في ذلكَ الرابطِ التالي ، على سبيلِ المثالِ:

http://www.blueplanetbiomes.org/japanese_macaque.htm  

[19] انظرْ البحثَ القيمَ ، الذي كتبَهُ جميل حمداوي ، عَنْ الأصولِ العربيةِ المشرقيةِ للغةِ الأمازيغيةِ ، خاصةً الأصولِ الْحِمْيَرِيَّةِ والْكَنْعَانِيَّةِ منها ، وهوَ منشورٌ على موقعِ: "دِيوانُ الْعَرَبِ" ، على الرابطِ التالي:

www.diwanalarab.com/spip.php?article13856  

[20] لمزيدٍ مِنَ المعلوماتِ عَنْ تطورِ اللغةِ مِنْ رَطَانَةٍ (pidgin) إلى لُغَةٍ مُخْتَلَطَةٍ (creole) وإلى لُغَةٍ كَامِلَةْ ، ثُمَّ إلى استخدامِها كَلُغَةٍ مُشْتَرَكَةٍ (lingua franca) ، أنظرْ كتابَ ريموند سكوبن (2008) ، الصفحات 96-124.

[21] لِمَزِيدٍ مِنَ المعلوماتِ عَنْ دورانِ الشمسِ حولَ مركزِ مجرتِنا ، دَرْبِ التَّبَّانَةِ ، أنظرْ المقالةَ الإيضاحيةَ المنشورةَ على موقعِ وكالةِ الفضاءِ الأميركيةِ ، ناسا ، على الرابطِ التالي:

https://starchild.gsfc.nasa.gov/docs/StarChild/questions/question18.html

[22] تعريفُ ومعنى "دَحْيَةُ" ، في "مُعْجَمِ الْمَعَانِي الْجَامِعِ":

عَرَّفَ مُعْجَمُ الْمَعَانِي الْجَامِعِ كلمةَ "دَحْيَةُ" بأنها بَيْضَةٌ ، وشرحَها بإيرادِ الآيةِ الكريمةِ 79: 30 ، التي تصفُ الأرضَ بأنها تشبهُ البيضةَ في شكلِها ، وذلكَ كما يلي:

"دحَى اللهُ الأرضَ ، دَحَاها ، بسَطَها ومدَّها ووسَّعَها على هيئةِ بيضةٍ ، للسُّكنى والإعمارِ."

https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/دحية/

[23] لمزيدٍ مِنَ المعلوماتِ عَنْ الأقاليمِ المناخيةِ للأرضِ ، أنظرْ الرابطَ التالي:

http://www.physicalgeography.net/fundamentals/7v.html   

أنظرْ الروابط َالتاليةَ ، لمزيدٍ مِنَ المعلوماتِ عَنْ الشكلِ البيضاويِّ للأرضِ:

https://www.scientificamerican.com/article/earth-is-not-round/

http://www.answering-christianity.com/egg-shaped_earth.htm

https://www.quora.com/Why-is-planet-Earth-not-a-perfect-sphere

أنظرْ الرابطينِ التاليينِ ، لمزيدٍ مِنَ المعلوماتِ عَنْ الشكلِ البيضاويِّ لمجموعتِنا الشمسيةِ:

http://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-1031357/Our-solar-egg-shaped-according-distant-space-probe.html

https://www.thunderbolts.info/forum/phpBB3/viewtopic.php?f=3&t=816&sid=8b34cc2c915ff5737f55bf9c266b510c

[24] انظرْ ، على سبل المثال ، الرابطينِ التاليين ، عن أنَّ الأرَضَ تشبهُ البيضةَ في شكلها ، أي ليست دائريةً تماماً  (بسببِ ما اعتراها من نقصٍ في أطرافها ، نتيجةً لعواملِ التعريةِ).

The Egg-Shaped Earth (Audio of Dr. Muhammed Zaghlool Al-Najjar).

http://www.answering-christianity.com/egg-shaped_earth.htm

Voyager pictures reveal that our Solar System is egg-shaped - Telegraph

www.telegraph.co.uk/scienceandtechnology/science/sciencenews/3346213/Voyager-pictures-reveal-Solar-System-is-egg-shaped.html

[25] الْمَرَاجِعُ الرَّئِيسَةُ لِلْفَصْلِ الرَّابِعِ:

القرآن الكريم ، بالخط العربي ، المنشور على موقع شبكة تنزيل ، على الرابط التالي:

www.tanzil.net 

كتب تفسير القرآن الكريم للمفسرين الثلاثة الكبار ، الطبري والقرطبي وابن كثير ، والتي تم ذكرها في الملاحظةِ التوثيقيةِ السابعةِ ، منَ الفصلِ الأولِ ، وهي منشورة على روابطَ عديدةٍ ، مثلِ الرابطِ التالي:

http://quran.al-islam.com/Loader.aspx?pageid=215

Allen, JS; Damasio H; Grabowski TJ (2002). "Normal neuroanatomical variation in the human brain: an MRI-volumetric study." Am J Phys Anthropol. 118 (4): 341–58. 

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/12124914  

Allman, John. 2000. "Evolving Brains." Scientific American Library, W.H. Freeman, updated by Sarah Neena Koch (2011):

http://mybrainnotes.com/memory-language-brain.html

Brown, Graham; Fairfax, Stephanie; Sarao, Nidhi. "Human Evolution"Tree of Life. Tree of Life Project.

http://tolweb.org/treehouses/?treehouse_id=3710

MacLean, Paul. 1990. "The Triune Brain in Evolution: Role in Paleocerebral Function." Plenum, New York. A summary by Sarah Neena Koch at:

http://mybrainnotes.com/evolution-brain-maclean.html

Mora-Bermúdez, Felipe et al. 2016. "Differences and similarities between human and chimpanzee neural progenitors during cerebral cortex development." NCBI, Volume 5.

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5110243/

Pascual, Leo et al. 2013. "How does morality work in the brain? A functional and structural perspective of moral behavior." Frontiers in Integrative Neuroscience, 7: 65.

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3770908/  

Premack, David. 2007. "Human and animal cognition: Continuity and discontinuity." Proc Natl Acad Sci U S A. 2007 Aug 28; 104(35): 13861–13867.  

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1955772/

Sapolsky, Robert M. 2005. "Monkeyluv and Other Essays on Our lives as Animals." Scribner, New York.

Scupin, Raymond. 2008. "Cultural Anthropology: A Global Perspective." 7th Edition. New Jersey: Person, Printice Hall. Note: This is a textbook used in teaching Cultural Anthropology on the college level all over the United States. It's a comprehensive survey of research in the field.

Smithonian Institution. 2018. "Human Characteristics: Brains." Human Origins.

http://humanorigins.si.edu/human-characteristics/brains

Solomon, Eldra P., Linda R. Berg, and Diana W. Martin. 2006. "Biology." 7th Edition. Belmont, CA: Books/Cole-Thomson.

Wicks, Paul. 2003. "MRI of orbitofrontal cortex: Approximate location of the orbitofrontal cortex." Wikimedia.

https://commons.wikimedia.org/wiki/File:MRI_of_orbitofrontal_cortex.jpg

[26] أسماءُ العلماءِ الأربعةِ الذينَ كانوا أولَ مَنْ اكتشفَ أنَّ الحياةَ قد بدأتْ في الماءِ ، هي كما يلي:

The Russian A. I. Oparin, the Scottish J. B. S. Haldane, and the Americans Stanley Miller and Harold Urey.

المعلوماتُ الواردةُ في الْمُلْحَقِ الأوَّلِ ، للفصلِ الرابعِ ، خاصةً عن بدءِ الحياةِ على الأرضِ ، مأخوذةٌ مِنَ الكتابِ التالي ، الذي يُستعملُ في تدريسِ مادةِ الأحياءِ ، في العديدِ مِنَ الكُلياتِ والجامعاتِ الأميركيةِ ، لأنَّهُ يُمَثِّلُ مَسْحَاً شاملاً للأبحاثِ العلميةِ في هذا المجال ، حتى وقتَ صدورِهِ:

Solomon, Eldra P., Linda R. Berg, and Diana W. Martin. 2006. "Biology." 7th Edition. Belmont, CA: Books/Cole-Thomson.

[27] فيما يلي بعضُ الروابطِ عَنْ اكتشافِ حفرياتِ المغربِ وعَنْ اختلافِ "الإنسانِ العاقل الحكيمِ" عَنْ سَلَفِهِ:

https://www.npr.org/sections/health-shots/2017/06/07/531804528/315-000-year-old-fossils-from-morocco-could-be-earliest-recorded-homo-sapiens

http://www.columbia.edu/itc/cerc/danoff-burg/invasion_bio/inv_spp_summ/homo_sapiens_sapiens.html

https://earlyhumansdiv1.wikispaces.com/Homo+Sapien+Sapien+Clothes

[28] المعلوماتُ الواردةُ في الْمُلْحَقِ الثاني ، للفصلِ الرابعِ ، خاصةً عنْ الأجناسِ البشريةِ التي ظهرتْ على الأرضِ ، مأخوذةٌ مِنَ الكتابِ التالي ، الذي يُستعملُ في تدريسِ مادةِ الأحياءِ ، في العديدِ مِنَ الكُلياتِ والجامعاتِ الأميركيةِ ، لأنَّهُ يُمَثِّلُ مَسْحَاً شاملاً للأبحاثِ العلميةِ في هذا المجال ، حتى وقتَ صدورِهِ:

Solomon, Eldra P., Linda R. Berg, and Diana W. Martin. 2006. "Biology." 7th Edition. Belmont, CA: Books/Cole-Thomson.

يُمْكِنُ الاطلاعُ على صورٍ للحفرياتِ ، وصفاتِ ، وتواريخِ الأجناسِ البشريةِ المختلفةِ ، في موقعِ معهدِ سميثونْيانْ ، على الرابطِ التالي:

http://humanorigins.si.edu/evidence/human-fossils/species   

انظرْ الملاحظةَ رقم 52 ، والملاحظةَ رقم 54 ، عن تطورِ "الإنسانِ العاقلِ" إلى "الإنسانِ العاقلِ الحكيم" مُنذ ثلاثينَ ألفَ سنةٍ ، وانظرْ أيضاً قِسمَ "تحذيرِ اللهِ لآدمَ" ، في الفصلِ الخامسِ مِنْ هذا الكتابِ. وبالإضافةِ إلى ذلكَ أنظر المصدر الرئيسِ عن تطورِ الأجناسِ البشريةِ:

Solomon, Eldra P., Linda R. Berg, and Diana W. Martin (2006: 409-416).

انظرْ الروابطَ التاليةَ عن "الإنسانِ العاقلِ الحكيمِ":

https://www.npr.org/sections/health-shots/2017/06/07/531804528/315-000-year-old-fossils-from-morocco-could-be-earliest-recorded-homo-sapiens

http://www.columbia.edu/itc/cerc/danoff-burg/invasion_bio/inv_spp_summ/homo_sapiens_sapiens.html

https://earlyhumansdiv1.wikispaces.com/Homo+Sapien+Sapien+Clothes

***